قد تبدو المسافةُ بين صيدا والعاصمةِ الكوبيّة هافانا طويلةً، وقد يسأل البعض: ما علاقةُ مدينةٍ متوسطيّة بسيطة متواضعة بعاصمةِ السيغار واليسار وفيديل كاسترو في أقصى بقاع الأرض، عند أطرافِ أميركا اللاتينيّة؟ على الرغم من بُعدِ المسافات، استطاع عددٌ من الصيداويّين تقريبَها، وإدخالَها في شوارعِ وأزقّةِ مدينتِهم ومحالِّها وعائلاتِها وحياتِهم اليوميّة، بطريقةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة. فمنذ أيّامٍ انشغلت المدينةُ بخبرِ مداهمةِ فرقةٍ من الجمارك لمحلٍّ وبيتِ أحدِ التجّارِ النشطين في بيع “السيغار” في صيدا، حيث تمّت مصادرةُ عددٍ من البضائع وتوقيفُ صاحبِها، الذي ما لبث أن أُطلِق سراحُه لأسبابٍ بقيت “طَيَّ الكِتمان”. بحسب عارفين، لم تبدأ القصة من صيدا بل بدأتِ من مطارِ دبي، حين عبر أحدُ أبناءِ “حيتانِ السيغار” في العالم ليجد سيغارا في أحدِ محالّ السوقِ الحرّة، ليس من بضاعة والدِه “المُحتكِر” لهذا البلد، وليتبيّن لاحقاً أنّ مصدر البضاعة تاجرٌ من صيدا وصلت مساريبه إلى “الإمارة السعيدة” (لتعلم كيف تتم الأمور في هذا العالم)، فتمّت مداهمتُه “بنَفس” من الحوت وحقه القانوني. في عالمِ التبغِ والتنباك ليس خفيّاً على أحد تداخُلُ التهريبِ بالوكالاتِ الحصريّة، والاستيرادُ بالتصدير، والتلاعُبُ على “كوتا” البلدان، وصولاً إلى إعادةِ التصدير لبلدانِ الثراءِ والمال. لا نفهم غالباً سُبُلَ اللهِ في توزيعِ رزقِه، لذا من الطبيعيّ ألّا نفهمَ كيف للسيغارِ الملفوفِ على فخاذِ “العَذارى” أن يكون سبباً في جعلِ 4 من أبناءِ المدينةِ مليونيريّة (حتّى الآن فقط)، وكيف يمكن للغباءِ الإداريّ والبُخلِ الوظيفيّ أن يكون سبباً في تكوينِ مليونيرٍ. يبدو أنّ مداهمةَ الأسبوعِ الماضي ليست إلّا جولةً من حربٍ مفتوحةٍ بين “الحوت” وبضعةِ “قُروش”، ستشهدُ المدينةُ فصولَا مثلها مجدّداً، فمنهم من ينتظر ومنهم من يحتمي بحيتان أخرى.
في مدارسِ صيدا الرسميّة، وعلى مَرأى ومَسمَع آلافِ الصيداويّين، يَظهر كتابُ التربيةِ الوطنيّةِ والتنشئةِ المدنيّة بأنّه من إعدادِ مُعلّمي المادّة في مدارس المهدي.هكذا، وبشكلٍ واضِحٍ ومطبوعٍ صراحةً على الغلاف، تُدرَّس التربيةُ الوطنيّة في مدارسِ الدولةِ الرسميّة من منظورٍ مذهبيٍّ صِرف، كما يَراه مُدرّسو مدرسةٍ تَعتنق فِكرًا طائفيًّا مُحدّدًا. وللمدرسةِ – طبعًا – كلُّ الحقِّ في منهجها داخل مؤسّساتها الخاصّة، لكن ليس لأحدٍ الحقُّ في فرضِه على تلاميذَ من مذاهِبَ أخرى، وفي مدارسِ لبنان الرسميّة، وفي مدينةٍ ذاتِ أغلبيّةٍ سُنّيّة. ويَبقى السُّؤال: مَنِ المسؤولُ عن هذا الأمر؟ ومَن مرَّرَهُ وأدخَلَهُ إلى مدارسِ صيدا؟ وكيف تكون مادّةٌ وطنيّة في مدارس رسميّة من صياغةِ مدارسَ ذاتِ مذهبٍ دينيٍّ مُحدَّد؟ فالمادة اسمها مادة التربية الوطنية…لا التربية المذهبية!
منذ تولّي دوروثي كلاوس إدارةَ الأونروا في لبنان، تغيَّر وجهُ الوكالة: اللاجئُ صارَ رقمًا، والميدانُ شاشةً، والإغاثةُ إدارةً رقميّةً باردة. خطابٌ ناعمٌ يُخفي مشروعًا يُفرِّغُ العملَ الإنسانيَّ من روحِه الوطنيّة، ليُحوِّله إلى إدارةٍ أمنيّةٍ “ذكيّة” تُراقبُ أكثرَ ممّا تُغيث. ويبقى السؤالُ الأكبر: لِمصلحةِ مَن؟ ثمّة ما يُعادُ هندستُه في الخفاء. توسّعٌ عمرانيٌّ غامض في منطقةِ سبلين في إقليمِ الخروب، وأجهزةُ “حمايةٍ” مريبة، وتوظيفٌ متسارع… وكلُّ ذلك تحتَ لافتةِ “التحديثِ الإداري” و”التحوّلِ الرقميّ”. مَن فوّضَ الأونروا بإعادةِ تشكيلِ المخيّمات؟ وفي إطارِ أيِّ مشروعٍ يصبُّ ذلك؟ ومَن منحها صلاحيّةَ تحويلِ مجتمعٍ بأكملهِ إلى قاعدةِ بياناتٍ تُدارُ من خلفِ الشاشات؟ مَن يريدُ استبدالَ الهُويّةِ بالرَّمز، والحقِّ الإنسانيِّ بخُطّةٍ أمنيّةٍ ناعمةٍ، تمهيدًا لمرحلةِ وصايةٍ جديدةٍ وتلاشي قضية عالمية، وتوطين مكتوم؟