في أوقات السِّلم، يستطيع السياسيُّ أن يُخفيَ ضعفَ الرؤية خلف وفرة الخيارات، أمّا في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، فإنّ الواقع يتجرّد من زخارفه، وتصبح القدرة على رؤية الحقيقة أهمّ من القدرة على امتلاك القوّة نفسها. يعلّمنا التاريخ أنّ دولًا كثيرة لم تُهزم بسبب نقص الموارد أو السلاح، بل بسبب سوء تقدير الواقع، والوقوع في أسر الأوهام الذهنية والعاطفية التي تحجب الرؤية عن صنّاع القرار. إنّ السؤال الجوهري الذي يواجه السياسي في أجواء الحروب، كما نعيشها اليوم في الشرق الأوسط، ليس: «ماذا نريد؟»، بل: «ماذا يحدث فعلًا؟». فالفرق بين الإرادة والواقع هو المسافة التي تُقاس بها الحكمة السياسية. الوهم كعدوّ استراتيجي تشير دراسات علم النفس السياسي إلى أنّ الإنسان، مهما بلغ من الذكاء والخبرة، يميل في الأزمات إلى رؤية ما يرغب في رؤيته، لا ما هو موجود فعلًا. وتُعرف هذه الظاهرة بالتحيّز التأكيدي؛ حيث يبحث القائد عن المعلومات التي تؤيّد قناعاته المسبقة، ويتجاهل ما يناقضها. في الحروب، تتضخّم هذه الظاهرة لأسباب عديدة: ضغط الزمن. الخوف من الخسارة. تأثير الجماهير والإعلام. الإحاطة بمستشارين متشابهين في التفكير. النزعة الطبيعية إلى التفاؤل المفرط أو التشاؤم المفرط. وهنا تتحوّل السياسة من قراءة للواقع إلى إعادة إنتاج للرغبات. وعندما يحدث ذلك، يصبح القرار السياسي أسيرًا لصور ذهنية، لا لعناصر القوّة الحقيقية. skip render: ucaddon_material_block_quote التفكير الاحتمالي بدل التفكير اليقيني لا يفكّر السياسي الناضج بمنطق اليقين المطلق، بل بمنطق الاحتمالات. في العلوم الحديثة، وخاصة في دراسات القرار والاستراتيجية، يُنظر إلى المستقبل بوصفه مجموعة من السيناريوهات المحتملة، لا مسارًا واحدًا مؤكّدًا. ولذلك، فإنّ أخطر ما يمكن أن يقع فيه القائد أثناء الحرب هو الاعتقاد بأنّه يعرف المستقبل. إنّ الرؤية الاستراتيجية السليمة تقوم على طرح أسئلة متعددة: ماذا لو نجح الخصم؟ ماذا لو طال أمد الحرب؟ ماذا لو تغيّر موقف الحلفاء؟ ماذا لو كانت تقديراتنا الاستخباراتية ناقصة؟ كلّ سؤال من هذه الأسئلة يفتح نافذة جديدة على الواقع، ويمنع الانغلاق داخل سيناريو واحد قد يكون وهميًا. الحدث والاتجاه غالبًا ما ينخدع السياسي بالأحداث اليومية الصاخبة. انتصار تكتيكي صغير قد يبدو وكأنّه تحوّل تاريخي، وخسارة محدودة قد تُفسَّر باعتبارها انهيارًا شاملًا. لكنّ علم الاستراتيجية يعلّمنا أنّ الأهم من الحدث هو الاتجاه. فالحدث يشبه موجة على سطح البحر، أمّا الاتجاه فهو حركة البحر نفسه. السياسي البصير لا يسأل فقط: ماذا حدث اليوم؟ بل يسأل: كيف تتغيّر موازين القوّة؟ ما الاتجاه الاقتصادي طويل المدى؟ كيف تتحوّل البنية الديموغرافية؟ ما أثر الحرب على شرعية الأطراف المختلفة بعد سنوات؟ تمنع قراءة الاتجاهات العميقة الوقوع في فخ الانفعالات اليومية التي كثيرًا ما تصنع قرارات كارثية. السياسي في زمن العاصفة: كيف يميّز بين الحدث والاتجاه؟ المسافة العقلية عن الميدان كلّما اقترب الإنسان من ساحة الصراع، ازدادت احتمالات فقدانه للرؤية الشاملة. ولهذا، يؤكّد علماء القرار ضرورة ما يُسمّى «المسافة الإدراكية»، أي القدرة على النظر إلى الأزمة من خارجها ولو للحظات. لا يكتفي السياسي الحكيم بتقارير غرف العمليات، بل يسعى إلى رؤية الصورة من زوايا متعددة: زاوية الخصم. زاوية الحليف. زاوية المجتمع الدولي. زاوية التاريخ. إنّ القدرة على تخيّل كيف يرى الآخرون الموقف ليست تعاطفًا معهم، بل ضرورة لفهم الواقع كما هو. قراءة مآلات القوّة لا مظاهرها في الشرق الأوسط، كثيرًا ما يجري الخلط بين امتلاك القوّة والقدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية. قد تنتصر الجيوش في الميدان وتخسر الدول في السياسة. وقد تحقّق الأطراف مكاسب آنية، لكنها تزرع أسباب خسائر مستقبلية أكبر. لهذا، فإنّ السياسي العميق لا يقيس النجاح بعدد الضربات أو التصريحات أو المكاسب الإعلامية، بل يسأل: هل تتعزّز الشرعية أم تتآكل؟ هل يزداد الاستقرار أم يتراجع؟ هل تتوسّع خياراتنا أم تضيق؟ هل تقترب التسوية أم تبتعد؟ إنّ معيار النجاح الحقيقي هو شكل النظام السياسي والإقليمي بعد انتهاء الصراع، لا صورة الصراع أثناء اشتعاله. التواضع المعرفي كشرط للحكمة من أهمّ ما توصّلت إليه الدراسات الحديثة في القيادة أنّ القادة الأكثر نجاحًا ليسوا أولئك الذين يدّعون المعرفة الكاملة، بل الذين يدركون حدود معرفتهم. التواضع المعرفي لا يعني التردّد، بل يعني الاعتراف بأنّ المعلومات ناقصة دائمًا، وأنّ الواقع أكثر تعقيدًا من التصوّرات المسبقة. هذا الإدراك يدفع السياسي إلى: مراجعة افتراضاته باستمرار. الاستماع إلى الآراء المخالفة. تحديث تقديراته مع تغيّر الوقائع. تجنّب القرارات المبنية على الغرور أو العناد. فكثير من الهزائم التاريخية بدأت عندما تحوّلت الثقة بالنفس إلى يقين أعمى. في زمن الحروب، تصبح الحقيقة أولى ضحايا الصراع، ويصبح الوهم أكثر إغراءً من الواقع. غير أنّ السياسي الذي يريد رؤية الأمور على حقيقتها لا يبحث عن الأخبار التي تريحه، بل عن الوقائع التي قد تزعجه. ولا يقيس اللحظة بعواطفها، بل بمآلاتها. ولا يخلط بين القوّة والنجاح، ولا بين الضجيج والتحوّل التاريخي. إنّ البصيرة السياسية في أوقات الشدائد ليست موهبة غامضة، بل هي نتاج الانضباط العقلي، والتفكير الاحتمالي، وفهم التاريخ، والقدرة على مقاومة الإغراء الدائم لرؤية العالم كما نتمنّى أن يكون، لا كما هو بالفعل. skip render: ucaddon_box_testimonial
مع ترقّب توقيع الاتفاق المرتقب بين إيران والولايات المتحدة، عاد سؤال التوقيع الإلكتروني من هامش النقاش التقني إلى قلب القانون الدولي والسياسة العالمية. فحين يكون الاتفاق بين دولتين بحجم واشنطن وطهران، وحين تتصل بنوده بملفات كبرى كالعقوبات، والأصول المالية، والممرات البحرية، والقيود النووية، لا يعود التوقيع الإلكتروني مجرد وسيلة حديثة لتبادل المستندات، بل يتحول إلى اختبار قانوني وسيادي كامل: هل تكفي النقرة الرقمية لإنتاج التزام دولي؟ وهل يمكن لتوقيع عن بُعد أن يحمل الوزن نفسه الذي حملته تاريخياً المصافحات الرسمية والأقلام الموضوعة على طاولات التفاوض؟ تزداد أهمية هذا السؤال مع تقارير تحدّثت عن إمكان توقيع الاتفاق إلكترونياً أو عن بُعد، في وقت لا تزال فيه بعض التفاصيل السياسية موضع أخذ ورد بين الطرفين. من هنا، لا تبدو المسألة شكلية. فالتوقيع الإلكتروني في الاتفاقات الدولية لم يعد سؤالاً عن التكنولوجيا وحدها، بل عن الإرادة القانونية، وحجية الإثبات، وصلاحية الموقّع، وسلامة المستند، وقبول الأطراف والدول المعنية بالوسيلة المستخدمة. وإذا كانت التجارة العالمية قد سبقت السياسة في الاعتراف الواسع بالتوقيعات الرقمية، فإن الاتفاقات ذات الطابع السيادي تضعنا أمام معادلة أكثر تعقيداً: العالم يوقّع بسرعة العصر الرقمي، لكن القانون ما زال يسأل عن الضمانات قبل أن يعترف بالالتزام. في زمنٍ لم تعد فيه الحدود الجغرافية عائقاً أمام التجارة، ولا المسافة سبباً لتأخير التعاقد، بات السؤال الحقوقي أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن يوقّع طرفان اتفاقاً دولياً عبر الوسائل الإلكترونية ليصبح ملزماً قانوناً؟ وهل يملك التوقيع الإلكتروني القوة نفسها التي يملكها التوقيع الخطي التقليدي؟ الإجابة المختصرة: نعم، يمكن أن يكون التوقيع الإلكتروني قانونياً وملزماً في الاتفاقات الدولية، لكن بشروط تتعلق بهوية الموقّع، وموثوقية الوسيلة، وقابلية التحقق، وقبول القوانين الوطنية أو الاتفاقية الحاكمة لهذا النوع من التوقيع. skip render: ucaddon_material_block_quote من الورق إلى الدليل الرقمي لم يعد القانون الحديث ينظر إلى الورقة والحبر بوصفهما الشكل الوحيد للإرادة القانونية. فجوهر التوقيع، في الفقه والقانون، ليس الحبر بحد ذاته، بل الدلالة التي يحملها: إثبات هوية الموقّع، والتعبير عن رضاه، وربط الشخص بمضمون المستند. من هنا، جاء تطور التشريعات الدولية ليعترف بأن الإرادة يمكن أن تُعبَّر عنها إلكترونياً متى توافرت الضمانات الكافية. وقد كرّست لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، المعروفة بـ”الأونسيترال” UNCITRAL، هذا الاتجاه من خلال قانونها النموذجي بشأن التوقيعات الإلكترونية لعام 2001، الذي وضع معايير للموثوقية التقنية تسمح بمعادلة التوقيع الإلكتروني بالتوقيع الخطي، متى استوفى الشروط المطلوبة. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية لعام 2005، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 آذار 2013، هدفت إلى إزالة العوائق الشكلية أمام العقود الدولية المبرمة إلكترونياً، والتأكيد أن المراسلات والعقود الإلكترونية يمكن أن تكون صحيحة وقابلة للتنفيذ مثل نظيراتها الورقية. الاتفاقات التجارية والمعاهدات الدولية من المهم التمييز بين الاتفاقات الدولية التجارية أو المدنية، وبين المعاهدات الرسمية بين الدول. في الاتفاقات التجارية العابرة للحدود، مثل عقود البيع، والتوريد، والخدمات، والاستثمار، والاستشارات، والتكنولوجيا، أو الشراكات بين شركات من دول مختلفة، أصبح التوقيع الإلكتروني مقبولاً على نطاق واسع، متى استوفى الشروط القانونية والفنية المطلوبة. أما في المعاهدات الدولية بين الدول، فالأمر أكثر حساسية. فهذه لا تخضع فقط لقواعد التجارة الإلكترونية، بل لقواعد القانون الدولي العام، والإجراءات الدستورية الداخلية، وصلاحيات التوقيع والتصديق والإيداع والنشر. لذلك، قد يُستخدم التوقيع الإلكتروني في بعض المراسلات أو الترتيبات الفنية، لكن المعاهدات السيادية الكبرى غالباً ما تبقى مرتبطة بإجراءات رسمية تقليدية، أو ببروتوكولات خاصة متفق عليها بين الدول. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial مع صدور قرار وزارة التربية والتعليم العالي بإجراء الامتحانات الرسمية، انقسم الشارع اللبناني بين مؤيّدٍ يرى في الخطوة إنقاذًا لما تبقّى من هيبة النظام التعليمي، ومعارضٍ يجد فيها إجحافًا بحق طلابٍ لم يعرفوا طعم الاستقرار طوال عامهم الدراسي. هذا التباين يعكس عمق الشرخ بين الطموح الأكاديمي والواقع المعيشي المأزوم على الأرض. مخاوف وندوب من الناحية العلمية والمنطقية، يرتكز المدافعون عن قرار إجراء الامتحانات على مقاربةٍ بنيوية تحذّر من خطورة البدائل. فالإفادات الرسمية، التي استُخدمت حلولًا مؤقتة في سنواتٍ سابقة، تركت ندوبًا واضحة على سمعة النظام التربوي اللبناني في الخارج. يرى بعض الخبراء الأكاديميين أن الامتحان الموحّد هو الأداة العلمية الوحيدة القادرة على قياس التحصيل المعرفي للطلاب بحدٍّ أدنى من الموضوعية. وفي غيابه، تفقد الشهادة قيمتها التنافسية في الجامعات العربية والدولية، ما يهدّد مستقبل الطلاب الراغبين في إكمال دراستهم في الخارج. كما أن غياب التقييم الموحّد يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، إذ لا يمكن مساواة التقييمات المدرسية الداخلية بين قطاعٍ خاص امتلك كل مقوّمات التعليم الحديث، وقطاعٍ رسمي كافح أساتذته وتلاميذه للبقاء في الصفوف. من هنا، يصبح الامتحان، بنظر الوزارة، ضرورةً وطنية لحماية ما تبقّى من المرفق العام، وإرسال رسالة صمود تؤكد أن بيروت لا تستسلم للأزمات. التعليم ابن البيئة على المقلب الآخر، تتبلور وجهة نظرٍ معارضة لا تقلّ منطقيةً وعلمية، لكنها تنطلق من واقعيةٍ نفسية. فالتعليم لا يحدث في فراغ، والتحصيل العلمي يتأثر مباشرةً بالبيئة المحيطة. يرى التربويون أن فكرة «الامتحان الموحّد» تصبح غير عادلة عندما تُفرض على ظروفٍ «غير موحّدة» بالمرونة الكافية. فطلاب المناطق الحدودية والجنوبية، والبقاع والضاحية، عاشوا عامًا دراسيًا هجينًا ومتقطعًا، تخلّله النزوح القسري، والاعتماد على تعلّمٍ عن بُعد يفتقر إلى البنية التحتية من إنترنت وكهرباء. كيف يمكن، من منظور علم النفس التربوي، مطالبة طالبٍ أمضى ليلته على أصوات الانفجارات وقلق التهجير، بأن ينافس في المسابقة نفسها طالبًا عاش عامًا دراسيًا مستقرًا في مناطق أكثر أمانًا؟ هذا التفاوت الهائل في المادة التعليمية المتلقّاة، وفي الجاهزية النفسية، يجعل من الامتحان بصيغته التقليدية عبئًا ثقيلًا يهدّد مستقبل شريحة واسعة من الشباب، دون ذنبٍ اقترفوه. أمام هذا المشهد المعقّد، يتطلّع المجتمع بأسره إلى وزيرة التربية، ليس من موقع التحدي، بل من موقع المناشدة الوطنية الصادقة. إن المسؤولية الملقاة على عاتق الوزارة اليوم تتجاوز مجرد إصدار قراراتٍ إدارية أو تنظيمية؛ إنها مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتطلّب النظر في أحوال الطلاب بجدية وعمق أكبر، وتلمّس هواجس الأهالي الذين يواجهون، إلى جانب القلق الأمني، ضائقةً اقتصادية تجعل من تكاليف النقل إلى مراكز الامتحانات عبئًا غير مقدور عليه. إن القيادة التربوية الحكيمة في زمن الأزمات هي تلك التي ترفض الانكفاء، لكنها في الوقت نفسه ترفض ترف التعامي عن الواقع. المرونة الاستثنائية الحل الموضوعي الذي يمكن أن يرضي جميع الأطراف ويحقق التوازن المطلوب يكمن في «المرونة الاستثنائية». لا يكمن الحل في إلغاء الامتحانات وتدمير قيمة الشهادة، ولا في إجرائها بصورةٍ تعسفية لا تراعي المأساة. إن تسويةً عادلة تتطلب اعتماد «امتحاناتٍ تخصصية مرنة»، تتضمن تقليصًا حقيقيًا وعلميًا للمناهج والمواد المطلوبة، والتركيز على الكفايات الأساسية فقط. كما يمكن للوزارة اعتماد مبدأ «الأسئلة الاختيارية الموسّعة» داخل المسابقة الواحدة، ما يتيح للطالب الذي فاتته أجزاء من المنهج بسبب النزوح أن يختار الأسئلة التي تغطي ما درسه فعليًا. والأهم من ذلك، إيجاد آليات تقييمٍ خاصة أو دورات استثنائية متتالية لطلاب المناطق الساخنة، تضمن لهم بيئةً آمنة ووقتًا كافيًا للتحضير. إن إنقاذ العام الدراسي لا يعني فقط إدخال الطلاب إلى قاعات الامتحان، بل ضمان خروجهم منها بشعورٍ بالعدالة والإنصاف. والكرة اليوم في ملعب القرار التربوي لتقديم صيغةٍ إنقاذية تحمي الشهادة اللبنانية، وتحنو في آنٍ معًا على جيلٍ يستحق أن تُفتح له طاقات الأمل، لا أن تُغلق بوجهه الأبواب.