في إحدى اللقاءات التي جمعت رَهْطًا من فاعليات المدينة وأهلها ووافدين، يميلُ أحدُ الأقطاب الأثرياء على جليسِه بجانبه على الطاولة، يسألُه عن الشخص الذي أتاه يُلقي عليه التحيةَ بحرارة ويسأله عن حاله وأحوال عائلته… يتفاجأ الشخصُ الذي تمَّ سؤاله من قبل “القُطب الثري”، فيقول له، وعلاماتُ الدهشة باديةٌ على محيّاه: هذا عضوُ البلدية فلان… لقد كنتَ أنت أكبرَ داعمي لائحته (الأخفياء، من وراء ستار، جبناً) في المعركة الأخيرة. ألا تعرفه؟ لقد موّلت حملته وأوصلته إلى البلدية. يَنْصَدِمُ السائلُ من الإجابة، فلا يجدُ مفرًّا من الإحراج إلا أن يُكمِلَ قَضْمَ الجَزَر من صحن على الطاولة. هكذا تُدارُ المعاركُ الانتخابية في صيدا. داعمون لا يعرفون مَن يدعمون، ومدعومون لا يتعرفون على داعميهم إلا في المناسبات. أما ما يحكم العملية برمتها فغالبا ما تكون النَكَايَاتٍ السياسية، وحتى الشخصية، وأهواءِ نفوسٍ آخرُ هَمِّها المدينةُ وأهلُها ومشاكلها، ومَن يصلُ إلى الكرسي، وماذا يُقدِّم من بعد ذلك…
نجحت شخصيةٌ صيداويةٌ تنشطُ بحضورٍ واضحٍ في قضايا الشأن العام على صعيد المدينة، في الجمع بين «غريمي الأمس» أسامة سعد وبهية الحريري، على مائدةِ عشاءٍ عائليةٍ “ضيّقة” مساء اليوم في منزل هذه الشخصية، لم تضمّ إليهما إلا عددًا من المدعوّين لا يتجاوزُ أصابعَ اليد الواحدة. ولأنَّه في صيدا كلُّ شيءٍ مختلف، حتى الخصوماتُ والصداقات والولاءات، فقد تنجح الصياديّة بالسمك البلدي والفوارغ الدسمة، مع الكوسا المحشي بالريش، وغيرها من الأصناف الصيداوية المميّزة، في تذليل الكثير من العقبات السياسيّة والشخصيّة التاريخية. الخطوةُ وإن اكتست طابعًا “إجتماعياً” بلا أبعادٍ وتأويلات، إلّا أنّه لا يمكن قراءتُها في هذا التوقيت بالذات، من حيث الشكل والمضمون، إلّا باعتبارها مؤشّرًا مهمًّا – مهما يكن حجمه – على ملامح المرحلة السياسيّة المقبلة في المدينة التي تقفُ على أعتاب معركةِ انتخاباتٍ نيابية قريبة ستكون الأقوى والأصعب منذ سنين.
ليس دفاعًا عن بلديةِ صيدا، بل دفاعًا عن صيدا.يحقُّ للصيداويين أن يسألوا — ببراءةٍ وخُبث — تعقيبًا على فيديو انتشرَ عن “الناقد الثقافي” جمال فيّاض مُنتقدًا وِساخةَ شوارعِ المدينة وانتشارَ النفايات فيها: ما هو الرابطُ بين “بَوْرةٍ” خاصّةٍ في مدينةٍ صناعيةٍ في أقصى أطرافِ المدينة، وناقدٍ صحافيٍّ وافدٍ من بيروت؟ ما هو تفسيرُ هذه “الحرقة” التي منعت فيّاض من متابعةِ طريقه، ودفعته للتوقّف جانبَ الطريق نُصرةً لنظافةِ المدينة التي يحرصُ عليها بشدّة؟ ما عملُ زائرٍ مشاركٍ في فاعليةٍ ثقافيةٍ تحتضنها المدينة، بالتجوّل يومَ عُطلةٍ لا يتمّ فيه كنسُ الأوساخ في أزقّة منطقةٍ صناعيةٍ صِرف، يتكرّرُ مشهدُ ما رأيناه فيها كما في أيٍّ من المناطق الصناعية على امتداد الوطن؟ بحسب مصادر مُطَّلعة، لا يندرجُ الفيديو الذي صوّره فيّاض في إطارٍ بَريء، بل هو مقصودٌ من قبل صاحبهِ وجهاتٍ محدودةٍ لتشويهِ صورةِ صيدا وتنميطِها بهذا الشكل الذي يؤثّر على مساعي النهوض التي تقوم بها المدينة على أكثر من صعيد، لا سيما “الثقافي” منها. كما هي محاولةٌ من قبل فيّاض، بعد إفلاسٍ مهنيٍّ واضح، لاستعمالِ موضوعِ صيدا كمَطيّةٍ لزيادة عددِ المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت المنصّةَ الوحيدةَ التي يجدُ فيها حيّزًا للظهور بعدما لفظَتْهُ المحطّاتُ التقليديةُ والتلفزيونات.