في خطوةٍ لافتة تحمل الكثير من المعاني والدلالات، قامت إحدى الجمعيّات الأهليّة التي تنشط بشكلٍ ملحوظ في العمل الإنساني والإغاثي في صيدا خلال هذه الفترة، بحملةٍ ذكيّة تتيح للنازحين الذين تركوا ديارهم الاستحمام والمحافظة على النظافة منعًا لانتشار الأمراض والأوبئة بينهم. ولأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، فقد علمت “البوست” من مصادر محليّة متابعة أن عددًا من أعضاء الجمعيّة ومتطوّعيها قاموا بالتجوّل في شوارع صيدا للبحث عن تجمّعات للنازحين خارج مراكز الإيواء، حيث تمّ التواصل معهم وتوزيع قسائم عليهم للتوجّه إلى أحد حمّامات البلدة القديمة للاستحمام والتنظيف وقد لاقت هذه الخطوة استحسانا وترحيباً من قبل النازحين وعائلاتهم، لاسيما النساء والأولاد، الذي مضى على بعضهم أكثر من أسبوع دون استحمام. مرّةً جديدة تكشف صيدا عن وجهٍ خاص لا يشبه غيرها من المدن والمجتمعات. فهذه الحمّامات الأثريّة الضاربة عمقاً في التاريخ، والتي تأسّست منذ مآت السنين، تُثبت أن الحقّ والحقيقة يسودان في النهاية مهما طال ليل الظالمين، وهكذا تنتصر “نظافة العثمانيين” على “وساخة الصهاينة”.
يؤكّد عارفون لـ”البوست” أنّه لولا بعضُ المخزون الإغاثي المتبقّي من آخر جولات الحرب مع إسرائيل للبلدية الماضية، لكان النازحون في صيدا لا يزالون ينتظرون حتى الآن مَن يَمُنّ عليهم ببطّانيات وفرش وموادّ غذائية أساسية. الفاجعة لا تكمن في تقاعس الدولة والمنظمات الأهلية والدولية عن القيام بواجباتها فحسب، بل تتمثّل كذلك في اللامسؤولية التي تعاملت معها البلدية الحالية مع فكرة احتمالية اندلاع حرب في أي لحظة، وترك الأمور حتى حدوث المشكلة للبحث عن حلول لا تفاديها. فبحسب متابعين، وزّعت البلدية في الأيام الأولى من الحرب الحالية عددًا لا يتعدّى 600 فرشة على عدد نازحين يتجاوز 10 آلاف، وأنّ هذه الفرش والبطّانيات كانت مخزّنة بطريقة غير صحية ولا صالحة في مستودعات تابعة للبلدية في مبنى الملعب البلدي لصيدا، ما أدّى إلى وصول المياه إلى الفرش وتعفّنها. كذلك تبيّن أنّ بعض الحصص الغذائية حوى موادًا منتهية الصلاحية، لم يلحظ أحد من المعنيين بالأمر ذلك إلا حين توزيعها على الناس.
توقّف مصدرٌ سياسيّ صيداويّ مخضرم عند ظاهرةٍ باتت واضحة في المدينة خلال الأيام الأخيرة، تتمثّل في مسارعة الشخصيات السياسية والقوى الفاعلة إلى تفقد الأماكن التي استهدفتها آلة الحرب الإسرائيلية المجرمة، برفقة رهطٍ من أشخاص يبدو أنهم جُمِعوا على عجل لزوم اكتمال “الكادر” الفوتوغرافي. وبرأي المصدر، يعكس هذا المشهد المستوى الحقيقي الذي وصل إليه العمل السياسي والتعاطي مع الشأن العام في المدينة، حتى صارت الصورة والنشر الإعلامي لزامًا على كل من يحلم بمنصب أو كرسي. فتجد أشخاصًا لا علاقة لهم بالحادثة أصلًا يتسابقون فيما بينهم للتوجّه إلى مكان الاعتداء، والوقوف بوضعيات مختلفة أمام الكاميرات، والإدلاء بتصريحات لا تتعدّى كونها كلامًا فارغًا لا يصرف فعليًا بحق من طالتهم الاعتداءات.