لم تعد تلة علي الطاهر مجرد موقع عسكري في جنوب لبنان. ما جرى ويجري حولها يفتح ملفًّا أكبر بكثير من تلة وأنفاق ومقاتلين؛ ملف الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، ومن يملك قرار الحرب والسلم على أرضها. أعلنت إسرائيل أنها فرضت «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، وقال جيشها إنه «طهّر» بنى تحت الأرض نسبها إلى حزب الله، فيما تحدثت الرواية الإسرائيلية عن شبكة عسكرية تحت الأرض تضم مواقع قيادة ومنشآت قتالية. وتقول إسرائيل أيضًا إن هذه البنية جرى بناؤها على مدى سنوات، وبتمويل وتخطيط إيرانيين. لكن حتى لو وضعنا الرواية الإسرائيلية جانبًا، يبقى السؤال الذي لا يستطيع لبنان الهروب منه: كيف أصبحت في جنوب بلد عربي بنية عسكرية استراتيجية بهذا الحجم، بينما الدولة اللبنانية نفسها ليست صاحبة القرار العسكري الوحيد؟ هنا تكمن خطورة علي الطاهر. إيران في الخلفية ولبنان في الواجهة لسنوات طويلة، لم يكن نفوذ إيران في لبنان مجرد علاقة سياسية مع حليف محلي. لقد تحوّل، عبر حزب الله، إلى نفوذ استراتيجي يمتد من التمويل والتسليح إلى بناء القدرات العسكرية وتحديد وظيفة الجنوب في معادلة إقليمية أوسع. وإذا صحت الرواية الإسرائيلية بشأن الدور الإيراني في إنشاء بنية علي الطاهر، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة: هل نحن أمام سلاح لبناني وظيفته الدفاع عن لبنان، أم أمام جزء من منظومة إقليمية تُدار حساباتها من خارج لبنان؟ إيران ليست هي التي تدفع ثمن الحرب عندما تُقصف قرية في الجنوب. وليست هي التي تعيد بناء منزل دُمّر. وليست هي التي تبحث عن مدرسة آمنة لأطفالها عندما يتحول الجنوب إلى منطقة عسكرية؛ اللبناني هو من يدفع الثمن. لهذا، فإن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يعني تحويل لبنان إلى منصة دائمة لصراعات الآخرين. skip render: ucaddon_material_block_quote اختبار مختلف لطالما قدّم حزب الله سلاحه باعتباره ضرورة لمواجهة إسرائيل، وربط وجوده بمعادلة الردع وحماية الجنوب، لكن التطورات الميدانية تفرض سؤالًا أكثر قسوة: إذا كان السلاح هو الذي يحمي الجنوب، فلماذا أصبح الجنوب نفسه مسرحًا دائمًا للحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي؟ وإذا كانت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الردع، فماذا يعني سقوط مواقع استراتيجية وكشف منشآت تحت الأرض أمام الجيش الإسرائيلي؟ هذه ليست أسئلة لتسجيل نقاط سياسية على حزب الله، وإنما أسئلة عن جدوى استراتيجية كاملة. فالردع الذي لا يمنع الحرب، والسلاح الذي لا يحمي السكان، والمعادلة التي تجعل الدولة عاجزة عن التحكم بقرار الحرب، تحتاج جميعها إلى مراجعة. ولا يكفي القول إن إسرائيل هي المعتدي، وهو توصيف لا يلغي حق لبنان في الدفاع عن نفسه، لأن السؤال المقابل يبقى قائمًا: كيف يدافع لبنان عن نفسه إذا لم يكن قرار الدفاع لبنانيًا؟ الغائب الذي يجب أن يعود هنا يعود الجيش اللبناني إلى قلب المعادلة. ليس المطلوب من الجيش أن يكون مجرد قوة تنتشر بعد انتهاء المعارك، أو مؤسسة تُستدعى عندما تحتاج الأطراف إلى غطاء رسمي. المطلوب أن يكون صاحب الدور المركزي في حماية الحدود والسيادة والأمن الوطني. الدولة التي لا تحتكر قرار السلاح لا تستطيع أن تحتكر قرار الحرب. والدولة التي لا تملك كامل أدوات الدفاع عن حدودها ستظل مضطرة إلى التفاوض على سيادتها بين قوة مسلحة داخلية وقوة عسكرية إسرائيلية على الحدود، بينما يبقى المجتمع اللبناني عالقًا بينهما. هذه هي المفارقة التي تجعل علي الطاهر أكثر من قصة عسكرية. فبينما تتقاتل القوى على المرتفعات، تنخفض الدولة اللبنانية أكثر فأكثر عن مستوى الأرض التي يُفترض أن تكون صاحبة السيادة عليها. وإسرائيل ليست بريئة من معادلة الفوضى، لكن استعادة سيادة الدولة اللبنانية لا تعني منح إسرائيل شيكًا مفتوحًا. فالقول إن وجود سلاح خارج الدولة يمثل مشكلة لبنانية حقيقية لا يعني قبول الاحتلال أو العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. إسرائيل نفسها تستفيد من وجود سلاح حزب الله لتقديم نفسها بوصفها دولة تواجه تهديدًا دائمًا على حدودها. وكلما اتسعت البنية العسكرية للحزب، اتسعت معها الذريعة الإسرائيلية لضرب لبنان. وهكذا تنشأ الحلقة الجهنمية: حزب الله يقول إن السلاح ضروري بسبب إسرائيل، وإسرائيل تقول إن وجود السلاح يبرر عملياتها، ولبنان الرسمي يجد نفسه بين الطرفين. ومن يدفع الثمن؟ لبنان. علي الطاهر ليست معركة تلة؛ إنها معركة لبنان على سيادته نهاية مرحلة أم بداية مواجهة جديدة؟ السيطرة الإسرائيلية المعلنة على علي الطاهر لا تعني بالضرورة نهاية حزب الله عسكريًا، كما أن تدمير منشأة أو نفق لا يعني انتهاء قدرته على إعادة بناء شبكاته. لكنها قد تعني شيئًا أكثر أهمية: أن معادلة الجنوب القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وإذا تحولت إسرائيل إلى الاحتفاظ بمواقع داخل الجنوب، وربطت الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فإن لبنان سيكون أمام خطر جديد: أن يتحول سلاح الحزب، الذي قيل إنه وُجد لمنع الاحتلال، إلى أحد العوامل التي يستخدمها الاحتلال لتبرير بقائه. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. السلاح الذي حمل شعار تحرير الأرض قد يصبح، في نظر خصومه، سببًا لاستمرار احتلالها. ولذلك، فإن مستقبل الجنوب لن يُحسم فقط في الميدان. سيُحسم في بيروت، في قرار الدولة، في علاقة الجيش بالسلاح، وفي قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها. وفي سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من مرحلة «المقاومة نيابة عن الدولة» إلى مرحلة «الدولة التي تمتلك حق المقاومة والدفاع وتحتكر قرارهما»؟ أمام لحظة الحقيقة قد تختلف القوى اللبنانية حول حزب الله، وحول إيران، وحول إسرائيل، وحول مفهوم المقاومة. لكن هناك حقيقة يصعب الالتفاف عليها: لا يمكن بناء دولة ذات سيادة بجيشين وقرارين وحسابين للحرب والسلم. إذا أراد حزب الله حماية لبنان، فعليه أن يكون جزءًا من استراتيجية دفاعية تقررها الدولة. وإذا أرادت إيران الحفاظ على نفوذها في لبنان، فعليها أن تدرك أن لبنان ليس قاعدة متقدمة في أي مواجهة إقليمية. وإذا أرادت إسرائيل أمنًا دائمًا على حدودها، فلن تحصل عليه بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عمليات مفتوحة. أما الجيش اللبناني، فعليه أن يستعيد دوره الطبيعي: جيش الدولة، لا جيش التسويات. skip render: ucaddon_box_testimonial
يتجدّد في كل عام، مع حلول شهر ربيع الأول، الجدل حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؛ بين من يراه تعبيرًا عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا لمكانته، وبين من يرى أن المحبة الشرعية لا تُقاس بالمواسم والاحتفالات، وإنما بصدق الاتباع والاقتداء والتمسك بسنته. غير أن الإشكالية لا تقف عند أصل الاحتفال فحسب، بل تتجاوزها إلى جملة من المظاهر والممارسات التي أُلحقت به عبر التاريخ، واتخذ بعضها طابعًا تعبديًا لم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن القرون الإسلامية الأولى. يقين الوفاة وظنّية الولادة من أبرز المسائل التي تستحق التوقف عندها أن تحديد يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت بصورة قطعية، بل اختلفت فيه الروايات وأقوال أهل السِّيَر والتاريخ. فقد قيل إنه وُلد في الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل في غيره من أيام الشهر، فيما رجّح عدد من الباحثين وأهل التحقيق، استنادًا إلى الحسابات التاريخية والفلكية، أن مولده كان في التاسع من ربيع الأول. في المقابل، اشتهر في كتب السيرة أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في شهر ربيع الأول أيضًا، ويرجّح جمهور واسع من المؤرخين أنها كانت في الثاني عشر منه. وهنا تبرز المفارقة: كيف يتحول يوم مختلف أصلًا في ثبوت كونه يوم الميلاد إلى مناسبة احتفالية ثابتة، بينما ارتبط اليوم نفسه، في الرواية التاريخية الأشهر، بواحدة من أعظم مصائب الأمة، وهي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ skip render: ucaddon_material_block_quote احتفال لم تعرفه القرون الأولى الثابت تاريخيًا أن الاحتفال بالمولد النبوي بالصورة الموسمية المعروفة اليوم لم يكن من شعائر المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولا في القرون الأولى التي شهد لها النبي بالخيرية. وإنما ظهرت أشكال الاحتفال المنظمة في عصور لاحقة، ثم توسعت بمرور الزمن، وتداخل فيها الديني بالشعبي، حتى تحولت في بعض البيئات إلى طقوس موسمية تترافق مع الأناشيد والموالد، وتوزيع الحلوى، واستخدام المساجد ومآذنها في ممارسات مخصوصة يُراد بها التقرب إلى الله. وهنا تكمن الإشكالية الشرعية الأساسية: فالمباحات والعادات شيء، وتحويلها إلى شعائر دينية مرتبطة بزمان مخصوص، يُتقرب بها إلى الله، شيء آخر يحتاج إلى دليل. شبهة «البدعة الحسنة» من أكثر ما يُستدل به لتسويغ بعض المحدثات قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جمع الناس على صلاة التراويح خلف إمام واحد: «نعمت البدعة هذه». لكن الاستدلال بهذه العبارة يحتاج إلى وضعها في سياقها الصحيح. فصلاة التراويح جماعة لم يبتكرها عمر رضي الله عنه، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بأصحابه عدة ليالٍ، ثم امتنع عن الاستمرار في الخروج إليهم خشية أن تُفرض عليهم. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي وزوال سبب الخشية من فرضها، جمع عمر الناس على إمام واحد، فأحيا سنة ثابتة الأصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا، كان استعمال كلمة «البدعة» في كلام عمر بمعناها اللغوي؛ أي إعادة الأمر وإظهاره بصورة لم تكن قائمة في ذلك الوقت، لا بمعنى اختراع عبادة جديدة لا أصل لها في الشريعة. بين الإحياء والابتداع الفارق هنا جوهري. عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم ينشئ عبادة من عنده، ولم يخصّص زمانًا أو هيئة تعبّدية بلا دليل، وإنما أعاد إحياء سنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما إحداث عبادة أو موسم ديني أو تخصيص يوم بعينه بشعائر مخصوصة لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها أو أمر بها، ولم يفعلها أصحابه من بعده، فهو محل الإشكال والبحث الشرعي. ولهذا لا يستقيم أن يُجعل قول عمر رضي الله عنه بابًا مفتوحًا لإحداث عبادات جديدة؛ لأن فعل الخليفة الراشد نفسه كان مستندًا إلى أصل نبوي ثابت. بل إن السنة النبوية أمرت بالتمسك بسنة النبي وسنة خلفائه الراشدين، كما جاء في الحديث: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». ومن ثم، فإن القياس بين اجتهاد عمر بن الخطاب في إحياء سنة نبوية ثابتة، وبين ممارسات تعبّدية ظهرت بعد القرون الأولى من دون أصل صريح، هو قياس يفتقد إلى مناطه الشرعي الصحيح. الاستدلال في غير موضعه إذا احتجّ أحد بفعل عمر رضي الله عنه لإقرار أي بدعة تعبّدية مستحدثة، فإن الجواب أن عمر لم يشرّع من عنده، ولم يأتِ بما لم يكن له أصل، بل تحرك داخل إطار السنة نفسها. فمن أحدث اليوم عبادة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه، ولا الخلفاء الراشدون، ثم استند إلى قول عمر «نعمت البدعة»، فقد حمّل الأثر ما لا يحتمل، ووضع الدليل في غير موضعه. المحبة اتباع لا موسم الخلاصة أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست محل خلاف بين المسلمين، وإنما الخلاف في الكيفية التي تُترجم بها هذه المحبة، والمعيار الأوثق للمحبة هو الاتباع. فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يكون بإحياء سنته، وتعلّم سيرته، وتعليمها للأجيال، والاقتداء بأخلاقه، والتمسك بأوامره، واجتناب نواهيه، والدفاع عن رسالته وقيمها طوال أيام العام. أما اختزال محبته في يوم واحد، أو في مظاهر موسمية وشعائر لم يثبت تشريعها، فلا يرقى إلى معنى المحبة التي أرادها الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى موسم ليبقى حاضرًا في حياة المسلمين؛ بل المطلوب أن تكون سنته حاضرة في عباداتهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، وبيوتهم ومجتمعاتهم. skip render: ucaddon_box_testimonial
هناك صفقة غريبة جدًا نعقدها مع التعليم. نأخذ من الإنسان اثنتي عشرة سنة كاملة، منذ الصف الأول وحتى نهاية المرحلة الثانوية، ثم نطلب منه أن يضيف إليها أربع سنوات أخرى في الجامعة، فيصبح قد دفع من عمره قرابة نصف شبابه مقابل ماذا؟ مقابل معلومات. والمشكلة أن الثورة الرقمية جاءت اليوم لتجعل هذه الصفقة تبدو أكثر غرابة، فالمعلومة التي كان الطالب يحتاج إلى أسابيع أو أشهر حتى يصل إليها، يستطيع اليوم أن يجدها خلال دقائق، والمعلومة التي كان يحفظها عن ظهر قلب استعدادًا للامتحان، يستطيع بعد سنوات أن يستعيدها من هاتفه وهو جالس في المقهى. إذًا، إذا كانت وظيفة التعليم هي فقط أن يمنحني المعلومات، فلدينا مشكلة حقيقية، لأن التكنولوجيا أصبحت قادرة على توفير المعلومات أسرع من أي مدرسة وجامعة. إنسانٌ أفضل وبالتالي، عندما أعطيك ابني أربعة عشر أو ستة عشر عامًا من عمره، فأنا لا أريد منك أن تعيده إليّ وهو يحمل رأسًا مليئًا بالمعلومات التي سينسى معظمها لاحقًا، بل أريده أن يعود إليّ إنسانًا أفضل. أريده صالحًا في نفسه، متزنًا في عقله، واعيًا في قراراته، قادرًا على تحمّل المسؤولية، يعرف كيف يختلف، وكيف يخسر، وكيف يفشل، وكيف ينهض من جديد، وكيف يعيش مع الآخرين من دون أن ينهار أمام أول كلمة لا تعجبه. لكن المشكلة أننا ركزنا كثيرًا على عقل الطالب، ونسينا نفسه. نملأ المناهج بالمعادلات والتواريخ والنظريات، ثم ابحث عن مكان النفس فيها. أين يتعلم الطفل كيف يتعامل مع الغضب؟ أين يتعلم كيف يتحمل الإحباط؟ كيف يسمع النقد؟ كيف يواجه الفشل؟ كيف يعتذر؟ كيف يتحمل نتيجة خطئه؟ كيف يعرف أن الحياة لن تكون دائمًا على مقاس مشاعره؟ skip render: ucaddon_material_block_quote هشاشة محمية الأغرب أننا عندما لاحظنا ارتفاع هشاشة بعض الطلاب نفسيًا، لم نسأل أولًا: كيف نبني نفسًا أكثر صلابة؟ بل ذهبنا إلى الحل الأسهل: فلنضع قانونًا جديدًا. أصبح الطفل هشًّا؟ فلنزد قوانين التنمر. أصبح أكثر حساسية؟ فلنضف مزيدًا من الحماية. تأذى من كلمة؟ فلنبحث عن طريقة لمنع الكلمات. بهذه الطريقة، قد نصل يومًا إلى طالب يجب التعامل معه كما نتعامل مع قطعة أثرية في متحف: ممنوع الاقتراب، ممنوع اللمس، وممنوع حتى التنفس بالقرب منه حتى لا ينكسر! طبعًا، لا أحد عاقل يريد التنمر أو الإيذاء أو الإساءة إلى الأطفال. حماية الطفل واجب، لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تحمي الإنسان من الأذى، وبين أن تحاول حماية الإنسان من كل تجربة يمكن أن تجعله أقوى. فالحياة نفسها لن تفعل ذلك. سيكبر الطفل، وسيرفضه أحد، وسينتقده أحد، وسيفشل في شيء، وسيخسر، وسيختلف مع شخص، وربما يسمع كلامًا لا يعجبه. فهل سنضع حوله طوال حياته سياجًا من القوانين؟ مسؤولية مؤجّلة هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أننا أصبحنا نؤخر المسؤولية إلى وقت متأخر جدًا. لدينا اليوم ابن في الرابعة عشرة من عمره، فإذا دخل الضيوف إلى البيت، قد يقول له والده: «حبيبي، اذهب إلى غرفتك، هناك رجال». وكأننا نتحدث عن طفل في الرابعة! بينما في زمن سابق، كان ابن الرابعة عشرة، إذا دخل الضيوف إلى المنزل، هو الذي يفتح الباب، ويرحب بهم، ويجلسهم، ويقدم لهم ما يستطيع تقديمه، وربما جلس يستمع إلى حديث الكبار ويتعلم منه. لم يكن والده يقول له: «أنت طفل، لا شأن لك». كان يعطيه مهمة، وبالمهمة كان يعطيه شعورًا بأنه أصبح شخصًا يُعتمد عليه. اليوم قد يصل الابن إلى الجامعة، ومع ذلك يبقى في نظر أسرته طفلًا. أمه تتصل لتعرف أين وصل، وأبوه يتابع واجباته، والأسرة تدير مواعيده، وربما تتصل الجامعة بولي أمره، فيجد الأب نفسه يشرح لماذا تأخر ابنه عن محاضرة، بينما الابن جالس بجانبه في الرابعة والعشرين من عمره! ثم نتساءل بعد ذلك بكل براءة: لماذا لا يتحمل الشباب المسؤولية؟ لأننا لم نعطهم مسؤولية أصلًا. كلما تأخرت المسؤولية، تأخر معها النضج عضلة النضج الرجولة، أو النضج بمعناه الإنساني، لا يبدأ بعد التخرج من الجامعة. ليست هناك حفلة تخرج يحصل فيها الشاب، مع الشهادة، على شهادة أخرى مكتوب عليها: «مبروك، أصبحت الآن مسؤولًا». المسؤولية تُدرَّب كما تُدرَّب العضلات. تعطي الطفل مهمة صغيرة، ثم أكبر، ثم أكبر، فيتعلم أن هناك أشياء تعتمد عليه، وأن خطأه له نتيجة، وأن نجاحه له قيمة، وأن الحياة ليست خدمة فندقية مجانية توفر له كل شيء بمجرد أن يطلبه. وكلما تأخرت المسؤولية، تأخر معها النضج. هذه علاقة شبه مباشرة. الطفل الذي لا نسمح له باتخاذ قرار صغير في الرابعة عشرة، لا يمكننا أن نطالبه فجأة بأن يتخذ قرارات مصيرية في الرابعة والعشرين. والشاب الذي اعتدنا أن نفعل له كل شيء، لا نستطيع أن نغضب منه لأنه لم يتعلم كيف يفعل شيئًا بنفسه. معنى التعليم هنا يجب أن نعيد التفكير في معنى التعليم كله. فليس المطلوب أن تُخرّج المدرسة طالبًا يعرف أكثر من غوغل، لأن غوغل، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا عمومًا، قرروا أن ينافسوا المدارس في هذه الوظيفة، وربما يفوزون علينا أيضًا! المطلوب أن تُخرّج المدرسة إنسانًا يعرف كيف يستخدم المعرفة، لا مجرد إنسان يحفظها. إنسانًا يستطيع التفكير، والحوار، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الفشل، وضبط نفسه، واحترام الآخرين، والوقوف على قدميه عندما تسقطه الحياة. لأن التعليم الذي يمنحك آلاف المعلومات ولا يعلمك كيف تدير نفسك، قد يجعلك متعلمًا، لكنه لا يضمن أن يجعلك ناضجًا. ماذا نريد؟ لهذا، عندما أعطي ابني اثنتي عشرة سنة في المدرسة وأربعًا في الجامعة، لا أريد أن أستعيده بعد كل هذه السنوات وهو يقول لي: «أبي، أعرف تعريف الفيزياء، لكن لا أعرف كيف أواجه الفشل». ولا أريده أن يعرف تاريخ الحروب كلها، لكنه ينهار أمام أول خلاف. ولا أريده أن يحصل على أعلى العلامات، لكنه يحتاج إلى والديه كي يتصلوا بالجامعة نيابة عنه. ففي زمن تستطيع فيه الآلة أن تعطي الإنسان المعلومة خلال ثوانٍ، أصبح السؤال الحقيقي للتعليم مختلفًا تمامًا: إذا كانت الآلة ستعطينا المعلومات، فماذا سنعلّم الإنسان؟ skip render: ucaddon_box_testimonial