لا يمكن لأيّ مُراقبٍ مُنصِفٍ أن يتجاهل الحضورَ الدينيَّ النابضَ في قلب مدينة صيدا. فالشواهدُ تتجلّى في كلِّ زاويةٍ، من حلقاتِ الذِّكر التي تَعمُرُ بها المساجدُ، إلى المهرجاناتِ القرآنيّة وتخريجِ أفواجِ حَفَظةِ كتابِ الله، وصولاً إلى مشهدِ صلاةِ الفجرِ التي تَكتظُّ بها بعضُ مساجدِ المدينةِ حتى أصبحتْ علامةً فارقةً لها. ولا يَغيبُ عن الذاكرةِ وهجُ “الحركةِ الأسيريّة” التي حوّلتْ منطقةَ “عبرا” إلى منارةٍ دعويّةٍ نشطة، قبل أن تنطفئ في أتونِ صراعٍ مأساويٍّ دفع ثمنَه شبابُ أهلِ السُّنّة، بعد اصطدامها بقوى من داخلِ البيتِ السُّنّي وخارجه، أبرزُها حزبُ الله وحركةُ أمل. سؤال الهُويّة الأكبر رغم كلِّ هذه المظاهر، يظلُّ السؤالُ الجوهريُّ قائمًا: هل صيدا مدينةٌ “إسلاميّة” بالمعنى الهُويّاتيّ الشامل؟ وهل نجح الإسلاميون في صبغِها بهذه الصبغة؟الجوابُ، بكلِّ وضوحٍ، هو: لا. صيدا ليست مدينةً إسلاميّة بالتعريفِ الصِّرف للهُويّة. هي مدينةٌ محافظةٌ يَغلُب عليها الطابعُ الدينيُّ السُّنّي، وهو ما يظهرُ جليًّا في الاحتفالاتِ وزينةِ الشوارع، التي لا يَكسِرُها إلا مناسباتٌ استثنائيّة كرأسِ السنة. لكنّ هذا الطابعَ المحافظ لم يُترجَم إلى هُويّةٍ إسلاميّةٍ راسخة. فلماذا هذا الإخفاق؟ يمكنُ إيجازُ الأسبابِ في ثلاثةِ محاورَ رئيسيّة: ضعفُ وغيابُ للرؤية يكمنُ الضعفُ الأبرزُ في غيابِ رؤيةٍ استراتيجيّةٍ موحّدة. فالتحرّكاتُ غالبًا ما تكونُ ردودَ فعلٍ متناثرةً تفتقرُ إلى الحكمةِ والجاذبيّة؛ فهُنا تُغلَقُ شوارعُ اعتراضًا على حفلٍ تحت شعار “صيدا لن ترقص”، وهناك تُستخدَمُ قضايا كبرى مثل غزّة كمتراسٍ دفاعيٍّ بدلًا من أن تكون منطلقًا للعملِ البنّاء. لو امتلك الإسلاميون قوّةَ التأثير الدعويّ، المبنيّ على بصيرةٍ ومحبّةٍ، لأصبحتْ مهرجاناتُ الآخرين مجرّدَ أصداءٍ باهتة. التجربةُ الشخصيّةُ تُثبت أنّ الجمهورَ مُتعطّشٌ للبديلِ الهادف؛ فقد تجاوز الحضورُ في مهرجانٍ رياضيٍّ وإنشاديٍّ أُقيمَ في قلبِ صيدا 2500 شخص، معظمُهم لم يكونوا من الملتزمين بالضرورة. هذا يُثبت أنّ الساحةَ خصبةٌ، لكنّها تحتاجُ إلى زارعٍ ماهر. إنّ ضعفَ التأثيرِ يترجمُ نفسَه بوضوحٍ في صناديقِ الاقتراع، حيث لا يتجاوزُ رصيدُ الإسلاميين في الانتخاباتِ النيابيّة والبلديّة 3500 صوت، وهو رقمٌ ضئيلٌ لا يَعكسُ حجمَهم الحقيقيَّ المُفترَض، ويَكشِفُ عن عجزٍ في تحويلِ التعاطفِ إلى قوّةٍ سياسيّةٍ فاعلة. يترجم ضعفَ التأثيرِ نفسَه بوضوحٍ في صناديقِ الاقتراع، حيث لا يتجاوزُ رصيدُ الإسلاميين في الانتخاباتِ النيابيّة والبلديّة 3500 صوت، رقمٌ ضئيلٌ لا يَعكسُ حجمَهم الحقيقيَّ المُفترَض هيمنة العلمانية المشهدُ السياسيُّ السُّنّي في صيدا يخضعُ، للمفارقة، إلى هيمنةِ تيّاراتٍ علمانيّةٍ بعيدةٍ كلَّ البعد عن الالتزامِ الدينيّ. فالمقعدان النيابيّان المخصّصان للطائفةِ تُسيطرُ عليهما أحزابٌ تتراوحُ بين العلمانيّة الليبراليّة، واليساريّة، والبعثيّة. في أفضلِ الأحوال، قد نجدُ سياسيًّا يُصلّي ويصوم، ولكنّه يتبعُ نهجًا انتقائيًّا يَغلُب عليه الطابعُ الشكليّ، حيث يُنظرُ إلى الدعوةِ للعودةِ إلى الكتابِ والسُّنّة على أنّها “رجعيّة”. هذا التباينُ العميقُ ألقى بظلالِه على الحركاتِ الإسلاميّة نفسها، التي انقسمتْ وتشرذمتْ في خياراتِها السياسيّة، كما ظهرَ جليًّا في الانتخاباتِ البلديّة الأخيرة، ممّا أكّد أنّ النماذجَ الملتزمة ليستْ هي القاطرةَ التي تقودُ المشهد. فراغُ المرجعيّة وتوظيفُ الدين تُعاني صيدا من غيابِ مرجعيّةٍ دينيّةٍ حقيقيّةٍ ومستقلّة. فغالبيةُ المشايخِ موظّفون ضمن “دار الفتوى”، وهي مؤسّسةٌ رسميّة تتبعُ دولةً لا ينصُّ دستورُها على هُويّتِها الإسلاميّة، بل يَعترفُ ويُقنّن مؤسّساتٍ تتناقضُ مع أبسطِ مبادئِ الدين. يُضافُ إلى ذلك، أنّ بعضَ حاملي الرسالةِ الدينيّة يفتقرون إلى العمقِ العلميّ والتأهيلِ الكافي، ممّا يُضعفُ من قدرتِهم على التأثيرِ والإقناع. وفي ظلّ غيابِ المرجعيّاتِ الراسخة التي كانت تُمثّلُها الأجيالُ السابقة، ظهرتْ “أشباهُ مرجعيّات” باتتْ تدورُ في فلكِ رجالِ المالِ والسياسة، وتُصدِرُ فتاوى تُرضي أهواءَهم طمعًا في مكاسبَ دنيويّة، ممّا أفرغَ الخطابَ الدينيَّ من مصداقيّتِه. المواجهةُ تبدأ من الذات قبل أن تُوجّهوا اللومَ إلى الناشطِ العَلمانيّ، أو المناضلِ اليساريّ، أو المستثمرِ في الفنِّ الهابط، أو حتى “المُستشيخ” الذي يطرقُ أبوابَ السلطة، عليكم أن تتوقّفوا وتلوموا أنفسَكم. فالعِلّةُ تكمُنُ في تقصيرِكم عن ترتيبِ البيتِ الداخليّ، وفي استغلالِ الدينِ لمصالحَ شخصيّةٍ ضيّقة. الطريقُ نحو التغيير طويلٌ وشاقّ، ولا يمكن أن يبدأ إلا بخطوتين متلازمتين: الإيمانُ والعمل. الإيمانُ يتجذّرُ بالوعيِ العقائديّ الصحيح، والعملُ يتجسّدُ في تقديمِ نماذجَ قياديّةٍ مُلهِمة وتطبيقٍ عمليٍّ على أرضِ الواقع. لن تتغيّرَ صيدا بين ليلةٍ وضحاها، بل بالصبرِ والعملِ الدؤوبِ وتقوى الله. حينها فقط، قد ترتدي المدينةُ "تاجَ الوقار" الذي تتمنّونه، وتتشكلُ الهُويّةُ التي تسعونَ إليها.
على عكس المتوقع، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، وبعد وصول أحمد الشرع إلى جوار قاسيون، خرج السُنّة في لبنان أضعفَ وأكثرَ تشرذمًا ممّا قبل. أسباب عديدة رسمت أجزاء هذه الفسيفساء الحزينة.
بعد سنوات من الركود والأزمات المتلاحقة، يشهد القطاع العقاري في لبنان حراكاً لافتاً في عام 2024، لكنه حراك انتقائي ومعقد يرسم ملامح سوق منقسم على نفسه. ففيما تسجل الدوائر العقارية قفزة هائلة في عدد المعاملات، مدفوعة بعودة انتظام عملها، تبقى الأسعار في معظم المناطق أدنى من مستوياتها قبل الأزمة الأخيرة، في حين تحولت عقود الإيجارات إلى “القصة الكبرى” التي تؤرق المستأجرين وتنعش جيوب المالكين تكشف الأرقام الرسمية عن مشهد متناقض. فقد قفز عدد المعاملات العقارية بنسبة 118% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023. وبلغت القيمة الإجمالية لهذه المعاملات حوالي 3.7 مليارات دولار حتى ديسمبر 2024، مع تركز واضح في العاصمة بيروت وقضاء بعبدا. لكن هذا الانتعاش في حجم التداول لا يترجم بالضرورة إلى ارتفاع عام في الأسعار. انتعاش رقمي لا يعكس الواقع بحسب خبراء السوق، لا تزال الأسعار المقومة بالدولار الأمريكي أقل بنحو 20% في المناطق الحيوية والمدينية الممتازة، بينما يصل الهبوط إلى 35% في مناطق الأطراف، وذلك مقارنة بأسعار ما قبل خريف 2019. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الغياب شبه التام للتمويل المصرفي، مما دفع المطورين العقاريين إلى التركيز على بناء وحدات سكنية أصغر حجماً تستهدف المشترين الذين يملكون السيولة النقدية (الكاش). الخلاصة بالأرقام تشير إلى سوق “انتقائي” بامتياز، حيث يتركز الصعود السعري في “جيوب” محددة، لا سيما في أحياء بيروت الراقية، بينما لا تزال مناطق واسعة من البلاد تعاني من ركود الأسعار. “الدولرة” والنزوح يغيران قواعد اللعبة في المقابل، يشهد سوق الإيجارات قصة مختلفة تماماً. فقد أدت “الدولرة” شبه الكاملة لعقود الإيجار، سواء السكنية أو التجارية، إلى قفزات هائلة في بدلات الإيجار، التي باتت تحتسب بالدولار النقدي أو ما يعادله بالليرة اللبنانية على سعر السوق الموازية. وقد وصلت الزيادات في بعض الحالات، خاصة في الشقق المفروشة، إلى أضعاف ما كانت عليه في السابق. ويغذي هذا الارتفاع الجنوني طلب قوي على الإيجار في المناطق التي توصف بـ”الأكثر أماناً”، نتيجة موجات النزوح الداخلي من مناطق التوتر في جنوب لبنان. وقد وثقت تقارير إنسانية وصحافية حالة من الازدحام وارتفاع الأسعار في المناطق التي تستقبل النازحين، مثل الشريط الممتد من بعبدا إلى كسروان، وكذلك في مدينة صيدا ومحيطها. في تطور لافت سيؤثر على آلاف التجار والمؤسسات، ثبّت المجلس الدستوري في يونيو 2025 قانون الإيجارات غير السكنية الجديد، الذي يمهد لتحرير تدريجي لعقود الإيجار القديمة (ما قبل عام 1992) خلال فترة انتقالية تصل إلى أربع سنوات، مما سيغير بشكل جذري اقتصاديات العديد من المحال التجارية والمكاتب في البلاد. خارطة طريق للاستثمار في ظل هذا المشهد المعقد، تتغير استراتيجيات الاستثمار بحسب طبيعة المستثمر وأهدافه: قراءة جغرافية: بيروت أولاً بيروت المركزية (وسط المدينة، الأشرفية، رأس بيروت): الطلب نشط على الشقق الجاهزة عالية الجودة، مع حسومات أقل مقارنة بسنوات الأزمة الأولى. بعبدا–المتن–كسروان: طفرة إيجارات للمدد القصيرة والمتوسطة، مدفوعة بالنزوح نحو مناطق أكثر هدوءًا. الجنوب وصيدا: الضغط يتركز في الإيجارات أكثر من البيع، حيث يُسجّل طلب كبير على الشقق المفروشة والجاهزة في المناطق البعيدة عن خطوط التماس. البيع يبقى انتقائيًا ويتأثر مباشرة بالوضع الأمني. بحسب الفئة المطورون والمقاولون: استراتيجيات “البناء للاستئجار” تبدو الأنسب، مع وحدات صغيرة–متوسطة تحقق عوائد إيجارية صافية تتراوح بين 7–9%. التجّار وأصحاب المحال: القانون الجديد لغير السكني فرصة لإعادة هيكلة العقود، شرط مراعاة قدرة المستأجرين لتفادي الشغور. صيدا تحديدًا تُعد أرضية خصبة لمشاريع نقدية سريعة كالمكاتب والعيادات. المستثمر الفردي: خياراته تتنوع بين الشراء في “جيوب بيروت الممتازة” للحفاظ على رأس المال، أو اقتناء شقق مفروشة للإيجار بهدف تحقيق دخل جارٍ، أو الاستثمار طويل الأمد في أراضٍ قريبة من مراكز الخدمات، شرط الحصول على خصومات تغطي المخاطر الأمنية. سوق بوجهين يمكن القول إن السوق العقاري في لبنان يشهد ارتفاعاً، لكنه ارتفاع “انتقائي” ومتباين. فبينما تستعيد بعض المناطق الراقية عافيتها تدريجياً، لا تزال مناطق أخرى تكافح للخروج من عنق الزجاجة. ويبقى سوق الإيجارات هو الرابح الأكبر في المعادلة الحالية، مدفوعاً بالدولرة والنزوح، مما يرسم ملامح جديدة لسوق عقاري معقد ومتغير، يتطلب من المستثمرين والمطورين والمواطنين على حد سواء قراءة دقيقة للواقع والتسلح بالمرونة والحذر.