يُقال إن لا أحدَ أكبرُ من بلده.يصحّ ذلك حين يكون الحديث عن “شخص”، عن كونه إنسانًا بصفاته المادية، الطبيعية…لكن حين يصبح الحديث عن “الفكرة” لا عن حاملها، فهناك حكمًا من هو أكبر من بلده. البوذية أكبر من النيبال التي وُلد فيها بوذا، والشيوعية أكبر من الاتحاد السوفياتي والصين، والرأسمالية أكبر من أميركا وأوروبا مجتمعتَين. حين تكبر الفكرة، تضيق عليها الجغرافيا. تصبح عابرةً للمكان والزمان، ولا يمكن أن يحدّها حيّز أو أن تحتجزها قضبان. هكذا يتمظهر الشيخ أحمد الأسير الحسيني اليوم، لا أكبر من لبنان، بل أكبر من “اللبنان” الذي نعيشه آنيًّا، والمنظومة التي تتحكّم فيه. فأن يجتمع الخصوم والحلفاء، ويتناغم الأضداد بحق “شخص”، فهو حكمًا أكبر من مجرّد ذاته. إنهم يخافون “الفكرة” ويكرهون “الشكل” قبل “المضمون”. #### قلّة من اللبنانيين يعرفون أحمد الأسير على حقيقته. يدفع الرجل في زنزانته ثمن “الصورة” التي تراكمت عنه في الإعلام والأذهان والمبالغات والأقاويل والشائعات…هنا يصحّ القول أن “الشيخ” ضحية صورته في زمن الطغيان البصري. صورة نمطية، أول من سيدفع ثمنها رئيس الجمهورية نفسه بمجاهرته أمام من التقاهم بأنّ “الأسير لن يخرج في عهدي”. منذ سنوات، التقى صحافي زميل محسوب على محور الممانعة قائدَ الجيش آنذاك جوزيف عون، وعاد ليخبرني بانطباعه الذي أثق به، أنّ “القائد”، حين فُتحت سيرة “الإرهاب”، تبيّن كم يكره الشيخ الأسير وكل من يدور في هذا الفلك. كان الوقت حينها “زمن فجر الجرود”. لا تُدار الدول بالنزوات الشخصية، والآراء الخاصة، وأهواء النفوس. اليوم، يخوض جوزيف عون حروبًا ومعارك داخلية وخارجية ليؤكّد ما طالب به الأسير منذ سنوات. تطابقٌ حدّ التماهي في العناوين الكبرى كما في التفاصيل، فكيف يا “ريّس” تسجن “حليف الفكرة” وتسترضي “خصومها”؟ #### منذ أيام تحرّر أحمد الأسير. لم يعد أسيرًا. تبقى مُخرجات الشكل. منذ أن طُرح موضوع “العفو العام”، صار الشيخ طليقًا. تحوّل، حتى في أذهان من لم يعرفه أو يصادفه، رمزًا للمظلومية، وتحديدًا عند “السُنّة” في لبنان. هنا تصبح الفكرة أقوى من الشخص، فتتخطّى أسوار “رومية”. منذ أن تغيّرت نظرة الكثيرين إليه، وتحوّل إلى عنوان لحقبة يريد أغلب اللبنانيين أن يتخطّوها قدمًا، صار خارج الزنزانة. كسر الأسير قيده، وأغلالًا كثيرة معه، وتحرّر معه كثيرون خارج السجن الأكبر. ما لم يدركه “غلمان السياسة” اللبنانية حتى الآن هو أنه لم يعد بالإمكان سجن الأسير، مهما يكن شكل القانون المنتظر وما ستؤول إليه النتائج. قبل أيام معدودات، كان التطرّق لسيرة الأسير أمرًا يتجنّبه أغلب أهل الحكم كما كثيرون من العوام. كُسر حاجز الخوف عند الكثيرين؛ على الشاشات، وفي الشوارع، والصالونات، وحتى مؤسسات” الدولة” نفسها. بعد أن كان صوت المتحدّث يخفت حين يصل إلى اسم أحمد الأسير، صار الصوت يعلو، وكذلك تراكم “كرة الثلج”، وإن بدت ضعيفة الآن. ما لم يفقهه “خائفو الأقليات” أنّ أهل السنّة، وإن لم ينتصروا اليوم، لا يمكن هزيمتهم غداً. لم يعد أحمد الأسير يمثّل نفسه، صار يمثّل امتحانًا لولادة بلد جديد بمعانٍ وأفكار ومعطيات جديدة. لبنان بأكمله أمام امتحان، والأسير عنوانه، حتى وإن لم يتوقّع الكثيرون ذلك. صار جسرًا إلزاميًّا للعبور إلى مرحلة جديدة من تاريخ البلد. هذا ما لم يفهمه السياسيون في لبنان حتى الآن. #### قد تستطيع الدولة أن تؤخّر توقيعًا، أو تُعطّل قانونًا، أو تُبقي باب الزنزانة مواربًا بين الوعد والخوف، لكنها لم تعد قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فالذي خرج مؤخراً لم تكن قصة رجل من خلف القضبان، بل معنىً من تحت الركام، معنى المظلومية حين تتحوّل إلى وعي، والصمت حين يصير صوتًا، والخوف حين ينكسر في صدور الناس قبل أن ينكسر على أبواب السجون. إنهم يحولونه “أسطورة” دون أن يعوا ذلك. لذا، لم يعد السؤال الآن هل يخرج أحمد الأسير أم لا؟ بات السؤال الأكبر، هل يملك لبنان الشجاعة ليخرج هو من سجنه القديم؟
لم يعد «التوازن» في التجربة اللبنانية ذلك المفهوم الذي يُبشّر بالاستقرار عبر إدارة التعددية، بل انقلب إلى حالة من الشلل المقنّع، حيث تتوارى الدولة خلف معادلات هشّة، ويتحوّل النظام من مساحة تسويات إلى ساحة تعطيل مفتوح. الأخطر من ذلك أنّ هذا التحوّل لم يُنتج فقط أزمة حكم، بل أسهم في تفكيك معنى الانتماء الوطني نفسه، بحيث بات اللبناني موزّعًا بين ولاءات متنازعة، في ظل غياب مرجعية دولة قادرة على توحيد البوصلة. ضياع وبدائل في هذا السياق، لا يمكن فصل ضياع الانتماء عن غياب القرار. فالدولة التي تعجز عن اتخاذ قرارات سيادية واضحة، وتترك فراغًا في موقعها الطبيعي كمرجعية عليا، تفسح المجال أمام بدائل غير وطنية لملء هذا الفراغ. وهكذا، يتراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماءات الفرعية، سواء كانت طائفية أو فئوية أو مرتبطة بمحاور إقليمية. يصبح الوطن إطارًا شكليًا، فيما تُدار الخيارات المصيرية خارج حدوده أو خارج مؤسساته. لقد قام النموذج اللبناني، في أحد أوجهه المثالية، على فكرة التوازن بين الانتماء الوطني والانفتاح العربي. غير أنّ هذا التوازن اختلّ حين جرى استبدال الانتماء العربي الجامع بانخراط غير متكافئ في صراعات المحاور. ومع تراجع حضور الدولة، ((برزت قوى تملك فائض قوة خارج الشرعية، ما أدّى إلى إعادة تعريف التوازن على قاعدة القوة لا على قاعدة الشراكة.)) هنا، يتحوّل التوازن من أداة لحماية التعدد إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع. skip render: ucaddon_material_block_quote فقدان المركز من منظور فكري يتماهى مع رؤية تؤمن بالدولة السيّدة والعادلة، فإنّ جوهر الأزمة اللبنانية يكمن في فقدان مركزية القرار. فالدستور لم يُصمَّم ليكون مجرّد إطار تفاوض دائم، بل ليكون مرجعية حاسمة تُنظّم الحياة السياسية وتضبط إيقاعها. لكن حين تُعلَّق أحكامه لصالح أعراف ظرفية، وحين يُستبدل منطق المؤسسات بمنطق التوافقات القسرية، يصبح القرار رهينة ميزان قوى متقلّب، لا تعبيرًا عن إرادة وطنية مستقلة. في هذا المناخ، يتعمّق ضياع الانتماء. فالمواطن الذي لا يرى دولة تحميه أو تعبّر عنه، يبحث تلقائيًا عن بدائل: طائفته، زعيمه، أو حتى الخارج. ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة بالدولة إلى حدّ تصبح فيه فكرة الانتماء الوطني نفسها موضع شك. وهذا ما يفسّر كيف أنّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان لم تُواجَه برد فعل وطني موحّد، بل بتباينات حادّة تعكس تشتّت الهوية السياسية. استعادة الدولة إنّ استعادة الانتماء تبدأ من استعادة الدولة. ولا يمكن للدولة أن تُستعاد من دون إعادة الاعتبار لاحتكارها القرار السيادي. فازدواجية السلاح، وتعدّد مراكز القرار، يُفرغان أي حديث عن التوازن من مضمونه، ويجعلان من الشراكة مجرّد واجهة شكلية. التوازن الحقيقي لا يقوم على تقاسم القدرة على التعطيل، بل على وحدة المرجعية في اتخاذ القرار، ضمن نظام ديمقراطي يضمن التمثيل والمساءلة. كذلك، فإنّ إعادة وصل لبنان بعمقه العربي تُشكّل ركيزة أساسية لاستعادة توازنه الطبيعي. فالانتماء العربي لم يكن يومًا عبئًا على لبنان، بل كان عنصر حماية واستقرار. وعندما ابتعد لبنان عن هذا العمق، خسر شبكة أمان سياسية واقتصادية، ووجد نفسه أكثر عرضة للانكشاف أمام صراعات لا قدرة له على تحمّل تبعاتها. من هنا، فإنّ إعادة تثبيت هذا الانتماء لا تعني الانحياز، بل تعني استعادة موقع لبنان الطبيعي كجسر لا كساحة. من الاعتدال المؤسِّس إلى الاعتلال السياسي توازن العجز أما على المستوى الداخلي، فإنّ الخروج من مأزق «توازن العجز» يقتضي الانتقال من منطق التسويات الظرفية إلى منطق الدولة القادرة. دولة تُحترم فيها المهل الدستورية، وتُجرى فيها الانتخابات في مواعيدها، وتُفعَّل فيها المؤسسات بعيدًا عن منطق التعطيل. كما يتطلّب ذلك قضاءً مستقلًا، وإدارة حديثة، ورؤية اقتصادية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. في المحصلة، لا يمكن للبنان أن يستمر في العيش داخل معادلة توازن تُنتج العجز، وانتماء يتآكل تحت ضغط الفراغ. فإمّا أن يُعاد بناء الدولة على أسس واضحة من السيادة والانتماء، وإمّا أن يبقى رهينة دوامة من الشلل والتفكك. وبين هذين الخيارين، تكمن مسؤولية النخب السياسية في إعادة تعريف التوازن، لا كحق في التعطيل، بل كالتزام ببناء دولة جامعة، يكون فيها القرار وطنيًا، والانتماء واحدًا لا يتجزأ. يشكّل الطائف لحظة مفصلية أعادت تعريف «التوازن» في لبنان: نقلته من توازن ميليشيوي خلال الحرب إلى توازن دستوري يُفترض أن يُدار عبر المؤسسات. لكن المشكلة أنّ هذا التوازن، كما طُبّق، تعرّض لاختلال مزدوج: أولًا عبر تعطيل أجزاء أساسية منه، (خصوصًا ما يتعلّق بحصرية السلاح بيد الدولة وبناء الدولة المدنية)، وثانيًا عبر تحويل روحية التوافق فيه إلى أداة تعطيل بدل أن تكون آلية تنظيم. ومن زاوية الاعتدال، فإنّ الطائف نموذج «للاعتدال المؤسِّس» مقابل «الاعتلال السياسي» اللاحق. أي أنّ الاعتدال الحقيقي هو الذي يبني دولة ويُنهي صراعات، لا الذي يساير اختلالات دائمة. فالاعتدال ليس تسوية مفتوحة بلا سقف، بل التزام واضح بقواعد الدولة والدستور. skip render: ucaddon_box_testimonial
لا يقف لبنان اليوم أمام نقاش قانوني عابر، بل أمام واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بمصير المجتمع نفسه. فالعفو العام في بلد كلبنان لا يمكن اختصاره ببنود قانونية، أو أرقام، أو أسماء مطلوبين ومحكومين فحسب، لأن المسألة أعمق بكثير من مجرّد فتح أبواب السجون أو إسقاط مذكرات التوقيف. نحن أمام بلد يعيش منذ عقود فوق طبقات متراكمة من الخوف، والذاكرة الدموية، والانقسام الطائفي؛ بلد انتهت فيه الحرب عسكريًا، لكنّها بقيت حيّة في النفوس والخطابات والسياسة والوجدان الجماعي. في الدول المستقرة، قد يكون العفو العام جزءًا من تسوية قانونية أو سياسية محدودة، أما في لبنان فهو أشبه بالسير فوق حقل ألغام. فكل كلمة تُقال حوله تُفسَّر طائفيًا، وكل اقتراح يُقرأ من زاوية الخوف الوجودي، وكل فريق يسأل فورًا: من سيستفيد؟ ومن سيدفع الثمن؟ ومن ستُفتح له أبواب التسوية؟ ومن ستُترك جراحه معلّقة؟ ولهذا، فإنّ الحديث عن العفو العام في لبنان ليس حديثًا عن القانون فقط، بل عن العدالة، والسلم الأهلي، والخوف الجماعي، ومستقبل العيش المشترك في بلد يكاد يشعر أبناؤه يوميًا أنّ الانفجار قد يقع في أي لحظة. الهدنة لا التسوية المشكلة الحقيقية أنّ لبنان لم يصل يومًا إلى تسوية وطنية حقيقية بعد الحرب الأهلية. لقد توقفت المعارك عسكريًا، لكن القلوب لم تهدأ بالكامل، والذاكرة بقيت مشتعلة تحت الرماد. الطوائف ما زالت تحمل مخاوفها القديمة، والأحزاب ما زالت تستثمر في تعبئة جمهورها بالخوف من الآخر، والدولة ما زالت عاجزة عن إقناع الناس بأنها مرجع عادل يقف فوق الجميع. لهذا يبدو لبنان حتى اليوم وكأنه يعيش «هدنة طويلة» أكثر مما يعيش سلامًا فعليًا. فالانقسامات لم تختفِ، بل تبدّلت أشكالها فقط، ومع كل أزمة سياسية أو أمنية أو إقليمية، يعود شبح الحرب إلى الذاكرة الجماعية سريعًا. واليوم، مع الحرب الدائرة في المنطقة، والانقسام الداخلي الحاد، والانهيار الاقتصادي غير المسبوق، عاد اللبناني يشعر أنّ الاستقرار هشّ جدًا، وأن أي خطأ في إدارة الملفات الحساسة قد يدفع البلد نحو المجهول. skip render: ucaddon_material_block_quote من هنا، يصبح ملف العفو العام شديد الخطورة، لأنه لا يُناقش في بيئة مستقرة، بل داخل مجتمع متوتر ومعبّأ بالخوف والشك وانعدام الثقة، إضافة إلى الحرب الدائرة حاليًا. في لحظات الانقسام الكبرى، تعجز السياسة وحدها عن إنتاج حلول حقيقية. فالحسابات السياسية غالبًا ما تُدار بالمصالح والتوازنات والخوف وموازين القوى، بينما تحتاج المجتمعات الجريحة إلى شيء أعمق من التسويات العابرة؛ تحتاج إلى ميزان أخلاقي يشعر الجميع أنه أعلى من الطوائف والأحزاب والزعامات. ولهذا كان القرآن واضحًا في جعل العدل أساس قيام المجتمعات: «العدل أساس الملك»، لا مجرّد خيار سياسي يمكن التفاوض حوله. تُعدّ هذه الآية من أعظم النصوص التي تحدّثت عن العدالة المطلقة، حتى إنّ معناها ومفهومها مطبوعان على جدار كلية الحقوق في جامعة Harvard University، إحدى أهم الجامعات التي خرّجت كبار القضاة ورجال القانون وصنّاع القرار في العالم، في إشارة إلى أنّ العدالة الحقيقية لا تقوم إلا حين يكون القانون فوق الجميع بلا استثناء. فالعدل هنا ليس عدالة طائفة ضد أخرى، ولا عدالة المنتصر على المهزوم، ولا عدالة النفوذ والسلاح، بل عدالة مطلقة بين الناس جميعًا. ولهذا، عندما يعجز الإنسان عن إنتاج حلول عادلة بثقافته الضيقة ومصالحه المتصارعة، لا يبقى أمامه إلا الرجوع إلى عدالة السماء؛ العدالة التي لا تفرّق بين قوي وضعيف، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين حليف وخصم. العدالة الانتقائية الأزمة الأخطر في لبنان ليست فقط في وجود الظلم، بل في شعور الناس بأنّ العدالة نفسها أصبحت انتقائية. فالمواطن اللبناني كثيرًا ما يشعر أنّ القوي يُحمى، والضعيف يُحاسَب، وأن الطائفة أو النفوذ السياسي قادران على تعطيل القانون أو تبديل مساره. وهذا بالضبط ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ». فالخطر الحقيقي على المجتمعات ليس فقط في الجريمة، بل في انهيار الثقة بالعدالة نفسها. حين يشعر الناس أنّ القانون يُستخدم على الضعفاء فقط، تتحول الدولة تدريجيًا إلى ساحة نفوذ، لا إلى مرجعية جامعة، وعندها يبدأ المجتمع بالتفكك من الداخل. يخشى جزء من اللبنانيين أن يتحول العفو العام إلى حماية للنافذين والمتورطين الكبار، فيما يخاف آخرون من أن يؤدي غياب أي تسوية إلى انفجار اجتماعي أو مذهبي جديد. بين هذين الخوفين يقف لبنان حائرًا منذ سنوات طويلة. فالبلد لا يحتمل العودة إلى الحرب، لكنه أيضًا لا يستطيع بناء استقرار دائم فوق شعور الناس بأن حقوقهم ودماءهم ذهبت هدرًا. والتجارب حول العالم أثبتت أنّ المجتمعات لا تستقر بمجرد مطالبتها بنسيان الماضي، لأن الجراح التي لا تُعالج تعود لاحقًا بشكل أكثر خطورة وعنفًا. ولهذا، فإنّ أي عفو لا يرافقه شعور حقيقي بالإنصاف والمصارحة والعدالة المتوازنة قد يتحول إلى قنبلة مؤجّلة بدل أن يكون بابًا للاستقرار. حين تعجز السياسة… هل تنقذ العدالة لبنان؟ لا عدالة انتقامية ولا إفلات من العقاب لم يبنِ الإسلام مفهوم العدالة على الانتقام الأعمى، لكنه أيضًا لم يسمح بتحويل العفو إلى شرعنة للظلم أو حماية للفاسدين والقتلة. فالقرآن يفتح باب العفو، لكنه يربطه دائمًا بالإصلاح الحقيقي. يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. اللافت أنّ الآية لم تقل «فمن عفا فقط»، بل أضافت كلمة مفصلية: «وأصلح». أي إنّ العفو الذي لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي ومنع تكرار الظلم، لا يحقق المقصد الكامل للعدالة. وهنا تكمن حساسية الحالة اللبنانية. فالعفو إذا جاء على حساب الحقيقة والإنصاف، قد يزرع شعورًا أخطر، وهو شعور الناس بأن الدولة لا تحمي إلا الأقوياء. تهدئة النفوس قبل القوانين ربما المشكلة الأعمق في لبنان اليوم أنّ المجتمع يعيش حالة خوف جماعي متبادل. كل طائفة تشعر أنها مهددة بطريقة ما، وكل جماعة تحمل في ذاكرتها صورًا من الماضي تجعلها تنظر إلى المستقبل بقلق دائم. وفي المجتمعات الخائفة، تصبح الكلمات أخطر من الرصاص أحيانًا. خطاب تحريضي واحد، أو مشهد إعلامي متوتر، أو تصريح سياسي مستفز، قد يكون كافيًا لإشعال الشارع وإعادة فتح الجروح القديمة. فالفتن الكبرى كثيرًا ما تبدأ بكلمات قبل أن تتحول إلى دماء. ولهذا، فإنّ أي معالجة حقيقية في لبنان يجب أن تبدأ أولًا بإطفاء لغة التخوين والكراهية والتحريض، لأن المجتمعات المعبّأة بالخوف لا تستطيع التفكير بعقلانية أو بناء تسويات مستقرة. أي عفو يحتاجه لبنان؟ لبنان لا يحتاج إلى عفو يُكتب على قياس الطوائف، ولا إلى تسوية إذلال يشعر معها جزء من الناس أنه خسر كرامته أو دمه أو حقوقه. ما يحتاجه البلد فعلًا هو مشروع وطني يعيد للناس شعورهم بأن الدولة موجودة لحمايتهم جميعًا، لا لخدمة موازين القوى. أي عفو حقيقي يجب أن يقوم على عدالة متوازنة، وعلى الاعتراف بآلام الجميع، وعلى منع الثأر الجماعي، وعلى بناء ثقة تدريجية بين مكونات المجتمع. لأن الاستقرار