أسوأُ ما في خبريّة «الاحتيال السياسي» التي ضجّ بها لبنان في الأيّام الأخيرة، وعرّت الطبقة السياسيّة فيه، أنّ اسم المحتال هو «أبو عمر»، والمتّهم بمساعدته «شيخ». ففخامةُ اسمِ عمر الفاروق وحده تشعر الكثيرين بالخجل حين تسمع بأنها قد دُنّست في أوساخٍ كالتي نسمعها. أمّا صفةُ «الشيخ»، التي تضعضعت مهما جرى من محاولات للفلفتها على الطريقة اللبنانيّة، باعتبار أنّه «لا نار بلا دخان»، فقد أسهمت في ضرب صورة مشايخ السنّة، وهم في وضعٍ لا يحتملونه في لبنان أصلًا. وما عدا ذلك ممّا عرفه اللبنانيّون حتّى اليوم عن هذه الفضيحة، وآلاف الدولارات التي أُنفقت من قِبَل شخصيّات سياسيّة وحزبيّة لشراء مواقع وكراسٍ وترفع نفوذ، فيمكن اعتبار أنّ أكثر اللبنانيّين «شمتانين» بما حصل لهؤلاء «الخفاف»، الذين تبيّن أنّهم يُدارون بمكالمةٍ هاتفيّة من حدّادٍ في عكّار. لا حتى أكثر. مهما تكن النتائج التي ستُفضي إليها التحقيقات، فالنتيجة الأوضح أنّ المستوى السياسي في البلد بلغ دركًا فاضحًا، لأشخاصٍ يحتلّون الشاشات ويطوفون بعقول الناس كالدمى. لم تعد المشكلة في «أبو عمر» ولا في «الشيخ» خلدون عريمط ولا في حدّاد عكّار الذي تبيّن أنّه يُحرّك رؤوسًا سياسيّة بمكالمة واحدة، بل في بلدٍ كاملٍ تحوّل إلى ورشة «حدادة وبويا»، حيث تُدقّ الأسماء الكبيرة على قياس الاحتيال، وتُطلى الألقاب الدينيّة بطبقة رقيقة من الهيبة المزيّفة. هنا، لا سياسة تُدار، بل مسرحيّة رديئة، أبطالها وجوه تملأ الشاشات أحيانا كثيرة، وقرارها عند أوّل متّصل… فيما الدولة تقف كديكورٍ مهترئ في عرضٍ ساقط.
في بلدٍ تداخلت فيه الولاءات، حتى صارت السيادة وجهةَ نظر، يقبع خلف القضبان رجلٌ لم يرتكب جريمة، بل رفع صوته دفاعًا عن الدولة حين صمت الجميع.الشيخ أحمد الأسير، الذي أمضى 13 عامًا في السجن، لم يكن متمرّدًا على الوطن، بل مدافعًا عنه. طالب بأن يكون السلاح بيد الجيش لا بيد حزب الله، وأن تكون الدولة مرجع الطوائف لا خاضعةً لها، وأن تكون العدالة ميزان الجميع لا أداة أحد.فكان جزاؤه السجن، لا لأن القانون أدانه، بل لأن الآخرين خافوا من كلمته، والدولة عجزت عن حمايته البراءة جريمة لم يعد السؤال اليوم: هل الأسير بريء؟ فبراءته واضحة كالشمس، مدعومة بالأدلة الصوتية والمرئية، وبالشهادات التي تنسف كلّ التهم المعلّبة. لكن المفارقة أنّه كلّما ازدادت براءته وضوحًا، ازدادت «المنظومة» إصرارًا على إبقائه في السجن.كلّ دليلٍ جديد يُقابَل بتعتيمٍ إعلاميّ أو بتغاضٍ قضائيّ، وكأنّ السلطة تخشى الحقيقة أكثر ممّا تخشى الخطأ. فالاعتراف ببراءته يعني عمليًا إدانة شبكةٍ كاملة من التحالفات التي حكمت لبنان بالولاء والترهيب لعقود. لكن الأهمّ أنّ الدفاع عن هذا الأسير ليس دفاعًا عن شخص، بل عن الدولة اللبنانية ذاتها.فإحقاق العدالة في قضيته هو دفاع عمّا تبقّى من مؤسساتها الحقيقية، عن القضاء الحرّ، والجيش الوطني، والإدارات التي لم تخضع بعد. تحريره ليس انتصارًا لفرد، بل خطوة أولى لاستعادة الدولة من قبضة من صادرها. عبرا… الحقائق التي سُحِقَت أُريد لأحداث عبرا أن تكون بداية الحكاية ونهايتها، لكنّها في الحقيقة كانت غطاءً لتصفية صوتٍ وطنيّ أكثر منها محاكمةً لحدثٍ أمنيّ. فكلّ الأدلة اللاحقة أظهرت أنّ ما جرى كان سياسيًا بامتياز: حزبٌ أراد أن يُخضع كلّ من يعارضه، ودولةٌ وافقت بالصمت. الخطأ الحقيقي لم يكن في المحاكمة وحدها، بل فيما سبقها: في السماح لحزب الله بأن يتجاوز الدولة، ويقرّر متى تُستَخدم القوّة، ومتى يُعفى عنها.يومها بدأت معركة السيادة الحقيقية، بين دولةٍ تحاول أن تكون، وحزبٍ يرى في وجودها تهديدًا لسلطته. قضية الأسير تختصر مأساة لبنان كلّها، دولةٌ خضعت، وشعبٌ خاف، ومنظومةٌ استبدلت القانون بالولاء. لكنها تفتح أيضًا باب الأمل بأنّ العدالة يمكن أن تكون بداية الخلاص هل أخطأنا؟ على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تمدّد الحزب في مفاصل الدولة. من الوزارات إلى البلديات، من المرافئ إلى الجمارك، من القضاء إلى الإعلام، بنى شبكةً كاملة من الولاءات. تحت شعار «المقاومة»، أدخل رجاله إلى كلّ إدارة ومؤسسة، حتى تفاصيل الحياة اليومية خضعت لسلطته.حتى الجمعيات، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، صارت جزءًا من اقتصاده الموازي. بهذا التغلغل، تحوّلت الدولة إلى واجهةٍ إدارية لسلطةٍ حزبية فعلية. فهل أخطأنا وقتها؟هل أخطأنا حين سكتنا عن الاغتيالات؟هل أخطأنا حين قبلنا أن يدير الحزب المرفأ والحدود والمعابر؟هل أخطأنا حين تجاهلنا الفساد المُغلَّف بالقداسة؟والأهمّ، هل أخطأنا عندما تركنا قرار السِّلم والحرب له بدلًا من الدولة الوطنية؟ لقد خسرنا الدولة يوم خِفنا من مواجهته، وتركنا الأسير وحده يجابه سطوته.الأسير لم يطالب بإلغاء أحد، بل بدولةٍ تضمن للجميع حرية المعتقد والانتماء، ضمن إطارٍ واحد هو الدستور. رؤيته كانت وطنية خالصة: أن تتساوى الطوائف أمام الدولة، لا أن تتصارع تحت وصاية الأحزاب. لكنّه بذلك مسّ جوهر الصراع القائم. فالحزب الذي طوّع الجيش والقضاء والإدارة لمصلحته، لا يمكن أن يقبل بمعادلةٍ تُعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي.لذلك لم يكن سجنه إجراءً قانونيًا صرفًا، بل قرارًا سياسيًا لحماية منطق القوّة على حساب منطق العدالة. إدارة الصورة وجوهر الحقيقة في هذا السياق، من المهمّ التمييز بين إدارة الصورة وجوهر الحقيقة.فالأولى تهدف إلى التحكّم في نظرة الناس إلى المؤسسات عبر تلميع المشهد بدل تصحيح الواقع، بينما الثانية تُعنى بمصارحة الرأي العام بالحقيقة مهما كانت قاسية. وهنا تبرز مقابلة العميد شامل روكز الأخيرة مثالًا واضحًا على ذلك. فقد حاول إعادة تلميع صورة الجيش والمغاوير، نافيًا أي تنسيقٍ أمنيّ بين مجموعته والحزب، رغم وجود فيديوهات ووثائق تُثبت العكس.تحدّث عن رفض ضرب المسجد «احترامًا للطوائف»، ليبدو حريصًا على الحسّ الوطني، بينما تشير التقارير إلى أنّه أقفل هاتفه واتّخذ قرار الحسم العسكري دون أن يسمع من أحد. كلّ هذه الأقوال تقع في خانة إدارة الصورة، أي تحسين الانطباع لا تصحيح الحدث.هي محاولة لتجميل الماضي بدل مواجهته، ولتثبيت الثقة بالمظهر بدل بنائها على الجوهر.لكن حماية المؤسسة لا تكون بالتبرير، بل بالشفافية، ولا باستبدال الحقيقة بروايةٍ منمّقة.فمن يخطئ داخل المؤسسة لا يُعبّر عن الدولة، بل عن نقيضها. فكيف تُبرّئ الدولة دون أن تُدين نفسها؟ العدالة والبراءة اليوم تواجه الدولة اللبنانية مأزقًا مزدوجًا: كيف تُبرّئه من دون أن تعترف بأنّ مؤسساتها ظلمته؟ وكيف تخرج من هذا الملف من دون أن تُدين نفسها وتُسقط ما تبقّى من هيبتها؟ هل من الممكن أن يكون الحلّ، لا في تجاهل القضية، بل في الاعتراف البنيوي؟ هل من الممكن أن تقول الدولة إنّ الخلل كان في بنيتها آنذاك؟ في عدالةٍ مُسَيَّسة، وقضاءٍ خاضع، وأمنٍ مُخترق؟ هل تستطيع أن تُعلن أنّ ما جرى لم يكن خطأً فرديًا، بل نتيجة منظومةٍ سمحت للحزب أن يُمسك بالدولة من عنقها، وهي اليوم تقاوم سلاحه؟ تحقيق العدالة في قضية الشيخ أحمد الأسير طال أكثر ممّا تحتمل العدالة نفسها.فالعدالة لا يمكن أن تبقى وعدًا مؤجّلًا. 13 سنة قضاها في السجن ليست ثمنًا يُعادِل الظلم.فالبراءة تُنصف الفرد، لكن العدالة تُنقذ الوطن، وهي وحدها القادرة على كسر الدائرة التي حوّلت الدولة إلى رهينة، وعلى محاسبة من أمر، ومن نفّذ، ومن تستّر.فالحرية من دون مساءلة تُكرّر الجريمة، والمسامحة من دون اعترافٍ تُعيد إنتاج الظلم. الاتّجاه الدولي الجديد لم تعد هذه القضية لبنانية فحسب. فالعالم من حولنا يتّجه اليوم نحو منطق الدولة لا الميليشيا، نحو مبدأ السلاح الواحد الشرعي، ورفض أي «مقاومة» خارج القانون.من العراق إلى اليمن، ومن السودان إلى غزّة، أصبحت الرسالة واضحة: لا استقرار بلا سيادة، ولا سيادة بلا احتكارٍ شرعيٍّ للقوّة. ما دعا إليه الأسير منذ سنوات هو اليوم التوجّه العام للقوى الإقليمية والدولية: سلامٌ داخلي يتيح الاختلاف، لكن تحت سقفٍ واحد هو الدولة، لا خارجها. قضية الأسير تختصر مأساة لبنان كلّها: دولةٌ خضعت، وشعبٌ خاف، ومنظومةٌ استبدلت القانون بالولاء. لكنها تفتح أيضًا باب الأمل بأنّ العدالة يمكن أن تكون بداية الخلاص.لقد احتكر «الحزب» لسنوات كلمة «المقاومة»، لكن الحقيقة أنّ العدالة وحدها هي المقاومة: مقاومة الفساد، ومقاومة الخوف، ومقاومة التبعية. من يطالب اليوم بإنصاف الأسير لا يطلب حكمًا قضائيًا فحسب، بل يطالب بعودة الدولة اللبنانية إلى نفسها: دولة لا تخاف من الحقيقة، ولا تساوم على السيادة، ولا تسجن أبناءها لأنهم أحبّوها أكثر ممّا يحتمل الطغاة.
علمت جريدة «البوست» من مصادرَ اقتصاديةٍ مطّلعةٍ أنّ رجلَ الأعمال، من أصلٍ صيداوي، محمد زيدان، المشغِّلَ للسوقِ الحرّة في مطار بيروت، يسعى منذ فترةٍ إلى كسرِ التوجّه الصادر عن الحكومة مؤخّرًا بالتشدّد في منع التدخين في الأماكن العامة والمغلقة، عبر استثناء مطار رفيق الحريري الدولي منه، وكأنّه عقارٌ خاصٌّ يقع خارج الأراضي اللبنانية. في هذا الإطار، كشفت معلوماتٌ دقيقةٌ أنّ زيدان حاول الضغط على وزير الصحة ركان ناصر الدين لتحييد صالات التدخين في المطار، التي تتبع له، ولا سيّما «صالة السيكار»، من التشديد في تطبيق قرار حظر التدخين. ومن أجل ذلك، استعان بأحد الكوادر الحزبية المحسوبة على الفريق السياسي الذي يتبع له الوزير، إلّا أنّ محاولاته باءت بالفشل حتّى الآن. فقد كان الوزير واضحًا في الزيارة التي قام بها زيدان إلى مكتبه منذ أيّام، برفقة الكادر المذكور، حيث أكّد له أنّ الوزارة لا يمكن لها إصدار قرارٍ فرديٍّ يُلغي قرارًا عامًا صادرًا عن مجلس الوزراء مجتمعًا، وأنّ لبنان، الذي يحتلّ المرتبة الأولى في المنطقة من حيث ارتفاع معدّل انتشار التدخين، بصدد التشدّد أكثر لاتّخاذ إجراءاتٍ حاسمةٍ في مجال مكافحة التبغ، لا التساهل. فعلى الرغم من أنّ دراسةً حديثةً لوزارة الصحة ومنظّمة الصحة العالمية كشفت أنّ أكثر من 9500 شخصٍ يموتون سنويًّا في لبنان بسبب أمراضٍ متعلّقةٍ بالتدخين، أي أكثر من 25% من الوفيات العامة في البلاد، يصرّ بعض «تجّار الموت» على اعتبار الدخان والسيكار قبلتهم المقدّسة، التي يستميتون للدفاع عنها بشتى الطرق، وكأنّ المال وتكديسه أغلى من أرواح البشر. أفلا يتّعظون ممّا جرى لهم، أم إنّها الغفلة المُسكِرة؟ قبل حدوث الأزمة الاقتصادية الأخيرة، كان يُباع نحو 350 مليون علبة سجائر محلّية سنويًّا، أمّا اليوم فقد ارتفع العدد إلى ما بين 500 و600 مليون علبة أرقامٌ مميتة يتكبّد لبنان، بسبب تعاطي التبغ، خسائرَ اقتصاديةً وبشريةً باهظةً تُقدَّر بنحو 140 مليون دولار أميركي، بما يعادل 1.9% من الناتج المحلّي الإجمالي السنوي في البلد. وكشف تقريرٌ صدر حديثًا أنّ لبنان يمكنه تحقيق مكاسبَ اقتصاديةً تتجاوز 400 مليون دولار، وإنقاذ حياة نحو 40 ألف شخص خلال السنوات الـ15 المقبلة، من خلال تطبيق توصيات اتفاقية منظّمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ. وسجّل استهلاك «المعسّل» ارتفاعًا بنحو 5 ملايين كيلوغرام سنويًّا من قبل اللبنانيين، أي بزيادةٍ تقارب 10% عن السنوات السابقة، بسبب الأوضاع الاقتصادية العامة وارتفاع نسب البطالة. بعد مرور أكثر من 20 عامًا على صدور القانون 174، ومع الميوعة في تطبيقه من قبل الجهات المعنيّة، تبقى الصحّة العامة الخاسر الأكبر، في ظلّ دولةٍ تُقِرّ القوانين، لكنّها نادرًا ما تُتابع تطبيقها. فهل تنجح الحملة الجديدة في فرض القانون هذه المرّة؟ ليست القضيّة صالة سيكار، ولا امتيازًا تجاريًّا، بل سؤالًا جوهريًّا عن معنى الدولة