بِكَلِماتٍ مُبسَّطةٍ ومباشرةٍ، يُمكِنُ القولُ إنَّ “الجماعةَ الإسلاميّةَ” في لُبنانَ تتحدّى واشنطن، وأنَّها قدِ اتَّخَذَت قرارَها بخوضِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المُقبلة، في أيِّ وقتٍ ستُجرى فيه، وذلك عبرَ مجموعةٍ من الشخصيّاتِ الحزبيّةِ التي تمَّ اختيارُها داخليًّا لهذا الدَّورِ على كاملِ الأراضي اللّبنانيّة، حيثُ يتواجدُ للجماعةِ حضورٌ شعبيٌّ وتمثيليٌّ. وفي هذا الإطار، عَلِمَت جريدةُ “البوست” من مصادرَ سياسيّةٍ مُطَّلِعةٍ أنَّ “قرارًا مركزيًّا” اتُّخِذ قبل أيام على صعيدِ “الجماعة” محلّيًّا، يَقضي بعدمِ الاكتراثِ لموضوع العقوباتِ الأميركيّةِ الجديد، القاضي بإدراجِ الحزبِ اللّبنانيِّ المُرخَّص على قائمةِ الإرهاب، مع ما يستتبِعُهُ ذلك من تداعياتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ واقتصاديّةٍ وماليّةٍ. وكشفتِ المصادرُ أنَّ مرشَّحي الجماعةِ الإسلاميّةِ على صعيدِ لُبنانَ قد تمَّ اختيارُهم (انتخابُهم) من قِبَلِ المجلسِ السياسيّ، وأنَّ نائب رئيس المكتب الدكتور بَسّام حَمّود سيكونُ مرشَّحَ الجماعةِ الذي سيخوضُ المعركةَ الانتخابيّةَ على صعيدِ دائرةِ صيدا–جَزّين، مع العلم أن أكثرَ المرشَّحينَ لخوضِ الانتخاباتِ قد تمَّ حسمُهم، ما عدا المرشَّحِ الذي سيُنافِسُ في الجبلِ عن المقعدِ السُّنّي الذي يُمثِّلُ بلداتِ وقُرى إقليمِ الخُروب. بهذا القرارِ المُتقدِّم، تكونُ الجماعةُ الإسلاميّةُ في لُبنانَ قد حسَمَتِ التكهُّناتِ والتأويلاتِ عن ترجيحِ عزوفِها عن خوضِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المُقبلة، إذعانًا للقرارِ الأميركيِّ «التِّرامبي» الأخير، القاضي بإدراجِها على لوائحِ الإرهاب، وللمحاذيرِ من التحالفاتِ السياسيّةِ التي قد تُركَّبُ معها جرّاءَ ذلك. وبذلكَ يكونُ حَمّودٌ أوَّلَ المرشَّحينَ “العلنيين” عن مَقعدَيْ عاصمةِ الجَنوب، من القوى السياسية في المدينة، على أنْ يَليهِ الآخرونَ تِباعًا.
لم يَكُنْ إبراهيمُ مَزهر قد بلغَ 30 عامًا حين جلسَ على كرسيّ رئاسةِ بلديّةِ بقسطا – “الشَّرحبيل” – قربَ صيدا. لكنّ الشابّ الهادئ، المتصالح مع نفسِهِ، المُتفاهم مع الأهالي، نجح في ما فشل فيه “الكبار”: أن يكون رئيسًا بلديًا بلا استعراض، بلا زعيم فوق رأسه، وبلا “مدرسة” حزبية تُلقّنه ما يقول وما يفعل. النتيجة؟ بلدةٌ تحوّلت إلى “صيدا ثانية”، تضجُّ بالحياة، وبتعدادٍ يتجاوز 13 ألف صيداوي، ونموّ عمرانيّ لا يتوقف. المفاجأة الأكبر جاءت قبل أيّام، حين استطاع مزهر، وبالتعاون مع لجان أهلية محلية فقط، تحقيق ما عجزت عنه أحزاب وتيارات واتحادات ونقابات “مدّعية الشغل”. مشكلة “شُحّ المياه” التي رافقت الشرحبيل لسنوات كانت تُعامَل باستهتار فجّ: وعود، تسويف، تمييع، واستنسابية، كأنّ 13 ألف إنسان يحتاجون معجزة كي يشربوا! لكن “خط الخدمات” الذي سيغذّي المنطقة بالمياه انطلق أخيرًا. ليس بفضل خطابات السياسيين، ولا بفضل الاجتماعات الفارغة التي تُعقَد عندما يضيق الوقت. جاء بفضل رئيس بلدية بقي بين الناس، ولم يكتفِ بمدّهم بـ“بوستات تضامن” أو “جمع توقيعات” لا تُسمن ولا تُغني. على أبواب انتخابات نيابية، سيظهر الانتهازيون ليباركوا ويصفّقوا، وسيرفع البعض شعار: “نحن ضغطنا… نحن تابعنا… نحن طالبنا”.لكن الحقيقة يعرفها الجميع.ما حدث ليس مجرّد إنجاز خدماتي. إنه صفعة كبيرة تُظهر كيف يمكن لرئيس بلدية شاب أن ينجح بلا فزلكات، بلا نفاق، بلا رحلات “تثقيفية” و“هروب”، وبلا صور موسمية.صفعةٌ مؤلمة… لعل صداها يبلغ، ولو صدفة، مونتريال ليستفيق الغافلون.
تقفُ مدينةُ صَيْدا على ساحلِ البحرِ الأبيضِ المُتوسِّطِ كشاهدةٍ حيّةٍ على آلافِ السنينِ من الحضارةِ الإنسانيّة. فهذه المدينةُ اللبنانيّة، التي يعودُ تاريخُها إلى أكثرَ من ستّةِ آلافِ سنة، كانت في يومٍ من الأيّامِ عاصمةَ الحضارةِ الفينيقيّة ومركزًا تجاريًّا عالميًّا لا مثيلَ له. غيرَ أنَّ المُفارقةَ المُؤلِمةَ تكمنُ في أنَّه، وحتى يومِنا هذا، تفتقرُ المدينةُ العريقةُ إلى مُتحفٍ أثريٍّ يليقُ بتاريخِها ويروي قصّصها صيدا عبر التاريخ تُعتَبَرُ صَيْدا من أقدمِ المدنِ الفينيقيّة التي أسّسها الكنعانيّون حوالي عامَ 2800 قبلَ الميلاد، وَفقًا للمؤرّخِ الفرنسيّ جاك نانتي. وقد سُمِّيَت المدينةُ باسمِ صِيدون، ابنِ كنعانَ البِكر، وأصبحت مع مرورِ الزمنِ مركزًا حضاريًّا وتجارِيًّا بارزًا على البحرِ المتوسِّط. كان موقعُها الساحليُّ الاستراتيجيُّ السببَ الأساسِيَّ في ازدهارِها، إذ وفَّرَ لها ميناءً طبيعيًّا مثاليًّا للتجارةِ البحريّةِ والملاحة.خلالَ العصرِ الحديديّ، برزت صَيْدا كواحدةٍ من أهمِّ المدنِ الفينيقيّة، بل لعلّها كانت الأقدمَ والأكثرَ أهمّيّة. وقد اشتهرت بصناعاتٍ أسطوريّةٍ في ذلكَ الزمان: صناعةِ الزجاجِ التي كانت تمثّل أهمَّ مشروعٍ اقتصاديٍّ في المدينة، وصناعةِ الصبغةِ الأرجوانيّةِ الفاخرةِ المُستخرَجةِ من صدفِ الموريكس، وفنِّ التطريزِ الرقيقِ الذي اشتهرت به نساءُ صَيْدا. وكان هوميروس نفسُه يشيدُ بمهارةِ حرفيّيها وإبداعِهم. لا تزال هناك تحدّياتٌ كبيرةٌ تعترضُ إنجازَ المتحف بالكامل، فقد كشف وزيرُ الثقافةِ غسان سلامة بأنَّ 50% من أعمالِ البناء قد أُنجِزت، وأنَّ هناك حاجةً إلى نحوِ 5 ملايينَ دولارٍ إضافيّةٍ لاستكمالِ المشروع نشأة المشروع والرؤية في 27 يونيو 2009، وُضِعَ حجرُ الأساسِ لمشروعِ “متحفِ صَيْدا التاريخيّ” في موقعِ الفرير، وهو موقعٌ أثريٌّ استثنائيّ يقعُ في قلبِ المدينةِ القديمة. كان هذا الحدثُ بمثابةِ نقطةِ تحوُّلٍ في تاريخِ المدينة، إذ أعطى الأملَ في أن تحظى صَيْدا أخيرًا بالمعلمِ الثقافيِّ الذي تستحقّه.الموقعُ الأثريُّ نفسُه يحكي قصةً حضاريّةً غنيّة. فقد كشفت الحفريّاتُ التي أجرتها بعثةُ المتحفِ البريطانيّ، بإشرافِ المديريّةِ العامّةِ للآثارِ اللبنانيّة، عن طبقاتٍ حضاريّةٍ متعدّدةٍ تعودُ إلى أكثرَ من 6000 عام. وقد تمَّ استخراجُ ما يقرُبُ من 1400 قطعةٍ أثريّةٍ من الموقع، تُغطّي فتراتٍ زمنيّةً تمتدُّ من الألفِ الثالثِ قبل الميلادِ وحتى العصورِ الوسطى. وتمثّل هذه القطعُ شهاداتٍ حيّةً على التنوّعِ الحضاريِّ الذي عاشَتْه المدينةُ عبرَ العصور. التمويل والشركاء الدوليون كان تمويلُ المشروعِ يعتمدُ على دعمٍ دوليٍّ سخيّ؛ فقد قدّم الصندوقُ الكويتيُّ للتنميةِ الاقتصاديّةِ العربيّة، والصندوقُ العربيُّ للإنماءِ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، هباتٍ كبيرةً لإنجازِ هذا المشروع. وكان الرئيسُ الأسبقُ فؤادُ السنيورة، الذي كان رئيسًا للحكومةِ في ذلكَ الوقت، له دورٌ أساسيٌّ في تأمينِ هذا التمويلِ والعملِ على إطلاقِ المشروع.تولّت “الشركةُ العربيّةُ للأعمالِ المدنيّة” مسؤوليةَ تنفيذِ الأعمالِ الإنشائيّة، بينما قدّمت شركةُ “خطيب وعلمي” الاستشاراتِ الهندسيّة. وكان المشروعُ مُقسّمًا إلى عدّةِ مراحلٍ تتضمّن المرحلةُ الأولى منها بناءَ القاعاتِ الرئيسيّةِ والمساحاتِ المخصّصةِ للقطعِ الأثريّة.للأسف، لم يسرِ المشروعُ وَفقًا للخطةِ الموضوعة؛ فقد شهد توقُّفًا طويلًا استمرَّ سنواتٍ عديدة، ما أدّى إلى تأخيرٍ كبيرٍ في إنجازِه. ويعود السببُ الرئيسيُّ لهذا التأخيرِ إلى الأزمةِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ الحادّةِ التي ضربت لبنان منذ عام 2019.لم يقتصر تأثيرُ الأزمةِ على القطاعِ الخاصّ، بل امتدَّ إلى كافّةِ جوانبِ الحياةِ العامّة، بما فيها المشاريعُ الحكوميّةُ والبلديّة، وبينها المشاريعُ الثقافيّةُ والأثريّةُ التي تراجعت أولويّاتُها في ظلِّ الانهيار.وفي هذا السياق، توقّف مشروعُ متحفِ صَيْدا عن الحركةِ بشكلٍ فعليّ، رغم الحاجَةِ الملِحّة إليه كمعلمٍ قادرٍ على تنشيطِ الاقتصادِ المحلّي وجذبِ السيّاح. رسم متخيل لصيدا في الحقبة الفينيقية التحديات المتبقية والتمويل الناقصفي أكتوبر 2025، أعلن السنيورة، خلال زيارةٍ تفقديّةٍ لموقعِ المتحف، عن استئنافِ العملِ في المشروعِ بعد توقّفٍ قسريٍّ استمرَّ سنوات. وقال إنّ المرحلةَ الأولى من المشروعِ على وشكِ الانتهاء، ما يفتح البابَ أمام إمكانيةِ افتتاحٍ جزئيٍّ للمتحفِ في المستقبلِ القريب.خلال الزيارة، اطّلع السنيورة والوفدُ المرافقُ على تقدّمِ الأعمالِ في القاعاتِ الكبرى والباحاتِ المُطلّةِ على الطبقاتِ الأثريّة، كما جرى التأكيدُ على استمرارِ الدعمِ من الصندوقِ الكويتيّ والصندوقِ العربيّ.رغم الأخبارِ الإيجابيّة، لا تزال هناك تحدّياتٌ كبيرةٌ تعترضُ إنجازَ المشروعِ بالكامل. فقد صرّح وزيرُ الثقافةِ غسّان سلامة في سبتمبر 2025 بأنَّ 50% من أعمالِ البناء قد أُنجِزت، وأنَّ هناك حاجةً إلى نحوِ 5 ملايينَ دولارٍ إضافيّةٍ لاستكمالِ المشروع.ورغمَ أنَّ هذا المبلغَ يبدو كبيرًا في ظلِّ الأزمةِ الراهنة، إلّا أنّه استثمارٌ ضروريٌّ في الهويةِ الثقافيّةِ للمدينةِ والبلد. ويتطلّب تأمينُه تضافرَ جهودِ الحكومةِ والجهاتِ المانحةِ والمجتمعِ المحليّ.يمثّل متحفُ صَيْدا أكثرَ من مجرّدِ مبنى يحتوي على قطعٍ أثريّة؛ إنَّه رسالةٌ حضاريّةٌ إلى العالمِ بأنّ صَيْدا، رغم التحدّيات، لا تزال تفتخرُ بإرثِها وتسعى للحفاظِ عليه. فالمتحفُ سيقدّم منصّةً لروايةِ قصّةِ 6000 سنةٍ من التاريخِ الإنسانيّ، من الحضارةِ الفينيقيّةِ إلى العصورِ الوسطى، بما يُعزِّز الهويّةَ الثقافيّةَ لصَيْدا وجنوبِ لبنان.كما سيمنحُ الأجيالَ الحاليّةَ والقادمةَ فرصةً لفهمِ جذورِهم الحضاريّةِ والتعرّفِ إلى إنجازاتِ أسلافِهم.الفوائد الاقتصادية والسياحيةاقتصاديًّا، يمكن لمتحفِ صَيْدا أن يتحوّل إلى عاملِ جذبٍ سياحيٍّ رئيسيّ، إذ تُظهر التجاربُ العالميّةُ أنَّ المتاحفَ الكبرى تستقطبُ السيّاحَ وتُنشّطُ الاقتصادَ المحليّ وتخلقُ فُرصَ عمل. وفي ظلِّ الأزمةِ الراهنة، يحتاج لبنان بشدّةٍ إلى مشاريعَ كهذه تُعيد الحيويّةَ إلى القطاعِ السياحيّ.وصَيْدا، بموقعِها وتاريخِها، تمتلكُ كلَّ المقوّماتِ لتصبحَ وجهةً عالميّةً إذا ما اكتملت بنيتُها الثقافيّة. مَن يتحمّل المسؤولية؟ تأخيرُ المشروعِ لأكثرَ من 15 سنة يطرحُ أسئلةً حولَ المسؤوليّة: هل الحكومةُ مسؤولةٌ عن عدمِ تأمينِ التمويلِ؟ هل بلديّةُ صَيْدا قصّرت في الإشراف؟ هل كان يجب على الجهاتِ الدوليّةِ الضغطُ أكثر؟ الإجابةُ معقّدةٌ، لكنّ الواضحَ أنّ جميعَ الأطرافِ تتحمّل جزءًا من المسؤوليّة، وأنَّ الأزمةَ الاقتصاديّةَ، رغم حدّتِها، لا تُبرِّر التأخيرَ بالكامل. ويجبُ أن يكون هذا التأخيرُ درسًا للحكومةِ والبلديّاتِ حولَ أهميّةِ الاستثمارِ في الثقافةِ والتراث، فالثقافةُ ليست رفاهيّةً، بل عنصرًا أساسيًّا لبناءِ الهُويّةِ وجذبِ الاستثمارِ والسياحة. وعلى الرغمِ من التأخيرات، يبقى الأملُ قائمًا في أن يرى المتحفُ النورَ قريبًا؛ فاستئنافُ العملِ، ولو جزئيًّا، خطوةٌ إيجابيّةٌ على الطريقِ الصحيح. وصَيْدا، التي تمتدُّ أسطورتُها عبرَ آلافِ السنين، تستحقُّ متحفًا يروي قصّتَها بفخرٍ وعظمة، ويُضيفُ لَمعةً جديدةً إلى خريطةِ المتاحفِ العالميّة.