في السياسة الأميركية، اعتاد الرؤساء أن يحيطوا أنفسهم بمستشارين سياسيين وعسكريين واقتصاديين، لكن قلّما لعب مستشار ديني دورًا مؤثرًا في محيط الرئيس كما فعلت القسّة الإنجيلية باولا وايت مع دونالد ترامب خلال العقدين الأخيرين تحولت هذه الواعظة التلفزيونية من نجمة في الكنائس الإنجيلية إلى واحدة من أبرز الشخصيات الدينية التي وجدت لنفسها مكانًا فمحيط القرار السياسي في واشنطن.لم تكن العلاقة بين ترامب ووايت مجرد صداقة شخصية أو إرشاد روحي عابر، بل أصبحت جزءًا من تحالف أوسع بين اليمين الإنجيلي المحافظ والحركة السياسية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض. من خلال هذا التحالف، دخل الخطاب الديني بقوة إلى المجال السياسي، خصوصًا في قضايا ترتبط بالهوية الثقافية الأميركية وبالسياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل. من طفولة مضطربة إلى نجومية دينيةوُلدت باولا ميشيل فَر عام 1966 في ولاية ميسيسيبي الأميركية ونشأت في بيئة اجتماعية صعبة. كان والدها يعمل في قطاع العقارات قبل أن ينتحر وهي في سن الخامسة، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول عميقة في حياتها المبكرة. بعد ذلك انتقلت العائلة إلى ولاية فلوريدا، حيث عاشت طفولة اتسمت بعدم الاستقرار.في سنوات المراهقة انخرطت وايت في الكنائس الإنجيلية، وهناك بدأت تتشكل شخصيتها الدينية. وفي مطلع التسعينيات شاركت مع زوجها آنذاك راندي وايت في تأسيس كنيسة إنجيلية في فلوريدا عُرفت باسم Without Walls International Church. خلال سنوات قليلة تحولت الكنيسة إلى واحدة من الكنائس الضخمة في الولايات المتحدة، حيث كانت تستقطب آلاف المصلين أسبوعيًا.لكن شهرتها الحقيقية لم تأتِ من الكنيسة وحدها، بل من الإعلام. فقد أصبحت واحدة من أبرز الوجوه في عالم الوعظ التلفزيوني، وهو قطاع إعلامي ديني واسع الانتشار في الولايات المتحدة يقوم على بث الخطب الدينية عبر الفضائيات وجمع التبرعات من المشاهدين.وبفضل خطابها العاطفي وأسلوبها الخطابي الحاد، استطاعت وايت أن تبني قاعدة واسعة من المتابعين داخل التيار الإنجيلي المحافظ. في فهم السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، غالبًا ما يجري التركيز على العوامل التقليدية: المصالح الاستراتيجية، الطاقة، الأمن القومي، أو التحالفات العسكرية. غير أن هذه القراءة تبقى ناقصة إذا تجاهلت عنصرًا آخر بالغ التأثير في السياسة الأميركية المعاصرة، هو الدور المتصاعد للتيار الإنجيلي المحافظ اللقاء الذي غيّر المسارتعود بداية العلاقة بين باولا وايت ودونالد ترامب إلى أوائل الألفية الجديدة.بحسب روايتها، شاهد ترامب أحد برامجها الدينية على التلفزيون عام 2002، وأُعجب بأسلوبها الخطابي، فاتصل بها مباشرة. بعد ذلك بدأت علاقة شخصية بينهما تطورت سريعًا إلى صداقة وثيقة.كانت تلك الفترة مرحلة مختلفة في حياة ترامب؛ فهو رجل أعمال وإعلام، وليس شخصية دينية بالمعنى التقليدي. لذلك لعبت وايت دورًا مهمًا في تعريفه بعالم الكنائس الإنجيلية المحافظة.بدأت الواعظة الدينية بتنظيم جلسات دراسية دينية لترامب في بعض منتجعاته، كما أصبحت ضيفة دائمة على فعالياته الخاصة. ومع مرور الوقت تحولت إلى مستشارة روحية غير رسمية.عندما قرر ترامب الترشح للرئاسة عام 2015، كانت وايت من أوائل الشخصيات الدينية التي أعلنت دعمها له. وقد ساعدت في بناء جسور بين حملته الانتخابية وبين التيار الإنجيلي الذي يشكل واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الحزب الجمهوري. مفتاح الناخبين الإنجيليينيشكل المسيحيون الإنجيليون نحو ربع الناخبين الأميركيين، وهم أحد أكثر المكونات السياسية تنظيمًا وتأثيرًا في الولايات المتحدة. وقد كان دعمهم حاسمًا في وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016.في تلك الانتخابات لعبت باولا وايت دورًا أساسيًا في تعبئة هذا التيار. فقد ترأست المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملة ترامب، وساهمت في حشد مئات القادة الدينيين لدعمه.وكانت رسالتها واضحة: ترامب، رغم خلفيته غير الدينية، يمكن أن يكون أداة إلهية لحماية القيم المسيحية المحافظة.هذا الخطاب وجد صدى واسعًا لدى الناخبين الإنجيليين الذين كانوا يشعرون بأن الثقافة الأميركية تتحول تدريجيًا بعيدًا عن القيم التقليدية.وقد تجلى هذا التحالف بوضوح في حفل تنصيب ترامب عام 2017، عندما أصبحت باولا وايت أول امرأة من رجال الدين تلقي دعاءً في مراسم تنصيب رئيس أميركي. لاهوت الازدهارتُعد باولا وايت من أبرز دعاة ما يعرف باسم لاهوت الازدهار، وهو تيار ديني يرى أن الإيمان بالله يمكن أن يقود إلى النجاح والثراء في الحياة الدنيا.وفق هذا المفهوم، فإن البركة الإلهية لا تتجلى فقط في الخلاص الروحي، بل أيضًا في النجاح المادي. لذلك يشجع هذا الخطاب المؤمنين على التبرع للكنيسة باعتباره نوعًا من الاستثمار الروحي الذي يجلب البركة.يرتكز هذا اللاهوت على ثلاثة عناصر رئيسية:1. الإيمان يولّد النجاح2. العطاء المالي يجلب البركة3. العالم ساحة صراع روحي بين الخير والشرلكن هذا الخطاب أثار انتقادات واسعة داخل الكنائس المسيحية نفسها، إذ يرى كثير من اللاهوتيين أن الربط بين الإيمان والثروة يمثل تشويهًا للرسالة الدينية.مع ذلك، بقي هذا التيار يتمتع بنفوذ كبير داخل بعض الكنائس الإنجيلية، خصوصًا في الجنوب الأميركي. تحالف طويل بين الحركة الإنجيلية والقوى السياسية المحافظة من الكنيسة إلى البيت الأبيضبعد وصول ترامب إلى السلطة، أصبحت باولا وايت جزءًا من الدائرة القريبة من البيت الأبيض. وفي عام 2019 عيّنها ترامب مستشارة في مبادرة الإيمان والفرص، وهي برنامج حكومي يهدف إلى تعزيز التعاون بين الحكومة والمنظمات الدينية.كان الهدف المعلن للمبادرة هو تسهيل عمل المؤسسات الدينية في مجالات الرعاية الاجتماعية والتعليم ومساعدة الفقراء.لكن منتقدي الإدارة رأوا في هذه الخطوة محاولة لتعزيز نفوذ التيار الإنجيلي داخل مؤسسات الدولة. في الوقت نفسه، أصبحت وايت واحدة من أبرز الأصوات الدينية المدافعة عن ترامب في وسائل الإعلام، خصوصًا خلال الأزمات السياسية التي واجهها. الحرب الروحية في السياسةفي خطابها الديني، كثيرًا ما تستخدم باولا وايت مفهوم الحرب الروحية.وهو مفهوم شائع في بعض التيارات الإنجيلية، يرى أن الصراعات السياسية والاجتماعية ليست مجرد تنافس بشري، بل جزء من معركة أوسع بين قوى الخير والشر.خلال الانتخابات الأميركية عام 2020 أثارت وايت جدلاً واسعًا عندما ألقت صلاة علنية تحدثت فيها عن “إرسال ملائكة من أفريقيا وأميركا الجنوبية” لحماية نتائج الانتخابات.بالنسبة لمؤيديها، كان ذلك تعبيرًا رمزيًا عن الإيمان، أما منتقدوها فاعتبروا الأمر مثالًا على تسييس الدين بشكل مبالغ فيه. الإنجيليون والسياسة الخارجية لا يقتصر تأثير التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة على السياسة الداخلية.فهذا التيار يلعب أيضًا دورًا مهمًا في تشكيل المواقف الأميركية تجاه الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بإسرائيل. في الفكر الإنجيلي المحافظ، تحتل إسرائيل مكانة دينية خاصة ترتبط بتفسيرات توراتية لنهاية الزمان. ولذلك يرى كثير من الإنجيليين أن دعم إسرائيل ليس مجرد موقف سياسي، بل واجب ديني. وقد كان هذا العامل حاضرًا بقوة خلال إدارة ترامب. في عام 2017 أعلن ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو قرار مثّل تحولًا كبيرًا في السياسة الأميركية. وعلى الرغم من أن القرار كان له أبعاد سياسية واستراتيجية، فإن دعم القاعدة الإنجيلية لعب دورًا مهمًا في دفع الإدارة نحو اتخاذه. فقد اعتبر كثير من القادة الإنجيليين أن الاعتراف بالقدس يمثل تحقيقًا لنبوءات توراتية. وكانت شخصيات دينية إنجيلية بارزة حاضرة في مراسم افتتاح السفارة
ليست الحرب في الوعي السُّنّي مجرد اشتباكٍ بين جيوش، بل امتحانٌ للعقيدة قبل أن تكون امتحانًا للسلاح، وابتلاءٌ في الثبات قبل أن تكون اختبارًا في الحسابات العسكرية.حين تضيق الأرض بما رحبت، وتتكاثر التحالفات، وتُرسَم الخرائط فوق دماء الشعوب، يعود السؤال ذاته الذي تردّد في أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ هذه الأمة: هل بقي من أمل؟ في غزوة الخندق لم يكن المسلمون يواجهون جيشًا واحدًا، بل أحزابًا شتى اجتمعت على استئصالهم. المدينة محاصَرة، والقلوب بلغت الحناجر، والظنون تضطرب. لم يكن في الميدان فائض قوة، ولا ميزان ردع تقليدي. كان هناك خندقٌ يُحفَر بإرادةٍ مرتجفة ولكن مؤمنة، تجربة جديدة في لحظة وجودية. بين منطقين في مثل تلك اللحظات يتكشف الفرق بين منطق الأسباب ومنطق السُّنن. أهل السُّنة لا ينكرون الأسباب، بل يعدّون الأخذ بها عبادة، لكنهم لا يؤلّهونها. فالخندق كان سببًا، غير أن البشارة كانت يقينًا. حين أعلن القائد أن مفاتيح الشام وفارس واليمن صارت بمتناول اليد، لم يكن ذلك هروبًا من الحصار، بل تثبيتًا لعقيدة أن المستقبل ليس حكرًا على القوة المادية، وأن وعد الله يتجاوز اللحظة الراهنة مهما بدت خانقة. وفي مشهد الهجرة، حين اشتد الطلب وعمّ الاستنفار، واختبأ محمد مع صاحبه أبو بكر الصديق في جبل ثور، كانت الدولة يومها فكرةً مطاردة لا كيانًا راسخًا. كانت الرسالة مشروعًا محاصرًا لا إمبراطورية. ومع ذلك جاءت القاعدة التي ينبغي أن تُدرَّس اليوم في غرف القرار كما تُتلى في المحاريب: لا تحزن إن الله معنا. الأمل في زمن الحرب ليس أمنية شاعرية، بل موقف عقدي وسياسي يحفظ المجتمعات من الانهيار قبل أن تُهزم في الميدان معية حفظ ونصر في الفقه السُّني، هذه المعية ليست شعارًا عاطفيًا، بل مفهومًا عقديًا مركزيًا: معية حفظٍ ونصرٍ وتأييد، لا تُلغي الابتلاء ولكن تؤطره. لذلك لم تكن الطمأنينة إنكارًا للخطر، بل إعادة تعريفٍ له ضمن ميزان أوسع من حسابات المطاردة والمكافآت والرصد. ويتكرر المشهد في قصة موسى حين واجه بطش فرعون. بحرٌ أمامهم وجيشٌ خلفهم ولا خطة بديلة. هنا تتجسد لحظة الانهيار الجمعي: إنا لمدركون. لكن الرد جاء تأسيسًا لمنهجٍ عقدي لا يزال صالحًا لكل زمن: كلا إن معي ربي سيهدين. ليست “كلا” إنكارًا للواقع، بل رفضًا لتحويله إلى قدرٍ محتوم. وعد الله من هنا، فإن أخطر ما تواجهه المجتمعات في زمن الحرب ليس التفوق العسكري للخصم فحسب، بل انهيار الثقة بوعد الله وسنن التاريخ. حين يتحول الخطاب العام إلى بثٍ لليأس باسم الواقعية، أو إلى إعلان هزيمة نفسية تحت عنوان التحليل السياسي، فإننا نكون قد خالفنا أصلًا راسخًا في التربية السُّنية: أن المؤمن مأمور بإحياء القلوب لا بإماتتها. هذا لا يعني إنكار الأخطاء أو تبرئة القيادات أو تعليق كل تقصير على شماعة القدر. المنهج السُّني تاريخيًا قام على المراجعة والنصح والمحاسبة، لكن دون أن يتحول النقد إلى قطيعة مع الأمل، أو يتحول الغضب إلى تشكيك في سنن الله. “هلك الناس” ليست توصيفًا بريئًا، بل صناعة مزاجٍ عام يستبطن السقوط. الأحزاب القديمة إن الحرب الدائرة اليوم في منطقتنا، بما تحمله من اصطفافات دولية وإقليمية، تشبه في جوهرها منطق الأحزاب القديمة: تحالفات متشابكة، مصالح متقاطعة، وأمة يُراد لها أن تفقد ثقتها بذاتها. لكن التاريخ السُّني يعلمنا أن لحظات الانكسار كانت دائمًا مقدمات تحوّل، وأن الفتوح الكبرى وُلدت من رحم الضيق لا من فائض الرفاه. الأمل، في هذا السياق، ليس أمنية شاعرية، بل خيارًا عقديًا وسياسيًا في آنٍ معًا. عقدي لأنه مرتبط باليقين بوعد الله ونصره لمن أخذ بالأسباب وصبر. وسياسي لأنه يحفظ تماسك المجتمعات ويمنعها من الانهيار الداخلي قبل أن تُهزم خارجيًا. فهل بقي من أمل؟ نعم، ما دام في الأمة من يربط الواقع بالوحي، ومن يفهم السنن قبل أن يقرأ العناوين العاجلة. نعم، ما دام في الوعي الجمعي إدراكٌ أن الضيق مرحلة، وأن التداول سنة، وأن العاقبة للمتقين. قد يطول الليل، وقد تتعاقب الخنادق، وقد تتكاثر الأحزاب، لكن مدرسة العقيدة السُّنية علمتنا أن التاريخ لا يُختصر في جولة، وأن البحر مهما بدا سدًا نهائيًا قد ينفلق بأمر الله. بين حسابات الأرض ووعد السماء يولد الأمل… وهناك تُحسم المعركة الحقيقية.
تبدو إيران للوهلة الأولى دولة متماسكة تقوم على هوية قومية فارسية ونظام سياسي ديني شيعي. لكن خلف هذه الصورة تختبئ بنية اجتماعية معقدة تتكوّن من فسيفساء واسعة من القوميات والمذاهب. فإلى جانب الفرس الذين يشكّلون الأغلبية، تعيش داخل البلاد أقليات كبيرة أبرزها الأذريون والبلوش والعرب والأكراد والتركمان في قلب هذا النسيج الاجتماعي والسياسي المعقد، تقف الأقليات الكردية والسنية شاهدة على تاريخ طويل من التحديات والتهميش والسعي للحفاظ على الهوية. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني يسعى إلى تقديم صورة لدولة متجانسة تقوم على القومية الفارسية والمذهب الشيعي، فإن هذه الأقليات، التي تشكّل نسبة مهمة من السكان، تمثل واقعًا ديموغرافيًا وثقافيًا لا يمكن تجاهله. هذا التقرير يحلل تاريخ وواقع الأقليات القومية والمذهبية في إيران، ويسلط الضوء على سياسات التهميش التي تتهم طهران بممارستها، كما يستشرف الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأقليات في أي تحولات سياسية مستقبلية داخل البلاد. الأكراد… نضال عبر العصور يمتد الوجود الكردي في إيران إلى قرون طويلة، إذ يعتبر الأكراد من الشعوب الأصيلة في المنطقة. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن الميديين الذين أسسوا إمبراطورية في القرن السابع قبل الميلاد يمثلون أحد الجذور التاريخية للشعب الكردي. بعد الفتح الإسلامي، أسس الأكراد عدة إمارات سياسية بين القرنين العاشر والثاني عشر، قبل أن تتغير المعادلات مع قيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر. شكّل صعود الصفويين نقطة تحول مفصلية، إذ فرض الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي بالقوة، ما أدى إلى صراع مع الأكراد الذين يدين معظمهم بالمذهب السني. هذه السياسة لم تؤد فقط إلى تهجير مناطق كردية وتدميرها، بل ساهمت في ترسيخ شعور بالاختلاف القومي والديني داخل الوجدان الكردي. وفي القرن العشرين، تجسد الطموح القومي الكردي في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، التي لم تعش سوى أحد عشر شهرًا لكنها بقيت رمزًا بارزًا في الذاكرة السياسية الكردية. الأقليات في إيران ليست مجرد أطراف جغرافية مهمّشة، بل عقدة سياسية كامنة قد تحدد مستقبل الدولة نفسها السُنة أقلية بعد قرون من الأغلبية خلافًا للصورة السائدة اليوم، كانت إيران ذات غالبية سنية لما يقارب تسعة قرون بعد الفتح الإسلامي. فقد اتبع سكان بلاد فارس في معظمهم المذاهب السنية، خاصة الشافعية والحنفية، وكانت إيران أحد المراكز المهمة للعلوم الدينية السنية. لكن هذا الواقع تغير جذريًا مع وصول الصفويين إلى السلطة عام 1501، حين فُرض المذهب الشيعي الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة، وغالبًا ما تم ذلك بالقوة. وقد أدت هذه العملية التاريخية إلى تغيير ديموغرافي مذهبي واسع، حوّل السنة تدريجيًا من أغلبية إلى أقلية تعيش آثار ذلك التحول حتى اليوم. دولة متعددة القوميات تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفرس يشكّلون ما بين 55 و60 بالمئة من سكان إيران، فيما يتوزع الباقون بين قوميات متعددة، أبرزها: الأذريون: 15 إلى 20 % الأكراد: نحو 10 % العرب: 2 إلى 3 % البلوش: نحو 2 % التركمان ومجموعات أخرى بنسب أقل تتركز معظم هذه الأقليات في المناطق الحدودية للدولة، وهو عامل جيوسياسي مهم يمنحها امتدادات قومية خارج الحدود. سياسات التهميش والتمييز تشكو الأقليات القومية والمذهبية في إيران من تمييز سياسي واقتصادي وثقافي. فعلى الصعيد السياسي، نادرًا ما يتولى أبناء هذه الأقليات مناصب عليا في الدولة، مثل الوزارات أو المحافظات أو المناصب السيادية. أما اقتصاديًا، فتُعد مناطق الأقليات من بين الأكثر حرمانًا في البلاد، إذ تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والفقر وضعف البنية التحتية. ثقافيًا، تفرض السلطات قيودًا على تعليم اللغات المحلية، مثل الكردية أو البلوشية، كما يواجه السنة قيودًا على بناء المساجد في بعض المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة طهران. وتشير تقارير حقوقية إلى اعتقالات متكررة تطال ناشطين من هذه الأقليات، إضافة إلى استخدام القوة في قمع الاحتجاجات، كما حدث في المناطق الكردية والبلوشية عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022. العرب في خوزستان… النفط والهوية في جنوب غرب إيران تقع محافظة خوزستان، وهي واحدة من أكثر مناطق البلاد أهمية من الناحية الاقتصادية. فالمنطقة تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطات النفط الإيرانية، وتشكّل شريانًا حيويًا لاقتصاد البلاد. يعيش في خوزستان خليط من القوميات، لكن العرب يشكّلون نسبة مهمة من السكان، خاصة في المناطق القريبة من الحدود العراقية. وقد شهدت المحافظة احتجاجات متكررة خلال السنوات الماضية، خصوصًا على خلفية أزمات المياه والتلوث البيئي والبطالة. البلوش… الخاصرة الأمنية الرخوة في جنوب شرق إيران تقع محافظة سيستان وبلوشستان، وهي واحدة من أفقر مناطق البلاد وأكثرها اضطرابًا. ينتمي معظم سكانها إلى القومية البلوشية ويتبعون المذهب السني، ويشتكون منذ عقود من التهميش الاقتصادي والسياسي. بسبب هذه الظروف، شهدت المنطقة عدة حركات تمرد مسلحة، أبرزها جماعة جند الله التي نفذت هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في العقد الأول من الألفية. ورغم نجاح طهران في احتواء كثير من هذه التمردات، فإن المنطقة ما زالت توصف بأنها الخاصرة الأمنية الرخوة للدولة الإيرانية. لماذا تخشى طهران “تمرد الأطراف”؟ في العلوم السياسية، تواجه الدول متعددة القوميات خطر ما يُعرف بـ تمرد الأطراف، أي اندلاع الحركات الاحتجاجية أو المسلحة في المناطق البعيدة عن مركز السلطة. وفي حالة إيران، تعيش معظم الأقليات في المناطق الحدودية، ما يمنحها ثلاثة عناصر حساسة: امتدادات قومية عبر الحدود، إمكانية التواصل مع جماعات مماثلة في دول أخرى، البعد الجغرافي عن مركز السلطة في طهران. ومع ذلك، لم تنجح أي حركة انفصالية حتى الآن في تهديد وحدة الدولة الإيرانية بشكل فعلي. في إيران، لا يبدأ الصدع من قلب طهران دائماً… بل من أطرافها القومية والمذهبية هل يمكن للأقليات إسقاط النظام؟ رغم حجمها وتأثيرها الجغرافي، يرى معظم الباحثين أن الأقليات وحدها غير قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فالسلطة في طهران تستند إلى شبكة قوية من المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قاعدة اجتماعية في المدن الكبرى. لكن في حال تزامن عدة عوامل، مثل: احتجاجات واسعة في المدن الكبرى، أزمة اقتصادية حادة، ضغط دولي متزايد، اضطرابات في المناطق الحدودية، فقد تتحول الأقليات إلى عامل مضاعف للأزمة السياسية داخل البلاد. لم تنجح سياسة القبضة الأمنية التي يتبعها النظام الإيراني في دمج الأقليات بشكل كامل داخل الهوية السياسية للدولة. بل يرى بعض المراقبين أن هذه السياسة ساهمت في تعميق مشاعر الغضب والاحتقان في مناطق الأطراف. ورغم أن الأقليات قد لا تكون القوة الوحيدة القادرة على تغيير النظام، فإن أي تحول سياسي كبير في إيران لن يكون ممكنًا دون مشاركتها الفاعلة ومعالجة مظالمها التاريخية. فإيران ليست دولة متجانسة، بل دولة متعددة الهويات. وفي لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تبدأ التغييرات… من الأطراف.