لم تكن عملية الجيش اللبناني في بلدة يانوح الجنوبية، منذ يومين، مجرّد عملية تفتيشٍ روتينية، بل شكّلت فصلًا جديدًا في مسرحية الضغط العالي التي تُمارَس على لبنان، حيث تتشابك خيوط السياسة والأمن والدبلوماسية في مشهدٍ يزداد تعقيدًا وخطورة. ما حدث في يانوح هو أكثر من حادثةٍ أمنية؛ إنّه رسالةٌ بالنار وجّهتها إسرائيل، بدعمٍ أميركيٍّ واضح، إلى الدولة اللبنانية، تختبر فيها ولاءاتها وقدرتها على فرض سيادتها، وتضعها أمام خياراتٍ صعبة في توقيتٍ بالغ الحساسية. بدأ المشهد في 13 ديسمبر 2025، عندما قام الجيش اللبناني، بالتنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بتفتيش مبنى في بلدة يانوح، بناءً على معلوماتٍ استخباراتية إسرائيلية عن وجود أسلحةٍ لحزب الله. لم يُسفر التفتيش الأوّل عن العثور على أي شيء. لكنّ الدراما تصاعدت سريعًا، عندما أصدر الجيش الإسرائيلي، بعد انسحاب القوة اللبنانية، تحذيرًا عاجلًا بقصف المبنى. هذا التطوّر أجبر الجيش اللبناني على العودة وإجراء تفتيشٍ ثانٍ، جاءت نتيجته سلبية أيضًا. غير أنّ بقاء دوريةٍ لبنانية في محيط المنزل أدّى في نهاية المطاف إلى «تجميد» التهديد الإسرائيلي مؤقتًا. هذه السلسلة من الأحداث تكشف بوضوح عن استراتيجيةٍ إسرائيلية مدروسة: اختبار قدرة الجيش اللبناني على التحرك، وتوجيه رسالةٍ مفادها أنّ إسرائيل تراقب كلّ شيء، وأنّها مستعدّة للتحرّك عسكريًا إذا لم تُعالَج ما تعتبره «خروقاتٍ أمنية» بالسرعة المطلوبة. ما وراء الرسالة الرسالة الحقيقية لم تكن في التهديد بالقصف بحدّ ذاته، بل في ما نُقِل عبر القنوات الدبلوماسية، وتحديدًا عبر الأميركيين. الرسالة كانت واضحة وحادّة: «أيّ تعاون أو تنسيق بين الجيش اللبناني وحزب الله يُعدّ غير مقبول». هذا التحذير لا يضع الجيش اللبناني تحت المجهر فحسب، بل يضع الدولة اللبنانية بأكملها في موقفٍ بالغ الإحراج. ويعني ذلك أنّ إسرائيل، وبغطاءٍ أميركي، لم تعد تكتفي بمراقبة حزب الله، بل تسعى إلى ضمان ولاء الجيش اللبناني بشكلٍ كامل، وتفكيك أيّ علاقةٍ محتملة بين المؤسّسة العسكرية والمقاومة. إنّها محاولةٌ لفرض معادلةٍ جديدة على الأرض، يُطلَب فيها من الجيش اللبناني أن يكون أداةً لتنفيذ الأجندة الإسرائيلية–الأميركية، لا مجرّد حامٍ للحدود والسيادة. خيارات ضيّقة ومخاطر مفتوحة تضع عملية يانوح الدولةَ اللبنانية، والرئيس جوزيف عون، أمام خياراتٍ تبدو محدودة وخطيرة في آنٍ معًا: الاستجابة الكاملة للضغوط: في حال استجاب الجيش اللبناني بالكامل للمطالب الإسرائيلية، فإنّه يُخاطر بفقدان دعم شريحةٍ واسعة من اللبنانيين، وقد يؤدّي ذلك إلى توتّراتٍ داخلية حادّة، تمسّ السلم الأهلي وتماسك المؤسّسة العسكرية. تجاهل الضغوط: أمّا إذا جرى تجاهل التحذيرات الإسرائيلية، فقد يُفتَح الباب أمام ضرباتٍ عسكرية إسرائيلية أوسع، ما يهدّد الاستقرار الهشّ في البلاد، ويضع لبنان مجدّدًا على حافة مواجهةٍ مفتوحة. في الحالتين، تكشف حادثة يانوح بوضوح عن تآكل سيادة الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها مضطرّة للتصرّف تحت ضغطٍ مباشر وإملاءاتٍ خارجية. الجيش اللبناني، الذي يعاني أصلًا من أزمةٍ اقتصادية خانقة، يُستنزَف في عمليات تفتيش وانتشارٍ أمنيٍّ مكثّف، ما يزيد من الضغوط على موارده المحدودة وقدرته على الصمود. الوقت ينفد ما حدث في يانوح ليس حادثةً عابرة، بل مؤشّرٌ على مرحلةٍ جديدة من الصراع. إسرائيل، المدعومة من واشنطن، ترفع سقف مطالبها، وتُظهِر بوضوح أنّ صبرها بدأ ينفد. الرسالة لا تحتمل التأويل: قضية سلاح حزب الله لم تعد قابلة للتأجيل من وجهة النظر الإسرائيلية–الأميركية، والخيارات السياسية تضيق سريعًا، فيما تلوح الخيارات العسكرية في الأفق. اليوم، تجد الدولة اللبنانية نفسها في وضعٍ لا تُحسَد عليه، مطالَبة بتحقيق توازنٍ شبه مستحيل بين الحفاظ على استقرارها الداخلي، وتجنّب حربٍ مدمّرة، والاستجابة لضغوطٍ دولية متزايدة. حادثة يانوح قد لا تكون سوى البداية، واختبارًا أوّل في سلسلة اختباراتٍ مرشّحة للتصاعد، قد تضع لبنان في مواجهة مستقبلٍ غامض ومحفوف بالمخاطر.
تحوَّلَتِ الليلةُ الأولى من «حانوكا»، عيدِ الأنوارِ اليهوديّ الذي يرمزُ إلى انتصارِ النورِ على الظلامِ، والأملِ على اليأس، إلى ليلةٍ من الرعبِ والدماءِ على شاطئِ بوندي الشهير في سيدني فبينما كانتِ العائلاتُ تتجمَّعُ لإضاءةِ الشمعةِ الأولى احتفالًا بالمعجزةِ والصمود، فتحَ مسلَّحانِ النارَ على الحشود، مُخلِّفَين وراءهما 12 قتيلًا وعشراتِ الجرحى، ومُحوِّلَين مناسبةَ الفرحِ إلى ذكرى مؤلمة ستظلُّ محفورةً في ذاكرةِ الأمّة. «حانوكا» يحتفلُ اليهودُ في جميعِ أنحاءِ العالم بعيدِ «حانوكا» لمدّةِ ثمانيةِ أيّام، ابتداءً من اليومِ الخامسِ والعشرين من شهرِ «كيسليف» وفقَ التقويمِ العبريّ. ويُعرَفُ العيدُ أيضًا باسم «عيد التدشين»، وتعودُ قصّتُهُ إلى القرنِ الثاني قبلَ الميلاد، عندما نجحت ثورةٌ بقيادةِ يهوذا المكّابي في استعادةِ الهيكلِ المقدّس في القدس من الحكمِ السلوقيّ اليونانيّ. وعند محاولةِ إعادةِ إضاءةِ الشمعدانِ المقدّس (المنوراه)، يُروى أنّ الثوّار لم يجدوا حينها سوى جرّةِ زيتٍ صغيرة تكفي ليومٍ واحد، لكنّها، بمعجزةٍ، استمرّت في الاحتراقِ لثمانيةِ أيّامٍ كاملة. لهذا السبب، تستمرُّ احتفالاتُ «حانوكا» لثماني ليالٍ، حيث تقومُ العائلاتُ بإضاءةِ شمعةٍ جديدة كلَّ ليلةٍ على شمعدانٍ خاصّ يُسمّى «حانوكيا». ويرمزُ هذا الطقسُ إلى انتصارِ الإيمانِ والصمودِ في وجهِ القمع، وتزايدِ النورِ تدريجيًّا لتبديدِ الظلام. هجومُ بوندي ليس حادثًا معزولًا، بل هو أحدثُ حلقةٍ في تاريخِ أستراليا المعقّد مع التطرّف لا يمكنُ اختيارُ منفّذي هجومِ سيدني لليلةِ الأولى من «حانوكا» أن يكونَ مصادفة. فقد استهدفوا عمدًا تجمّعًا يحتفي بالبقاءِ والحرّيّةِ الدينيّة، إذ إنّ إضاءةَ الشمعةِ الأولى هي اللحظةُ التي يبدأُ فيها النورُ بالتغلّبِ على الظلام، ما يجعلُ الهجومَ اعتداءً رمزيًّا بقدرِ ما هو اعتداءٌ ماديّ. ووصفَ شهودُ عيانٍ مشاهدَ الرعبِ التي حلَّت محلَّ الأجواءِ الاحتفاليّة، حيث تناثرتِ الشمعدانات، ولُطِّختِ الأرضُ بالدماء، وتحولت أغاني العيد إلى صرخاتِ استغاثة. سياق أوسع هجومُ بوندي ليس حادثًا معزولًا، بل هو أحدثُ حلقةٍ في تاريخِ أستراليا المعقّد مع التطرّف. فمنذُ هجماتِ 11 سبتمبر، واجهتِ البلادُ تهديداتٍ متزايدة من الإرهابِ المستوحى من جماعاتٍ مثل «القاعدة» و«داعش». وقد شهدت أستراليا عدّةَ هجماتٍ وعمليّاتٍ إرهابيّةٍ جرى إحباطها، كان أبرزُها حصارُ مقهى «ليندت» في سيدني عام 2014، الذي نفّذه متطرّفٌ منفرد وأسفر عن مقتلِ رهينتين. في السنواتِ الأخيرة، برزَ تهديدٌ جديدٌ ومقلقٌ بالقدرِ نفسه من اليمينِ المتطرّف. وكان الهجومُ الذي نفّذه الأستراليّ برينتون تارانت على مسجدَين في كرايستشيرش بنيوزيلندا عام 2019 بمثابةِ جرسِ إنذارٍ صادم، كاشفًا عن شبكاتٍ من الكراهيةِ العابرةِ للحدود، تتغذّى على الفضاءِ الرقميّ. ردًّا على ذلك، رفعت وكالاتُ الاستخباراتِ الأستراليّة مستوى التهديدِ من الإرهابِ اليمينيّ المتطرّف، الذي بات يُشكّل نسبةً كبيرة من التحقيقاتِ الجارية في ملفّاتِ مكافحةِ الإرهاب. هجومُ الليلةِ الماضية، الذي نفّذه نافيد أكرم (24 عامًا) وشريكه، يقعُ عند تقاطعِ هذه التهديدات، ما يثيرُ تساؤلاتٍ عميقة حول ما إذا كان يُمثّل تطرّفًا دينيًّا تقليديًّا، أم شكلًا جديدًا من أشكالِ الكراهيةِ العنيفة التي تتغذّى على الاستقطابِ العالميّ. بينما صنّفتِ السلطاتُ الأستراليّة الحادثَ رسميًّا على أنّه «عملٌ إرهابيّ»، لا يزالُ المجتمعُ المحليّ يرزحُ تحت وطأةِ صدمةٍ عنيفة. ففي الوقتِ الذي كان من المفترضِ أن تتّجهَ فيه الأنظارُ إلى وهجِ الشموعِ المتزايدِ كلَّ ليلة، أُجبرَ العالمُ على النظرِ إلى الظلامِ الذي خلّفه هذا العنف.
بِكَلِماتٍ مُبسَّطةٍ ومباشرةٍ، يُمكِنُ القولُ إنَّ “الجماعةَ الإسلاميّةَ” في لُبنانَ تتحدّى واشنطن، وأنَّها قدِ اتَّخَذَت قرارَها بخوضِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المُقبلة، في أيِّ وقتٍ ستُجرى فيه، وذلك عبرَ مجموعةٍ من الشخصيّاتِ الحزبيّةِ التي تمَّ اختيارُها داخليًّا لهذا الدَّورِ على كاملِ الأراضي اللّبنانيّة، حيثُ يتواجدُ للجماعةِ حضورٌ شعبيٌّ وتمثيليٌّ. وفي هذا الإطار، عَلِمَت جريدةُ “البوست” من مصادرَ سياسيّةٍ مُطَّلِعةٍ أنَّ “قرارًا مركزيًّا” اتُّخِذ قبل أيام على صعيدِ “الجماعة” محلّيًّا، يَقضي بعدمِ الاكتراثِ لموضوع العقوباتِ الأميركيّةِ الجديد، القاضي بإدراجِ الحزبِ اللّبنانيِّ المُرخَّص على قائمةِ الإرهاب، مع ما يستتبِعُهُ ذلك من تداعياتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ واقتصاديّةٍ وماليّةٍ. وكشفتِ المصادرُ أنَّ مرشَّحي الجماعةِ الإسلاميّةِ على صعيدِ لُبنانَ قد تمَّ اختيارُهم (انتخابُهم) من قِبَلِ المجلسِ السياسيّ، وأنَّ نائب رئيس المكتب الدكتور بَسّام حَمّود سيكونُ مرشَّحَ الجماعةِ الذي سيخوضُ المعركةَ الانتخابيّةَ على صعيدِ دائرةِ صيدا–جَزّين، مع العلم أن أكثرَ المرشَّحينَ لخوضِ الانتخاباتِ قد تمَّ حسمُهم، ما عدا المرشَّحِ الذي سيُنافِسُ في الجبلِ عن المقعدِ السُّنّي الذي يُمثِّلُ بلداتِ وقُرى إقليمِ الخُروب. بهذا القرارِ المُتقدِّم، تكونُ الجماعةُ الإسلاميّةُ في لُبنانَ قد حسَمَتِ التكهُّناتِ والتأويلاتِ عن ترجيحِ عزوفِها عن خوضِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المُقبلة، إذعانًا للقرارِ الأميركيِّ «التِّرامبي» الأخير، القاضي بإدراجِها على لوائحِ الإرهاب، وللمحاذيرِ من التحالفاتِ السياسيّةِ التي قد تُركَّبُ معها جرّاءَ ذلك. وبذلكَ يكونُ حَمّودٌ أوَّلَ المرشَّحينَ “العلنيين” عن مَقعدَيْ عاصمةِ الجَنوب، من القوى السياسية في المدينة، على أنْ يَليهِ الآخرونَ تِباعًا.