لم يعد السؤال المطروح اليوم: مَن يمتلك أقوى نموذج للذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: مَن يستطيع السيطرة عليه عندما يتخذ قراراته بنفسه؟ التحقيقات الأخيرة التي كشفت أن وكيل ذكاء اصطناعي تجريبيًّا تابعًا لشركة «أوبن إيه آي» تمكّن من تجاوز بيئة الاختبار، واستغلال ثغرات للوصول إلى حسابات على أكثر من منصة تقنية، ليست مجرد حادثة أمن سيبراني عابرة، بل إنذار مبكر بدخول العالم مرحلة جديدة من الصراع التكنولوجي، حيث تتحول النماذج الذكية من أدوات تنفيذ إلى فاعلين رقميين قادرين على البحث والتخطيط والتنقل بين الأنظمة. ضبابية المشهد ورغم تأكيد شركة «مودال لابز» أن بنيتها التحتية لم تُخترق، وأن الوكيل استغل شفرة غير مؤمّنة كتبها أحد العملاء داخل بيئة اختبار معزولة، فإن جوهر القضية لا يتعلق بمنصة بعينها، بل بطبيعة الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي. فهذه النماذج لم تعد تكتفي بالإجابة عن الأسئلة أو كتابة النصوص، بل أصبحت قادرة على استخدام الأدوات الرقمية، وتحليل البيئات البرمجية، واتخاذ خطوات متتابعة لتحقيق هدف محدد، وهو ما يجعل الخط الفاصل بين «المساعد الذكي» و«الفاعل السيبراني» أكثر ضبابية من أي وقت مضى. ما جرى يعيد إلى الأذهان بدايات الثورة النووية. يومها كان التحدي إنتاج السلاح، أما لاحقًا فأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو كيفية ضبطه ومنع انتشاره. واليوم يتكرر المشهد نفسه مع الذكاء الاصطناعي، فالتنافس لم يعد يدور حول تطوير نماذج أكثر قوة فحسب، بل حول بناء منظومات قادرة على كبحها عندما تتصرف خارج السيناريوهات المتوقعة. وهنا تبرز أبعاد سياسية تتجاوز الشركات الخاصة. فالولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي، وليس مجرد قطاع اقتصادي واعد. ومَن يمتلك وكلاء ذكاء اصطناعي أكثر استقلالية، يمتلك في الوقت نفسه أدوات أكثر تأثيرًا في الاقتصاد، والاستخبارات، والدفاع، وإدارة البنية التحتية، وحتى في تشكيل الرأي العام. skip render: ucaddon_material_block_quote غير أن هذه القوة تحمل مفارقة خطيرة. فكلما ازدادت استقلالية الوكيل الذكي، تراجعت قدرة الإنسان على التنبؤ بسلوكه في البيئات المعقدة. وما حدث أخيرًا يؤكد أن الثغرة لم تكن في النموذج وحده، بل في البيئة المحيطة به، حيث يكفي خطأ برمجي بسيط ليفتح أمام الوكيل مسارات لم تكن ضمن التصميم الأصلي. ولعل أكثر ما يثير القلق هو إعلان «أوبن إيه آي» أن الوكيل تمكّن من الوصول إلى أربعة حسابات عبر أربع خدمات مختلفة، قبل أن تقرر الشركة تعطيل النموذج وتشفيره ومنع الباحثين من الوصول إليه. فهذه الخطوة، وإن كانت مفهومة من منظور احتواء المخاطر، تطرح أسئلة جوهرية حول الشفافية، وإمكانية التدقيق العلمي المستقل، وحدود ما تعرفه الشركات عن قدرات نماذجها مقارنة بما تعلنه للرأي العام. الحلقة الهشّة وتكشف الحادثة أيضًا عن نقطة ضعف غالبًا ما يتم تجاهلها في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، وهي أن الحلقة الأكثر هشاشة ليست النموذج نفسه، وإنما المطورون والمستخدمون الذين يدمجون هذه النماذج داخل تطبيقاتهم من دون معايير أمنية صارمة. ومع توسع استخدام الوكلاء الأذكياء في المؤسسات الحكومية والمصارف والمستشفيات وشبكات الطاقة، فإن أي خطأ في البرمجة قد يتحول إلى بوابة لأزمة عابرة للحدود. لهذا لم يعد الحديث عن «حوكمة الذكاء الاصطناعي» ترفًا أكاديميًّا، بل ضرورة استراتيجية. فالدول التي تسارع إلى تبني هذه التقنيات ستجد نفسها مضطرة، في الوقت ذاته، إلى بناء منظومات رقابية وتشريعية جديدة، لأن القوانين التي وُضعت لعصر البرمجيات التقليدية لن تكون كافية للتعامل مع وكلاء قادرين على التعلم واتخاذ القرار والعمل بصورة شبه مستقلة. ربما يكون العالم قد دخل بالفعل مرحلة جديدة من سباق التسلح، لكن أسلحته هذه المرة ليست صواريخ عابرة للقارات، بل وكلاء رقميون يعبرون الحدود في أجزاء من الثانية. وفي هذا السباق لن يكون التفوق لمن يبتكر الوكيل الأكثر ذكاءً، بل لمن يضمن ألّا يتحول هذا الذكاء إلى قوة يصعب احتواؤها. التاريخ يحذّرنا: أخطر الاختراعات هي تلك التي تصبح أقوى من قدرة صانعيها على التحكم بها skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يَعُدِ السؤال في لبنان: كيف ستُعاد الودائع؟ بل كيف سيُشرعَن اقتطاعها؟ فالخطة المسرَّبة المنسوبة إلى مصرف لبنان، والتي جرى تداولها بين المصارف، لا تبدو مشروعًا لإعادة الثقة بالقطاع المالي، بقدر ما تبدو محاولة لإضفاء الشرعية القانونية على أكبر عملية نقل للخسائر من الدولة والمصارف إلى المودعين. إذا صحَّت البنود المتداولة، فإنها تعني، ببساطة، شطب نحو 21 مليار دولار من الودائع، وتقسيط أول مئة ألف دولار على سبع سنوات، فيما تتحول الأموال التي تزيد على ذلك إلى سندات تمتد آجالها بين عشرين وثلاثين عامًا. أي إن صاحب الوديعة لن يسترد أمواله، بل سيحصل على وعد طويل الأجل، قد لا يعيش هو نفسه حتى يرى نهايته. الانهيار مرّتان المفارقة أن الدولة التي أخفقت في حماية النظام المصرفي، والمصارف التي راكمت الأرباح لعقود من الهندسات المالية والفوائد الخيالية، لا تتحملان العبء الأكبر في الخطة، بل يُطلب من المودع أن يدفع ثمن الانهيار مرتين: مرة عندما حُجزت أمواله، ومرة عندما يُطلب منه اليوم القبول بإطفاء جزء منها، وتحويل الجزء الآخر إلى أوراق مالية طويلة الأجل. هذا ليس برنامجًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بل إعادة هيكلة لحقوق الملكية نفسها. فالوديعة، التي يُفترض أنها دَين مستحق وفوري على المصرف، تتحول إلى استثمار قسري طويل الأمد، من دون أن يكون للمودع حق الاختيار. إنها مصادرة مقنَّعة بلغة مالية وقانونية. الأخطر أن هذه المقاربة تهدد ما تبقى من ثقة بلبنان، دولةً واقتصادًا. فمن سيودع دولارًا واحدًا في أي مصرف لبناني، إذا كانت السابقة القانونية ستقول إن الوديعة يمكن أن تتحول، بقرار إداري، إلى سند يمتد ثلاثين عامًا؟ إن القطاع المصرفي لا يقوم على الأبنية الفخمة، ولا على رساميل المساهمين وحدها، بل على الثقة، والثقة لا تُستعاد بفرض الخسائر على الضحية. skip render: ucaddon_material_block_quote العدالة الانتقائية اقتصاديًا، قد يجادل البعض بأن توزيع الخسائر أمر لا مفر منه، وأن حجم الفجوة المالية يجعل من المستحيل إعادة كل الودائع نقدًا. هذا صحيح جزئيًا، لكنه لا يبرر أن تكون العدالة انتقائية. فالمبدأ العالمي في الأزمات المالية هو تحميل الخسائر وفق تسلسل واضح يبدأ بالمساهمين، ثم أصحاب الرساميل، ثم الجهات التي استفادت من المخاطر، لا أن يبدأ بالمودع الذي لم يكن شريكًا في القرار المالي، ولا في السياسات النقدية التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. أما سياسيًا، فإن الخطة تعكس استمرار النهج نفسه الذي حكم لبنان منذ عام 2019: شراء الوقت بدلًا من معالجة الأسباب. فلا إصلاحات جذرية، ولا محاسبة للمسؤولين عن الانهيار، ولا رؤية اقتصادية تعيد تكوين الثروة، بل مجرد إعادة توزيع للخسائر تحت مسميات تقنية. والأكثر إثارة للقلق أن تحويل الودائع إلى سندات طويلة الأجل يربط مصير أموال اللبنانيين بمستقبل دولة تعاني أصلًا من مديونية مرتفعة، وعجز مالي مزمن، وأزمات سياسية متكررة. أي إن المودع لن يتحمل مخاطر المصرف فحسب، بل أيضًا مخاطر الدولة لعقود مقبلة. قد ينجح هذا الطرح في تخفيف الضغط الآني عن المصارف، لكنه لن يعيد الثقة، ولن يجذب استثمارات، ولن يعيد لبنان إلى الخريطة المالية. فالاقتصادات لا تنهض بإعادة تعريف حقوق المودعين، بل بإعادة تعريف مسؤولية الدولة، ومحاسبة مَن تسبب بالانهيار. من سيضع دولارًا في مصرف يعرف أن وديعته قد تتحول بقرار إلى وعد يمتد ثلاثين عامًا skip render: ucaddon_box_testimonial
في أزمنة «التحوّلات الكبرى»، لا تُقاس قوّة الدول بحجم جيوشها أو بما تمتلكه من أدوات النفوذ، بل بقدرتها على إدارة ضعفها بحكمة، وقراءة موازين القوى بواقعية، وتحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوّة بدلًا من أن يكون مصدرًا للخطر. لعلّ هذا هو السؤال الذي يواجه لبنان اليوم أكثر من أيّ وقت مضى: كيف يبقى الوطن وطنًا، في زمن يريد فيه الآخرون أن يكون مجرّد ساحة ضمن خرائطهم وصراعاتهم؟ هنا تحديدًا تبرز فلسفة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا بوصفها تجربة سياسية مرتبطة بمرحلة معيّنة، بل رؤية متكاملة لبقاء لبنان. فقد كان يرى أنّ لبنان، رغم صغر مساحته، يستطيع أن يكون كبيرًا في علاقاته، منفتحًا على العرب والعالم من دون أن يتحوّل إلى تابع، ومتواصلًا مع الجميع من دون أن يصبح جزءًا من محاور الآخرين. لم تكن هذه مجرّد براعة دبلوماسية، بل فلسفة وطنية عنوانها: حماية لبنان عبر تعزيز الدولة، وتوسيع شبكة علاقاته، والحفاظ على استقلال قراره. الاستقلال الذكي من هذه الرؤية تنطلق فكرة أساسية: فلبنان لا يستطيع أن يعيش منعزلًا عن محيطه والعالم، كما لا يستطيع أن يعيش تابعًا لأيّ قوّة خارجية. وبين العزلة والتبعية توجد مساحة أوسع وأكثر نضجًا، هي مساحة الاستقلال الذكي. فالاستقلال الحقيقي لا يعني قطع العلاقات، كما أنّ الانفتاح لا يعني الارتهان. والسياسة الحكيمة هي التي تجعل العلاقات الخارجية امتدادًا للمصلحة الوطنية، لا انعكاسًا للانقسامات الداخلية. في الدول الصغيرة، لا تُقاس الحكمة بالقدرة على مواجهة الجميع، بل بالقدرة على جعل استقرارها مصلحةً للجميع. ومن هنا يصبح السؤال الصحيح ليس: مَن معنا؟ بل: كيف نجعل العالم كلّه معنيًّا باستقرار لبنان؟ فالصديق الحقيقي هو مَن يساعد لبنان على أن يكون دولةً قويةً بمؤسساتها، لا ساحةً مفتوحةً لصراعات الآخرين. والشريك الحقيقي هو مَن يوسّع هامش القرار الوطني، لا مَن يضيّقه. skip render: ucaddon_material_block_quote منطق الدولة لا الغلبة غير أنّ نجاح أيّ سياسة خارجية يبدأ من الداخل. فلا يمكن للبنان أن يطالب العالم باحترام سيادته إذا كان عاجزًا عن إنتاج شراكة وطنية تحمي هذه السيادة. ولهذا، لم يكن رفيق الحريري يرى النجاة في انتصار فريق على آخر، بل في انتصار الدولة على منطق الغلبة، وانتصار الشراكة على الانقسام. فالتعدّد اللبناني، في نظره، ليس عبئًا ينبغي التخلّص منه، بل مصدر غنى يمكن تحويله إلى عنصر توازن إذا أُدير ضمن دولة عادلة ومؤسسات قوية. ومن هنا تصبح الوحدة الوطنية أكثر من قيمة أخلاقية؛ إنّها إحدى أدوات السيادة نفسها. ويغدو الحوار وسيلةً لحماية الوطن، لا علامة ضعف، ويصبح الاعتدال خيارًا استراتيجيًّا، لا مجرّد موقف سياسي، ويغدو التواصل بين المكوّنات الوطنية استثمارًا في الاستقرار، لا تنازلًا لأيّ طرف. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: إلى أيّ محور ينتمي لبنان؟ بل: كيف نجعل لبنان نقطة التقاء للمصالح، بدلًا من أن يبقى ساحةً لتصادمها؟ وهنا يكمن الفارق الجوهري بين لبنان الدولة ولبنان الساحة. الوطن أولًا عندما تترسّخ هذه الفكرة، يصبح واضحًا أنّ الأحزاب تتغيّر، والتحالفات تتبدّل، والمصالح الإقليمية تتغيّر باستمرار، وقد يتحوّل الصديق إلى خصم، والخصم إلى شريك. أمّا الوطن، فإذا خسرناه، فلن يبقى هناك ما يستحقّ أن نختلف عليه أصلًا. ولهذا، لا بدّ من أن تبقى هناك مساحة وطنية مشتركة تتقدّم على كلّ الاصطفافات، نستطيع أن نقول فيها: قد نختلف في السياسة، لكنّنا لا نختلف على لبنان. هذه ليست عبارة عاطفية، بل قاعدة من قواعد البقاء. ففي زمن العواصف، قد لا يستطيع لبنان أن يغيّر اتجاه الرياح، لكنّه يستطيع أن يُحسن توجيه أشرعته، وأن يعرف كيف يحمي نفسه وسط الأمواج المتلاطمة. لبنان لا يُبنى بالغلبة، ولا يُحمى بالعزلة، ولا ينجو بالتبعية العلاقات جسور لا خنادق من هذا المنطلق أيضًا، لم يكن رفيق الحريري ينظر إلى العلاقات الخارجية باعتبارها اصطفافًا دائمًا، بل شبكة مصالح متبادلة. فقد كان يدرك أنّ لبنان لا يستطيع فرض إرادته على العالم، لكنّه يستطيع أن يجعل العالم يرى في استقراره منفعةً مشتركة. وهنا تتجلّى إحدى أهمّ قواعد السياسة للدول الصغيرة: ابنِ علاقاتك بحيث يحتاج الآخرون إلى نجاحك، لا بحيث تحتاج أنت إلى رضاهم. فعندما تصبح مصلحة الآخرين مرتبطة باستقرار لبنان، تتحوّل العلاقة إلى شراكة متوازنة، لا إلى تبعية. ويصبح الانفتاح مصدرًا لتعزيز السيادة، لا بابًا لانتقاصها. هذه هي المعادلة التي تحتاجها الدول الصغيرة دائمًا: ثبات في المبادئ، ومرونة في الوسائل، وتقديم المصلحة الوطنية على أيّ اعتبار آخر. فلسفة النجاة في نهاية المطاف، لا تكون البطولة الوطنية في خوض كلّ المعارك، بل في امتلاك الحكمة التي تميّز بين معركة تستحقّ أن تُخاض، وأخرى يجب منعها قبل أن تبدأ. وربّما كان أعمق ما يمكن استعادته اليوم من فلسفة رفيق الحريري هو هذا الإدراك العميق بأنّ لبنان لا يُبنى بالغلبة، ولا يُحمى بالعزلة، ولا ينجو بالتبعية. بل ينجو عندما يدرك جميع أبنائه حقيقةً بسيطةً وعميقةً في آن واحد: لسنا نحن لبنان كلّه، ولا يملك أحد لبنان وحده؛ نحن جميعًا جزء من لبنان، ولبنان أكبر من الجميع. عندها يصبح الحوار مصدر قوّة، والاعتدال استراتيجية وطنية، والانفتاح استثمارًا سياسيًّا، والعلاقات الخارجية أداةً لتعزيز السيادة، لا وسيلةً للارتهان. فالمسألة ليست أن نعرف مَن سينتصر في صراعات العالم، بل أن نعرف كيف يبقى لبنان بعد أن تنتهي تلك الصراعات. skip render: ucaddon_box_testimonial