في سنة 1887، وفي زيارة عابرة لمجلة «المقتطف» في القاهرة، اقترح يعقوب صروف على صديقه سليمان البستاني أن يترجم الإلياذة إلى العربية. أخذ الاقتراح من البستاني خمس عشرة سنة تقريبًا. بدأ ثم توقف، ثم عاد إليه حين استقر في القاهرة سنة 1896، ولم يفرغ منه إلا سنة 1902، ثم استغرقت الطباعة سنتين أخريين. وحين صدرت الترجمة أخيرًا عن دار الهلال سنة 1904، جاءت في أحد عشر ألف بيت، بقوافٍ متنوعة، وهوامش شارحة تكاد تكون كتابًا ثانيًا – أقام له حينها أدباء مصر حفل تكريم في فندق شبرد. وأنا أفكر في هذه الحادثة، لا يشغلني الجهد الأسطوري فيها فقط، تشغلني نتيجته أيضًا. فما وصل إلى العربية لم يكن هوميروس. كان هوميروس منظومًا على عمود الشعر العربي، بمعجم وإيقاع وذاكرة ليست له. البستاني لم ينقل الملحمة، بل صنع لها نسخة عربية لم تكن موجودة قبله، ثم صارت هي الملحمة عندنا. وهذا، في رأيي، هو موضوع فيلم كريستوفر نولان بالضبط، ما نتسلمه بوصفه أصلًا هو دائمًا شيء أُنتج، وغالبًا أُنتج بثمن لا يُذكر في الحفل. الاكتمال والنقصان قيل عن أوديسة نولان إنها مرثية لعصر بطولي أفل. والمرثية تفترض اكتمالًا سابقًا وخسارة لاحقة، وتفترض بالتالي أن ما جاء بعد هو نقصان. لكن الفيلم لا يشتغل هكذا. إنه لا يروي أفول نظام، بل يروي اللحظة التي يصير فيها نظام آخر ممكنًا، واللحظة التي تصير فيها الجريمة شرطًا لهذا الإمكان لا عارضًا فيه. والفارق ليس تفصيلًا في التأويل، بل هو ما يحدد ما يمكن أن نراه في الفيلم أصلًا. أعترف أن رد فعلي الأول كان الاستغراب. كنت قد قرأت مراجعات كثيرة مأخوذة بالضخامة الاستعراضية وبخشونة القتال، ثم جلست أمام فيلم هو نقيض هذا الوصف تقريبًا: دراما مغلقة تكاد تكون دراما حجرة. لا نرى الشاطئ المقابل لطروادة وقد احتشد عليه آلاف الجنود، ولا مئات السفن خلفهم، ولا معركة جماعية يتقاتل فيها المئات. اليونانيون على الشاطئ مجموعة صغيرة تائهة فوق رمال مقفرة في طقس رديء، وطروادة ليست مدينة هائلة بل تجمع مبانٍ تفصل بينها شوارع ضيقة ومتعرجة. وحتى كاريبديس ليست دوامة تبتلع العالم، بل دائرة مائية متواضعة لا تكاد تهدد أحدًا. skip render: ucaddon_material_block_quote انتزاع المبالغة ثم فهمت أن هذا التقشف ليس عجزًا في الإخراج ولا اقتصادًا في الإنتاج، بل هو الأطروحة نفسها معروضة بالصورة. البطولة، حين تنزع عنها المبالغة، تعود إلى حجمها الفعلي، وهو حجم صغير ومتسخ. ما ظننته ضعفًا في الفيلم هو أدق ما فيه. ولنتفق على أمر لاحظه القراء منذ زمن بعيد: الإلياذة تنظم نفسها حول مآثر الرجال، وتترك النساء رموزًا في الخلفية. تبدأ القصيدة بغضب أخيل حين يأخذ منه أغاممنون الجارية بريسيس، وليس في هذا الغضب أثر لتعلق عاطفي، بل جرح في الكبرياء وحده، وهذا وحده هو المهم. أما الأوديسة فتزيح المنظور، ونولان يذهب في هذه الإزاحة أبعد مما توقعت: النجمات اللواتي يؤدين أدوار النساء لا يخضعن للتجميل، والتصوير يظهر أعمارهن كاملة، بمباشرة تكاد تكون محرجة أحيانًا. وهن في الغالب منزوعات الطابع الجنسي؛ فكاليبسو التي احتفظت بأوديسيوس عشيقًا لها سنوات لا يقوم بينها وبينه أي توتر إيروتيكي يُذكر. ويبلغ هذا ذروته في سيرسي. في القصيدة، هي الفاتنة التي تغوي الرجال وتمسخ من يرفض إغراءها خنازير، وتحتفظ بأوديسيوس عامًا كاملًا. في الفيلم، هي ببساطة امرأة يثير اشمئزازها نهم الرجال، فتمسخهم خنازير حين يعجزون عن الكف عن الأكل. لاحظوا الفرق: المسخ لم يعد عقابًا على مقاومة الإغراء، بل صار توصيفًا دقيقًا لما هم عليه أصلًا. ويعمل الفيلم في الاتجاه المقابل مع الرجال. فأغاممنون، وهو أرفع الشخصيات الذكورية مقامًا، لا يكاد يملك ملامح: خوذته الضخمة تحجب وجهه في معظم المشاهد. وجنود طروادة مجهولون ومنزوعو الفردية بدورهم. ولهذا، فحين يصور الفيلم جرائم اليونانيين وخداعهم، فإنه لا يفعل ذلك بوضعهم في مواجهة طرواديين أنبل وأجدر بالتعاطف. لا يوجد طرف نظيف يقاس عليه. وهذا بالضبط ما يمنعنا من قراءة الفيلم بوصفه إدانة أخلاقية مريحة. وحصان طروادة هو الموضع النموذجي لكل هذا. وهنا مفارقة تستحق التوقف: الحصان لا يرد في الإلياذة، وهي القصيدة التي تتناول حرب طروادة، ولا يُذكر في الأوديسة إلا عرضًا. أما وصفه التفصيلي، ذاك الذي نعرفه جميعًا، فلا يظهر إلا في الإنيادة، أي بعد قرون، حين صار سقوط طروادة حكاية تأسيسية لشعب آخر. الصورة الأكثر رسوخًا في ذاكرتنا عن الحرب هي إضافة لاحقة كتبها الطرف الذي احتاج إليها. البستاني مرة أخرى، بصيغة أخرى. البطولة، حين تُنزع عنها المبالغة، تعود إلى حجمها الحقيقي: صغيرًا، متسخًا، وإنسانيًا البطولة الاستهلاكية ولا يعرض نولان قفزة المحاربين من بطن الحصان. يعرض الانتظار. أيامًا يقضيها الأبطال في الداخل، متلاصقين، يتبولون ويتغوطون بعضهم فوق بعض، تحت جوع حيواني إلى الحسم. المشهد طويل وخانق ومقصود الطول، وقد خرج بعض المشاهدين من الصالة عنده. وهو يعمل بمنطق التغريب البريختي: لا ينفي الحدث البطولي، بل يمنع استهلاكه بوصفه بطوليًا، ويجبرك على رؤية المادة التي صُنع منها. أما الجريمة المؤسسة فتقع في أول الفيلم، قبل أن ننتبه إليها. سينون، جندي يوناني شاب، مدفون نصفه في الرمل إلى جانب الحصان، تُرك ليخبر الطرواديين بأن اليونانيين رحلوا، وأن الحصان هدية مصالحة يجدر جرها إلى داخل المدينة. ولم يخبره أوديسيوس بأن نخبة المقاتلين مختبئة في بطنه. كان يعلم أن دورية طروادة ستقتله، وكان يريد أن يصدق الطرواديون الوصف الذي سيقدمه لهم. والسبب دقيق، لو عرف سينون حقيقة الحصان لما استطاع تمريره. الوصف الكاذب لا يشتغل إلا إذا كان حامله يظنه صادقًا. وهذا ما يجعل الخدعة أكثر من كذبة، لأنها إنتاج لصنف. الحصان ليس شيئًا أُخفيت حقيقته، بل شيء أُدرج في فئة، هي «هدية طقسية»، وصار يفعل فعله بوصفه عضوًا في تلك الفئة. والثمن الذي يقتضيه هذا الإدراج هو أن يكون هناك من يحمله دون أن يعرفه، ويدفع حياته ثمن جهله. كان دانتي محقًا حين وضع أوديسيوس في الدائرة الثامنة في جحيمه. يقول أوديسيوس في الفيلم إنهم يعيشون نهاية العصر البرونزي. والعبارة، على قصرها، مستحيلة. فالعصر البرونزي تسمية لاحقة لا يملكها من هو بداخله، والوعي بأنك تقف على حد حقبة وعي لا يتاح إلا لمن جاء بعد. أوديسيوس لا يرثي عالمه لأنه يعرف أنه ينتهي، يرثيه لأن الرثاء يعفيه من معرفة أن ما يفعله هو ما يؤسس ما سيأتي. وهذه، بالمناسبة، ليست خطيئة قديمة وحدها. نشوء حضارة وهنا يصبح جيمسون ضروريًا. فهو يقترح ألا نقرأ أنتيغونا بوصفها مسرحية عن أزمة المدينة اليونانية أو عن تفكك وحدتها العضوية، بل بوصفها مسرحية عن نشوء الدولة عبر الانقسام بين المجال العائلي الخاص والمجال العام للدولة؛ فالدولة التي لا تقوم على هذه الفجوة ليست دولة. وبالمنطق نفسه: ماذا لو لم تكن الأوديسة قصة اختفاء المحاربين وصعود روح جديدة قائمة على الكذب، بل كانت في الوقت نفسه
ثمة مفارقة تاريخية تستحق أن تُقرأ بهدوء؛ قد تكون الحرب بالنسبة إلى إسرائيل وسيلةً لإعادة إنتاج وحدتها، بينما قد يكون السلام الحقيقي هو الاختبار الأصعب لبقائها متماسكة. فالدولة التي قامت على فكرة «الملجأ اليهودي» وعلى ذاكرة الاضطهاد والخوف، وجدت في الصراع العربي – الإسرائيلي، ثم في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أكثر من مجرد تحدٍّ أمني؛ وجدت فيه عاملًا مؤسِّسًا للهوية السياسية نفسها. لهذا، فإن السؤال الأكثر عمقًا ليس: هل تستطيع إسرائيل أن تنتصر في الحرب؟ بل: ماذا يحدث لإسرائيل إذا لم تعد الحرب قادرة على تعريفها؟ «نحن» و«هم» إلى «من نحن»؟ تنتج الحرب، في كثير من المجتمعات، حالةً من الالتفاف حول الدولة والمؤسسة العسكرية. في إسرائيل تحديدًا، اكتسب الجيش مكانة استثنائية بوصفه أحد أهم مؤسسات الثقة لدى اليهود الإسرائيليين، بينما بقيت الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية عميقة. يؤكد «مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي 2025» أن التوتر بين اليمين واليسار أصبح التوتر الاجتماعي الأشد حضورًا، وأن التضامن الداخلي بقي عند مستويات متوسطة إلى منخفضة، مع استمرار ضعف الثقة في عدد كبير من مؤسسات الدولة. هنا تظهر المفارقة: الخطر الخارجي يؤجل أحيانًا الخلاف الداخلي، أما زوال الخطر الخارجي فيُجبر المجتمع على مواجهة نفسه. فماذا يجمع الإسرائيلي العلماني في تل أبيب، والحريدي الذي يضع الشريعة في مركز حياته، والصهيوني الديني الذي يرى أرض الضفة الغربية في إطار ديني وتاريخي، والمستوطن، واليساري، واليميني؟ تستطيع الحرب أن تقول لهم: «أنتم جميعًا في الخندق نفسه»، أما السلام فيسألهم أسئلة أكثر صعوبة: إلى أي دولة تنتمون؟ وما حدودها؟ وما معنى كونها يهودية وديمقراطية في آن؟ وما مصير الفلسطينيين؟ وما حدود الدين في الدولة؟ ومن يدفع ثمن الأمن؟ ومن يتحمل الخدمة العسكرية؟ المشروع القومي والوعد الديني ليست الصهيونية في أصلها الحديث مجرد عقيدة دينية، فقد نشأت، في جزء مهم منها، كمشروع قومي سياسي حديث، وكان من روادها مفكرون علمانيون. لكن تاريخ إسرائيل أتاح لاحقًا تداخلًا متزايدًا بين القومية اليهودية والتفسير الديني للأرض. هذا التداخل بالغ الأهمية عند قراءة التيارات الصهيونية الدينية المعاصرة. ففي الوعي الديني لبعض التيارات، لا تُقرأ «أرض إسرائيل» باعتبارها مجرد مساحة جغرافية قابلة للتفاوض، بل باعتبارها جزءًا من سردية دينية وتاريخية أعمق. وقد أظهرت دراسات اجتماعية سابقة أن المستوطنين اليهود في الضفة الغربية أكثر ميلًا من غيرهم إلى الاعتقاد بأن الله أعطى الأرض للشعب اليهودي، وأن المجتمع الإسرائيلي نفسه منقسم بعمق حول الدين والدولة والاستيطان وحدود الأرض. من هنا يصبح الصراع على فلسطين صراعًا على تعريف الدولة نفسها. فبالنسبة إلى الصهيوني البراغماتي، يمكن أن تكون الأرض ورقة تفاوض إذا كان ذلك يحقق الأمن، أما بالنسبة إلى الصهيوني الديني الأكثر تشددًا، فقد يصبح التنازل عن الأرض مسألة تتجاوز السياسة إلى العقيدة. هنا تتولد واحدة من أخطر التناقضات الداخلية في المشروع الإسرائيلي: هل إسرائيل دولة قومية حديثة تستطيع إعادة رسم حدودها وفق موازين القوة والمصلحة، أم أنها دولة ذات رسالة دينية لا تستطيع التراجع عن الأرض التي تعتبرها جزءًا من وعد إلهي؟ كلما اقترب السلام من هذا السؤال، أصبح الصراع داخليًا. skip render: ucaddon_material_block_quote العقيدة التلمودية ليست الصهيونية من الخطأ المنهجي أن يقال إن «التلمود» وحده أنتج المشروع الصهيوني. التلمود تراث ديني هائل ومتعدد الآراء، والصهيونية السياسية الحديثة ظاهرة تاريخية مختلفة. لكن لا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل أن بعض التيارات اليهودية الدينية الحديثة أعادت توظيف النصوص والتقاليد الدينية في صياغة موقف سياسي من الأرض والشعب والدولة. هنا ينبغي الانتباه إلى شيء بالغ الأهمية: الخطر ليس في النص الديني بذاته، بل في تحويل التأويل الديني إلى برنامج سياسي مغلق لا يقبل التسوية. عندما تصبح الأرض «تكليفًا إلهيًا» في الوعي السياسي، يصبح التنازل عنها أقرب إلى الخيانة العقائدية منه إلى التسوية السياسية. هذا يجعل السلام أكثر صعوبة، لكنه يجعله أيضًا أكثر قدرة على كشف التصدعات الداخلية. لماذا قد يكون السلام أخطر من الحرب؟ لأن الحرب تمنح إسرائيل لغة مشتركة: الأمن، الجيش، الخطر، الحدود، الإرهاب، البقاء. أما السلام الحقيقي، فيسحب هذه اللغة من مركز المشهد ويضع مكانها لغة أخرى: الحقوق، الحدود، الدستور، الدين، المساواة، المستوطنات، الفلسطينيون، القدس، شكل الدولة ومستقبلها. وهذه كلها أسئلة لا يوجد حولها إجماع إسرائيلي. بل إن الانقسامات ليست بين اليمين واليسار فقط. هناك توترات بين المتدينين والعلمانيين، وبين الحريديم وبقية المجتمع، وبين اليهود والعرب، وبين المركز والأطراف، وبين أنصار الدولة ذات الطابع اليهودي القوي وأنصار تعزيز بعدها الديمقراطي. هذا يعني أن فلسطين ليست فقط قضية خارجية بالنسبة إلى إسرائيل؛ إنها مرآة للخلاف الإسرائيلي حول تعريف إسرائيل. الحرب تحفظ التناقض والسلام يكشفه يمكن للحرب أن تجعل العلماني والمتدين والمستوطن واليميني والوسطي يقفون خلف العلم نفسه. لكن السلام يسأل كل واحد منهم: ماذا تريد من الدولة بعد انتهاء الحرب؟ هنا تبدأ الحسابات المختلفة. الصهيوني الديني يريد الحفاظ على الأرض، والعلماني البراغماتي يريد دولة آمنة قابلة للحياة، واليسار يريد تسوية سياسية تحفظ الطابع الديمقراطي، والحريدي يريد حماية نمط حياته ومؤسساته ومصالح جماعته، والعرب داخل إسرائيل يطالبون بمكانة وحقوق ومساواة أعمق، أما الفلسطينيون فيطالبون، قبل كل شيء، بأن يتحول وجودهم من «مشكلة أمنية» إلى قضية شعب وحقوق وطنية. لهذا، فإن السلام الفلسطيني – الإسرائيلي، إذا كان سلامًا حقيقيًا لا مجرد هدنة أمنية، قد يكون أعظم زلزال سياسي داخلي تواجهه إسرائيل. لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود إسرائيل الداخلية. فهناك جبهة أخرى بدأت تتغير تدريجيًا: جبهة الشرعية الغربية لإسرائيل، وخصوصًا لدى الأجيال الشابة. الحرب تمنح إسرائيل عدوًا مشتركًا، أما السلام فيجبرها على البحث عن هوية مشتركة خلال العقود الماضية، استفادت إسرائيل من دعم سياسي وشعبي واسع في الغرب، وفي مقدمة ذلك الولايات المتحدة. غير أن هذا المشهد لم يعد ثابتًا كما كان. ففي الولايات المتحدة، كما في عدد من الدول الغربية، تظهر فجوة متزايدة بين الأجيال في الموقف من إسرائيل والفلسطينيين. ويبدو أن الأجيال الشابة أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وهو تحول قد تكون له آثار بعيدة المدى. هنا تكمن أهمية المسألة: الحكومات تتغير، لكن الأجيال تستمر. فإذا أصبح جيل كامل من الشباب الغربي أقل استعدادًا لمنح إسرائيل التأييد غير المشروط الذي تمتعت به في مراحل سابقة، فإن إسرائيل لا تواجه أزمة علاقات عامة عابرة، بل احتمال تحول طويل الأمد في البيئة السياسية والأخلاقية التي تتحرك داخلها. هذا يعني أن الحرب لا تستهلك القوة العسكرية فقط، بل يمكن أن تستهلك أيضًا جزءًا من رأس المال السياسي والأخلاقي الذي راكمته إسرائيل في الغرب على مدى عقود. الأكثر أهمية أن هذا التحول في الرأي العام بدأ يجد ترجمة في السياسة الدولية، ولا سيما مع انتقال عدد متزايد من الدول الغربية من التعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. وقد اكتسب هذا المسار زخمًا واضحًا من خلال المؤتمر الدولي رفيع
تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك». ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها. المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام». والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات. لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله. skip render: ucaddon_material_block_quote ليست المشكلة في الإسلام لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما. وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع. المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟ هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟ الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط. لبنان… المختبر الأكثر فجاجة لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات. ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة. فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا. المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي. وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة. وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟ هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون. لسنا نهرب من أوطاننا بالضرورة… بل من الطريقة التي أُديرت بها أوطاننا لماذا يهاجر الناس؟ المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه. والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ. والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟ لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه. السعادة ليست مالًا فقط لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا. تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة. أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة. لبنان لم ينهَر بسبب الغرب لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان