يُنشر في “البوست” بالتوازي مع نشره في جريدة “النهار” اللبنانية يروي أحد الفلاسفة المعاصرين حكاية تبدو للوهلة الأولى عابرة. رجل يدخل مقهى ويطلب فنجان قهوة بلا كريمة. يعتذر النادل ويقول إن الكريمة غير متوافرة، ويسأله إن كان يقبلها بلا حليب. يتوقف الرجل لحظة. القهوة في الحالتين سوداء، لكن شيئًا ما تغيّر. القهوة بلا كريمة ليست هي نفسها القهوة بلا حليب. الغياب ليس محايدًا؛ ما نعتقد أننا أزلناه يترك أثرًا مختلفًا بحسب ما هو الغائب في السياسة كثيرًا ما نفعل الشيء نفسه. نزيل عنصرًا من المشهد ونظن أن المشكلة انتهت: نُخرج اسمًا أو قوة أو “فائضًا” بعينه، ونفترض أن البنية ستستقيم تلقائيًا. لكن ما لا نلتفت إليه هو أن البنية نفسها قد تكون قادرة على إعادة إنتاج المشكلة بأسماء أخرى وبخطابات أكثر تهذيبًا، لأن الخلل لا يكون دائمًا في ما نراه ظاهرًا، بل في الشروط التي سمحت له بالظهور أصلًا.بهذا المعنى يمكن قراءة خطاب السياسي اللبناني والنائب السابق فارس سعيد بوصفه محاولة جادّة وواعية لإخراج لبنان من دائرة الصدام والانهيار. هو خطاب هادئ، تصالحي، يخاطب الخوف العميق من الفراغ، ويقدّم نفسه كبديل عن منطق الغلبة والتطرّف. لكنه، في الوقت نفسه، يعالج ما يريد استبعاده أكثر مما يعالج الشروط البنيوية التي أعادت إنتاجه مرارًا. إنه خطاب أخلاقي–ثقافي في جوهره، قبل أن يكون تفكيرًا بنيويًا في الدولة. في سرديته، التاريخ اللبناني الحديث سلسلة تجارب لطوائف امتلكت، كلٌّ في زمنها، ادعاءً خاصًا بالسلطة أو بالدور: المارونية السياسية التي رأت نفسها مؤسِّسة الدولة، ثم الحريرية الاقتصادية التي راهنت على المال وإعادة الإعمار، ثم الشيعية “المقاومة” التي قدّمت نفسها كحامية الكيان في مواجهة الخارج. كل تجربة، بحسب هذا الخطاب، حملت فائضًا ما—فائض تمثيل، فائض مال، فائض قوة—وانتهت إلى مأزق وطني.ومن هذه القراءة يصل فارس سعيد إلى خلاصة مركزية: لا يمكن لأي طائفة أن تحكم لبنان أو أن تدّعي تمثيل الدولة. الحل، إذًا، ليس في استبدال فائض بفائض، بل في أن تتواضع الطوائف جميعًا، وأن تعترف بحدودها، وأن تقبل بإدارة البلد بمنطق التوازن لا بمنطق الغلبة. هذا التواضع، في نظره، ليس ضعفًا بل شرط بقاء. الدولة لا تنمو طبيعيًا مع الزمن إذا لم تُحسم أسئلة السلطة. من يملك الكلمة الأخيرة؟ من يخضع لمن؟ هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها، لأن التأجيل نفسه قد يتحوّل إلى نظام حكم الدعوة هنا تحمل نية تصالحية واضحة. فارس سعيد يعرف أن المجتمع اللبناني متعدّد، وأن محاولة صهر هذا التعدّد في نموذج واحد—على الطريقة الأوروبية التي تجعل الدولة معيارًا ثقافيًا يفرض تشابهًا قسريًا على المختلفين—ليست ممكنة ولا مرغوبة. هو يرفض منطق “تفريس” الآخر، ويرى أن لبنان يقدّم نموذجًا مختلفًا للعيش المشترك: نموذجًا لا يطلب من الجماعات أن تتخلّى عن خصوصياتها، بل أن تعيشها جنبًا إلى جنب، تحت سقف دولة قوية تحمي الجميع من دون أن تذيب أحدًا. وهنا يجدر تثبيت نقطة غالبًا ما تُفهم خطأ في النقاش اللبناني. الدفاع عن الدولة لا يمرّ بالضرورة عبر محو الجماعات. أنا لا أنطلق من خيال “مجتمع مدني” يريد القفز فوق الطوائف دفعة واحدة، ولا أرى في الطائفية الاجتماعية مجرّد عيب ينبغي استئصاله. في بلد مركّب مثل لبنان، للطوائف حقّ في الحفاظ على خصوصياتها وذاكرتها وشبكاتها الاجتماعية بوصفها تقاليد حيّة غير مكتوبة لا يمكن شطبها بمرسوم. لكن الاعتراف بالطوائف كجماعات اجتماعية لا يعني تثبيتها كحصص سياسية أبدية. ما أطمح إليه هو نقل الطائفية من كونها “ضمانة سياسية مسبقة” إلى كونها “خصوصية محميّة داخل دولة مرجعية”. أي تطوير الطائفية السياسية بحيث تصبح خاضعة لقواعد قانونية وديمقراطية تُنتج تداولًا وفتحًا للمقاعد، لا إعادة إنتاج دائمة للنتائج نفسها. بهذا المعنى أقف في المسافة بين الطائفية التقليدية وبين خطاب يريد إلغاءها، لا تمجيدًا للنظام القائم، بل بحثًا عن صيغة تُبقي الجماعات حيّة من دون أن تُبقي الدولة رهينة لها. لكن هنا بالضبط تبدأ الإشكالية. فعندما تُختزل الأزمة في “فائض” هنا أو “ادعاء” هناك، تتحوّل السياسة إلى مسألة أخلاق جماعية: الطوائف لم تتعلّم التواضع بعد، أو لم تستوعب دروس التاريخ. والحل يصبح دعوة الجميع إلى خفض السقف، والقبول بالحد الأدنى، وانتظار أن “تنضج” الظروف. غير أن التجربة اللبنانية نفسها تطرح سؤالًا مزعجًا: لماذا يعود الادعاء دائمًا؟ لماذا كل طائفة، حين تشعر أن ميزان القوى يميل لصالحها، تعود لتقديم نفسها كحامية الدولة أو ممثلتها أو ضامن استقرارها؟ هل لأن اللبنانيين لا يتعلّمون من التاريخ؟ أم لأن النظام نفسه يسمح—بل يشجّع—هذا السلوك؟ لو كانت المشكلة أخلاقية فقط، لكان التواضع كافيًا. لكن التواضع، حين يحصل، يكون مؤقتًا ومشروطًا بلحظة ضعف لا بقاعدة دائمة. ما إن تتغيّر الظروف حتى يعود الادعاء بصيغة جديدة. وهذا يعني أن الخلل أعمق من سلوك الطوائف أو من سوء الإدارة وحده؛ إنه في بنية لا تمنع الادعاء، بل تنظّمه وتعيد تدويره. اللاحتمية السياسية… شرط قيام الدولة في هذا الموضع لا بد من تثبيت مسألة جوهرية: نقد البنية لا يعني تمييعًا لمسألة السلاح خارج الدولة، ولا يجوز أن يتحوّل إلى ذريعة لتأجيلها. على العكس، أتقاطع بالكامل مع فارس سعيد في المبدأ المؤسِّس: لا دولة من دون احتكار شرعي للقوة، ولا سيادة في ظل سلاح خارج إطار المؤسسات، أيًّا تكن الجهة التي تحمله—حزبًا كانت أو طائفة أو تنظيمًا عقائديًا. سحب السلاح من أي جهة خارج الدولة ليس مطلبًا سياسيًا ظرفيًا ولا ورقة تفاوضية، بل شرط وجودي لأي مشروع دولتي. الدولة التي تقبل بتعدّد مراكز القوة تتحوّل تلقائيًا إلى مساحة توازنات لا إلى مرجعية، وإلى إدارة نزاعات لا إلى سلطة قانون. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن أي محاولة لفتح نقاش دستوري أو بنيوي في ظل سلاح خارج الدولة هي، بحكم التجربة اللبنانية، وصفة شبه مضمونة لإعادة إنتاج فائض القوة لا لمعالجته. نزع السلاح ليس نتيجة الإصلاح، بل شرطه المسبق. في هذا السياق يصبح التمسّك باتفاق الطائف والدستور، كما يفعل فارس سعيد، موقفًا سياديًا مفهومًا في مواجهة السلاح خارج الدولة. فعندما يُستخدم السلاح للضغط السياسي يتحوّل الدستور إلى خط دفاع لا إلى مادة نقاش. ومن هنا يمكن فهم الخشية العميقة من أن يُستَخدم أي حديث عن “تغيير النظام” كغطاء للهروب من استحقاق نزع السلاح. لكن الإشكالية تبدأ حين يتحوّل هذا الدفاع المشروع إلى تأجيل مفتوح لسؤال الدولة نفسها. فالفصل الصارم بين “مرحلة السلاح” و“مرحلة الشغل السياسي” يفترض أن النظام القائم قادر تلقائيًا على إنتاج دولة بعد زوال فائض القوة. والتجربة اللبنانية لا تؤكّد هذا الافتراض. إذ ما من فائض قوة ظهر في لبنان إلا ووجد في بنية النظام ما يسمح له بالترسّخ والتمدّد، لا لأن النص يريده بالضرورة، بل لأن آليات الحكم نفسها لا تُنتج مرجعية نهائية تحسم النزاع لصالح الدولة. لذلك لا يعود السؤال: هل نتمسّك بالطائف في وجه السلاح؟ بل: كيف نمنع
في لحظةٍ تاريخيةٍ مضطربة، يقف الشرق الأوسط على حافة معادلةٍ معقّدة: لا أحد في العالم العربي يمكنه القبول بالضربات الإيرانية التي طالت أراضي دولٍ عربية، وفي الوقت ذاته لا أحد يرغب في الانجرار ليكون طرفاً في الحرب التي يدفع إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضدّ إيران بين هذين الحدّين تتشكّل حالة يمكن وصفها بـ”الحيرة السياسية”، مساحة رمادية نجح نتنياهو في دفع المنطقة كلّها إليها، حيث تبدو الخيارات محدودة والخطأ الاستراتيجي مكلفاً. هذا الصراع المتصاعد ليس وليدَ لحظةٍ عسكريةٍ عابرة، بل نتيجة تراكمٍ طويل من الطموحات التوسعية المتقابلة بين إسرائيل وإيران. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن سلسلةً من النجاحات الميدانية المحدودة منحت القيادة الإسرائيلية شعوراً متزايداً بما يمكن تسميته “غرور القوّة”. فحين تتحوّل الإنجازات التكتيكية إلى تصوّرٍ استراتيجي عن الهيمنة، يصبح ميزان القرار السياسي أكثر عرضةً للمغامرة. من “الملاذ الآمن” إلى “القوّة المهيمنة” في بدايات الحركة الصهيونية، التي ارتبطت تاريخياً بمشروع تيودور هرتزل الفكري والسياسي، لم تكن الفكرة الأساسية تقوم على بناء إمبراطورية أو فرض نظامٍ إقليمي شامل. كان المشروع في جوهره أكثر تواضعاً: إقامة ملاذٍ قومي آمن لليهود في أرضٍ يستطيعون فيها إدارة مصيرهم بعد قرونٍ من الاضطهاد. غير أن التحولات السياسية والعقائدية داخل إسرائيل، خصوصاً مع صعود التيارات اليمينية القومية والدينية، أعادت تشكيل هذا المشروع في اتجاهٍ مختلف، اتجاه لا يكتفي بالأمن بل يسعى إلى الهيمنة. لقد شكّل الطابع الانعزالي للمجتمع اليهودي تاريخياً أحد مصادر قوته. فالعزلة الثقافية والدينية وفّرت نوعاً من الحصانة الداخلية التي سمحت ببناء هويةٍ متماسكة وقادرة على الصمود. لكن محاولة الانتقال من عقلية “الملاذ الآمن” إلى عقلية “القوّة المهيمنة” تحمل في طياتها خطراً بنيوياً: فالتوسع غالباً ما يقوّض تلك الحصانة التي كانت أساس النجاح الأولي. في السنوات الأخيرة، بدا أن اليمين الإسرائيلي انتقل سريعاً من عقلية الدفاع المحصّن خلف الجدران وأنظمةٍ مثل القبة الحديدية إلى استراتيجيةٍ هجومية تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات العسكرية في الإقليم. عملياتٌ استخبارية دقيقة، ضرباتٌ جراحية، ومحاولات لتفكيك شبكات النفوذ الإيرانية عبر المنطقة. هذا التحوّل عزّز شعوراً داخل بعض الدوائر الإسرائيلية بأن اللحظة مواتية لفرض نظامٍ إقليمي جديد. دروس من التاريخ لكن التاريخ يحمل تحذيراتٍ واضحة. فالنصوص التاريخية التي تروي تمرّد المكابيين في سفر المكابيين تذكر أن التحوّل من تمرّدٍ دفاعي إلى مشروعٍ توسّعي انتهى بانقساماتٍ داخلية وتدخّلٍ خارجي من الإمبراطورية الرومانية، وهي سلسلة أحداث قادت في النهاية إلى تدمير الهيكل الثاني وبدء مرحلة الشتات اليهودي الطويلة. المفارقة أن بعض السرديات السياسية المعاصرة تستحضر هذه النصوص كمصدر إلهام، فيما يتجاهل كثيرون الدروس التي تحملها. في المقابل، فإن قراءة الصراع مع إيران وفق معايير النصر والهزيمة التقليدية قد تكون قراءةً مضلّلة. فإيران بنت استراتيجيتها على مدى أكثر من أربعة عقود على فكرة الصبر الاستراتيجي وطول النفس. وعلى الرغم من الضربات المؤلمة التي تعرّضت لها، بما في ذلك استهداف شخصياتٍ مركزية في منظومة الحكم، فإن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمات والالتفاف حولها كانت دائماً جزءاً من حساباته الأساسية. المفارقة أن إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، كانت تُعِدّ نفسها لمواجهةٍ شاملة مع الولايات المتحدة، بينما كانت إسرائيل تبني منظومتها الاستخبارية والعسكرية لمواجهة النظام الإيراني نفسه. هذا التباين في تصوّرات العدو خلق مسارين مختلفين للاستعداد، لكنه أيضاً يفسّر عمق الصراع الحالي وتشابك أدواته. واقعية وطموح وسط هذه المعادلة المعقّدة، تجد الدول العربية نفسها جالسة على خيطٍ رفيع. فمن جهة، لا يمكن القبول بالاعتداءات الإيرانية التي مسّت سيادة بعض الدول. ومن جهةٍ أخرى، فإن الانخراط في حربٍ إقليمية واسعة تقودها إسرائيل قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. الحكمة السياسية تقتضي تجنّب الانجرار إلى الصراع، لكن السيادة تفرض في الوقت ذاته إرسال رسالة واضحة بأن أي اعتداء لن يمرّ دون حسابٍ في مرحلة ما بعد الحرب. ولا يقتصر تأثير هذا الصراع على التوازنات العسكرية والسياسية. فاضطراب إمدادات الطاقة العالمية يهدد ركائز الاقتصاد الدولي، خصوصاً في ظل الطفرة التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يعتمد بشكلٍ متزايد على طاقةٍ وفيرة ومنخفضة التكلفة، جزء كبير منها يأتي من الخليج. أي اضطرابٍ طويل في هذه المعادلة قد يضرب أساسات التحوّل الاقتصادي العالمي. هناك أيضاً مفارقة أخرى في بنية النظام الدولي. فبعض الاقتصادات تنمو في بيئة السلام والاستقرار، بينما يعتمد جزء مهم من الاقتصاد الصناعي العسكري في الولايات المتحدة على استمرار التوترات والصراعات. بالنسبة لواشنطن، ليست كل الحروب فشلاً سياسياً بالضرورة؛ أحياناً تتحوّل إلى جزءٍ من نموذجٍ اقتصادي أوسع. أما إسرائيل، فهي تحتاج إلى الأمن والاقتصاد معاً لتوسيع نفوذها. هذا التناقض في المصالح قد يخلق توترات داخل التحالف نفسه إذا طال أمد الحرب. في نهاية المطاف، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك داخل مسرحٍ معقّد تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع الحسابات العقائدية والاقتصادية. لكن ما يحدث خلف الكواليس غالباً ما يكون أكثر أهميةً مما يظهر على الشاشات. حين تتحوّل النجاحات التكتيكية إلى شعورٍ بالهيمنة، يصبح القرار السياسي أكثر ميلاً إلى المغامرة، وعندها يبدأ التاريخ غالباً بكتابة نهاياتٍ لم يتوقّعها أحد من الملاذ الآمن إلى حلم الهيمنة الحقيقة التي قد تتكشف قريباً هي أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلةٍ انتقالية قد تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي وربما أجزاء من النظام الدولي أيضاً. فحين تتقاطع طموحات الإمبراطوريات القديمة مع صعود قوى جديدة وتغيّرات اقتصادية عميقة، فإن النتائج نادراً ما تكون قابلة للتوقّع. ولهذا بالضبط، قد تحمل الأيام القادمة مفاجآتٍ تتجاوز كل السيناريوهات التي يتداولها المحللون اليوم.
في السياسة الأميركية، اعتاد الرؤساء أن يحيطوا أنفسهم بمستشارين سياسيين وعسكريين واقتصاديين، لكن قلّما لعب مستشار ديني دورًا مؤثرًا في محيط الرئيس كما فعلت القسّة الإنجيلية باولا وايت مع دونالد ترامب خلال العقدين الأخيرين تحولت هذه الواعظة التلفزيونية من نجمة في الكنائس الإنجيلية إلى واحدة من أبرز الشخصيات الدينية التي وجدت لنفسها مكانًا فمحيط القرار السياسي في واشنطن.لم تكن العلاقة بين ترامب ووايت مجرد صداقة شخصية أو إرشاد روحي عابر، بل أصبحت جزءًا من تحالف أوسع بين اليمين الإنجيلي المحافظ والحركة السياسية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض. من خلال هذا التحالف، دخل الخطاب الديني بقوة إلى المجال السياسي، خصوصًا في قضايا ترتبط بالهوية الثقافية الأميركية وبالسياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل. من طفولة مضطربة إلى نجومية دينيةوُلدت باولا ميشيل فَر عام 1966 في ولاية ميسيسيبي الأميركية ونشأت في بيئة اجتماعية صعبة. كان والدها يعمل في قطاع العقارات قبل أن ينتحر وهي في سن الخامسة، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول عميقة في حياتها المبكرة. بعد ذلك انتقلت العائلة إلى ولاية فلوريدا، حيث عاشت طفولة اتسمت بعدم الاستقرار.في سنوات المراهقة انخرطت وايت في الكنائس الإنجيلية، وهناك بدأت تتشكل شخصيتها الدينية. وفي مطلع التسعينيات شاركت مع زوجها آنذاك راندي وايت في تأسيس كنيسة إنجيلية في فلوريدا عُرفت باسم Without Walls International Church. خلال سنوات قليلة تحولت الكنيسة إلى واحدة من الكنائس الضخمة في الولايات المتحدة، حيث كانت تستقطب آلاف المصلين أسبوعيًا.لكن شهرتها الحقيقية لم تأتِ من الكنيسة وحدها، بل من الإعلام. فقد أصبحت واحدة من أبرز الوجوه في عالم الوعظ التلفزيوني، وهو قطاع إعلامي ديني واسع الانتشار في الولايات المتحدة يقوم على بث الخطب الدينية عبر الفضائيات وجمع التبرعات من المشاهدين.وبفضل خطابها العاطفي وأسلوبها الخطابي الحاد، استطاعت وايت أن تبني قاعدة واسعة من المتابعين داخل التيار الإنجيلي المحافظ. في فهم السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، غالبًا ما يجري التركيز على العوامل التقليدية: المصالح الاستراتيجية، الطاقة، الأمن القومي، أو التحالفات العسكرية. غير أن هذه القراءة تبقى ناقصة إذا تجاهلت عنصرًا آخر بالغ التأثير في السياسة الأميركية المعاصرة، هو الدور المتصاعد للتيار الإنجيلي المحافظ اللقاء الذي غيّر المسارتعود بداية العلاقة بين باولا وايت ودونالد ترامب إلى أوائل الألفية الجديدة.بحسب روايتها، شاهد ترامب أحد برامجها الدينية على التلفزيون عام 2002، وأُعجب بأسلوبها الخطابي، فاتصل بها مباشرة. بعد ذلك بدأت علاقة شخصية بينهما تطورت سريعًا إلى صداقة وثيقة.كانت تلك الفترة مرحلة مختلفة في حياة ترامب؛ فهو رجل أعمال وإعلام، وليس شخصية دينية بالمعنى التقليدي. لذلك لعبت وايت دورًا مهمًا في تعريفه بعالم الكنائس الإنجيلية المحافظة.بدأت الواعظة الدينية بتنظيم جلسات دراسية دينية لترامب في بعض منتجعاته، كما أصبحت ضيفة دائمة على فعالياته الخاصة. ومع مرور الوقت تحولت إلى مستشارة روحية غير رسمية.عندما قرر ترامب الترشح للرئاسة عام 2015، كانت وايت من أوائل الشخصيات الدينية التي أعلنت دعمها له. وقد ساعدت في بناء جسور بين حملته الانتخابية وبين التيار الإنجيلي الذي يشكل واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الحزب الجمهوري. مفتاح الناخبين الإنجيليينيشكل المسيحيون الإنجيليون نحو ربع الناخبين الأميركيين، وهم أحد أكثر المكونات السياسية تنظيمًا وتأثيرًا في الولايات المتحدة. وقد كان دعمهم حاسمًا في وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016.في تلك الانتخابات لعبت باولا وايت دورًا أساسيًا في تعبئة هذا التيار. فقد ترأست المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملة ترامب، وساهمت في حشد مئات القادة الدينيين لدعمه.وكانت رسالتها واضحة: ترامب، رغم خلفيته غير الدينية، يمكن أن يكون أداة إلهية لحماية القيم المسيحية المحافظة.هذا الخطاب وجد صدى واسعًا لدى الناخبين الإنجيليين الذين كانوا يشعرون بأن الثقافة الأميركية تتحول تدريجيًا بعيدًا عن القيم التقليدية.وقد تجلى هذا التحالف بوضوح في حفل تنصيب ترامب عام 2017، عندما أصبحت باولا وايت أول امرأة من رجال الدين تلقي دعاءً في مراسم تنصيب رئيس أميركي. لاهوت الازدهارتُعد باولا وايت من أبرز دعاة ما يعرف باسم لاهوت الازدهار، وهو تيار ديني يرى أن الإيمان بالله يمكن أن يقود إلى النجاح والثراء في الحياة الدنيا.وفق هذا المفهوم، فإن البركة الإلهية لا تتجلى فقط في الخلاص الروحي، بل أيضًا في النجاح المادي. لذلك يشجع هذا الخطاب المؤمنين على التبرع للكنيسة باعتباره نوعًا من الاستثمار الروحي الذي يجلب البركة.يرتكز هذا اللاهوت على ثلاثة عناصر رئيسية:1. الإيمان يولّد النجاح2. العطاء المالي يجلب البركة3. العالم ساحة صراع روحي بين الخير والشرلكن هذا الخطاب أثار انتقادات واسعة داخل الكنائس المسيحية نفسها، إذ يرى كثير من اللاهوتيين أن الربط بين الإيمان والثروة يمثل تشويهًا للرسالة الدينية.مع ذلك، بقي هذا التيار يتمتع بنفوذ كبير داخل بعض الكنائس الإنجيلية، خصوصًا في الجنوب الأميركي. تحالف طويل بين الحركة الإنجيلية والقوى السياسية المحافظة من الكنيسة إلى البيت الأبيضبعد وصول ترامب إلى السلطة، أصبحت باولا وايت جزءًا من الدائرة القريبة من البيت الأبيض. وفي عام 2019 عيّنها ترامب مستشارة في مبادرة الإيمان والفرص، وهي برنامج حكومي يهدف إلى تعزيز التعاون بين الحكومة والمنظمات الدينية.كان الهدف المعلن للمبادرة هو تسهيل عمل المؤسسات الدينية في مجالات الرعاية الاجتماعية والتعليم ومساعدة الفقراء.لكن منتقدي الإدارة رأوا في هذه الخطوة محاولة لتعزيز نفوذ التيار الإنجيلي داخل مؤسسات الدولة. في الوقت نفسه، أصبحت وايت واحدة من أبرز الأصوات الدينية المدافعة عن ترامب في وسائل الإعلام، خصوصًا خلال الأزمات السياسية التي واجهها. الحرب الروحية في السياسةفي خطابها الديني، كثيرًا ما تستخدم باولا وايت مفهوم الحرب الروحية.وهو مفهوم شائع في بعض التيارات الإنجيلية، يرى أن الصراعات السياسية والاجتماعية ليست مجرد تنافس بشري، بل جزء من معركة أوسع بين قوى الخير والشر.خلال الانتخابات الأميركية عام 2020 أثارت وايت جدلاً واسعًا عندما ألقت صلاة علنية تحدثت فيها عن “إرسال ملائكة من أفريقيا وأميركا الجنوبية” لحماية نتائج الانتخابات.بالنسبة لمؤيديها، كان ذلك تعبيرًا رمزيًا عن الإيمان، أما منتقدوها فاعتبروا الأمر مثالًا على تسييس الدين بشكل مبالغ فيه. الإنجيليون والسياسة الخارجية لا يقتصر تأثير التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة على السياسة الداخلية.فهذا التيار يلعب أيضًا دورًا مهمًا في تشكيل المواقف الأميركية تجاه الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بإسرائيل. في الفكر الإنجيلي المحافظ، تحتل إسرائيل مكانة دينية خاصة ترتبط بتفسيرات توراتية لنهاية الزمان. ولذلك يرى كثير من الإنجيليين أن دعم إسرائيل ليس مجرد موقف سياسي، بل واجب ديني. وقد كان هذا العامل حاضرًا بقوة خلال إدارة ترامب. في عام 2017 أعلن ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو قرار مثّل تحولًا كبيرًا في السياسة الأميركية. وعلى الرغم من أن القرار كان له أبعاد سياسية واستراتيجية، فإن دعم القاعدة الإنجيلية لعب دورًا مهمًا في دفع الإدارة نحو اتخاذه. فقد اعتبر كثير من القادة الإنجيليين أن الاعتراف بالقدس يمثل تحقيقًا لنبوءات توراتية. وكانت شخصيات دينية إنجيلية بارزة حاضرة في مراسم افتتاح السفارة