الفسادُ لا دينَ له، تمامًا كما الإجرامُ والاختلاساتُ والسَّرِقاتُ والتوحُّش. قِيَمٌ مجرَّدةٌ لا تحدُّها مناطقُ أو أصنافٌ أو مجتمعات، ومن كثرةِ ما بتنا نعيشُها هذه الأيام، صار الشُّعورُ الإنسانيُّ العامُّ وكأننا نعيشُ في “غابة”، وكأننا في آخرِ الزَّمن. في عالمِ السياسةِ لا وجودَ للصُّدَف، لا سيّما في بلدٍ كلبنان. حينها تصبحُ الصدفةُ تفسيرًا لعدمِ القدرةِ على التفسير. في صيدا أسئلةٌ كثيرةٌ هذه الأيام، لكن يبقى السؤالُ الأكبرُ على ألسنةِ الناس: من يقفُ وراءَ ما جرى؟ ولماذا الآن؟ ومن “يُحرِّتِق” على البلدية ويُصوِّبُ في مختلفِ الاتجاهاتِ السياسيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والإنمائية؟ تنوعتِ التكهناتُ عمَّن يقفُ حقيقةً وراءَ ما جرى في صيدا مؤخرا، ومع التأكيدِ بأنَّ “دودَ الخلِّ منُّو وفيه”، علمت جريدةُ “البوست” من مصادرَ سياسيةٍ مطّلعةٍ أن ما حصل كان من خارجِ المدينة، وجاء “كردِّ فعلٍ” لما شهدته البلديةُ نفسها وتحديدا مكتب رئيسها من “حدثٍ” قبل نحوِ أسبوعٍ من اندلاعِ سلسلة الاكتشافات عن فسادٍ واختلاساتٍ في الصندوقِ الماليِّ للبلدية. ولفتتِ المصادرُ إلى أنه، قبل إقفالِ الملفِّ بساعاتٍ قليلةٍ على تسويةٍ كانت تقضي بإعادةِ الفوارقِ الماليةِ إلى الصندوق وتُختَمُ القضيةُ ضمن إطارِها الداخلي، حصلتِ المداهماتُ والتوقيفات، وتبعها تقاريرُ إعلاميةٌ مضخَّمةٌ وتسريباتٌ على تلفزيوناتٍ عادةً لا تلقى اهتمامًا بمواضيعَ محليةٍ كتلك. وربطت هذه المصادرُ المتابعةُ بين رفضِ البلديةِ للهِبةِ التي كانت ستُقدَّمُ من قبل مؤسسةِ “الوليدِ بن طلال الاجتماعيةِ” لإنارةِ شارعِ رياض الصلح، وبين ما حصل في البلدية لاحقًا، معتبرةً أن ذلك كان ردًّا مباشرًا على موقفِ المجلسِ البلديِّ من الموضوع وتعاطيه معه، وهو أمرٌ لم تمرِّره “صاحبةُ” العلاقةِ المباشرة. كم هي غريبةٌ هذه الحياةُ التي نعيشُها، حين يُحارِبُ الفسادُ ممَّن اتُّهِمَ يومًا بالفساد، وكان نزيلًا في إحدى غرفِ “الريتز”. أمورٌ كبيرةٌ على صيدا وناسِها البسطاء الطيّبين. أمورٌ يجدُ شرطيُّ بلديةٍ كأحمد أبو زينب نفسَه وأمثاله ضحيةً لها، وهو لا ناقةَ له فيها ولا جمل، تمامًا كما أطفاله المحرومون من شراءِ حفّاضات، لا لشيءٍ إلا لأنهم وقودُ “لعبةِ الكبار” و”مونوبوز النساء”.
لم يكن مقالُ الوداعِ الذي كتبه ديفيد بروكس بعد اثنين وعشرين عاماً في “نيويورك تايمز” مجردَ لحظةٍ شخصيةٍ بين كاتبٍ وقرّائه، بل بدا أقربَ إلى بيانٍ سياسيٍّ ثقافيٍّ عن عالمٍ يفقد يقينَه تدريجياً. لم يكتب بروكس نصاً حنينياً، بل تشريحاً لمرحلةٍ تاريخيةٍ تتآكل فيها الثقةُ العامة وتتحول السياسةُ من فنِّ إدارةِ الأمل إلى إدارةِ الخوف. ومن يقرأ مقالَه خارج الإطار الأميركي يدرك سريعاً أن ما وصفه ليس أزمةً داخليةً بحتة، بل موجةٌ عالميةٌ تضرب الشرق الأوسط بقوة، ويجسّد لبنان إحدى أكثر صورها كثافةً ووضوحاً. من نشوةِ الانتصار إلى زمنِ الانكساريروي بروكس انتقالَ أميركا من نشوةِ ما بعد الحرب الباردة إلى عصرِ الشكِّ الجماعي. كان العالم يبدو في مطلع الألفية متماسكاً؛ الديمقراطيةُ تتوسع، والتكنولوجيا تعد بعصرٍ جديدٍ من التواصل الإنساني، والاقتصادُ العالمي يوحي بازدهارٍ طويل الأمد. لكن الحروبَ الفاشلة، والانهياراتِ المالية، وانفجارَ وسائلِ التواصل الاجتماعي أطلقت موجةً من القلق والسخط. هذا المسار لم يكن أميركياً فحسب؛ فالشرق الأوسط عاش نسختَه الأكثر قسوة، حيث تحولت وعودُ التغيير إلى واقعٍ من الحروب المفتوحة والانقسامات الداخلية وانهيار الاقتصادات. ما بدا في واشنطن أزمةَ ثقة، تحوّل في المنطقة إلى أزمةِ بقاء. عالمٌ يتفكك… ولبنان نموذج الانهيار الكامل، من أزمة ثقة إلى أزمة بقاء مختبرُ الانهيار الصامتإذا كان بروكس يتحدث عن فقدان الإيمان الجماعي، فإن لبنان يقدّم التجسيدَ الأكثر كثافةً لهذه الفكرة. بلدٌ كان يُقدَّم كمساحةٍ للتعددية والانفتاح أصبح نموذجاً لانهيار الدولة وتآكل العقد الاجتماعي. العملةُ انهارت، والمؤسساتُ فقدت ثقةَ الناس، والسياسةُ تحولت إلى إدارةِ أزماتٍ بلا مشروعٍ وطنيٍّ جامع.المجتمعُ يعيش حالةَ شكٍّ دائم، والنخبُ تبدو منفصلةً عن الواقع، والشبابُ يغادرون بأعدادٍ متزايدة بحثاً عن معنىً وحياةٍ خارج حدود بلدٍ فقد القدرةَ على إقناع أبنائه بالبقاء. العدميةُ السياسيةيحذر بروكس من صعود ما يسميه “العدمية السياسية”، حيث تتحول السياسةُ إلى صراعِ قوىً مجردٍ من الأخلاق والمعايير المشتركة. هذه الظاهرة تبدو مألوفةً في الشرق الأوسط، حيث تراجعت مشاريعُ الدولة المدنية لصالح سياسات النفوذ والسلاح والاصطفافات الإقليمية.في لبنان، تتشابك الصراعاتُ الداخلية مع حسابات الخارج إلى حدٍّ يجعل السيادةَ فكرةً نظريةً أكثرَ منها واقعاً. الدولةُ لم تعد المرجعيةَ الوحيدة، والمجتمعُ لم يعد يملك سرديةً وطنيةً موحَّدة، فيما تملأ الشعبويةُ والطائفيةُ الفراغَ السياسيَّ بخطابات تعبئةِ الغضب بدلَ أن تبني مشروعاً. يرى بروكس أن توسيعَ الحريات الفردية دون مشروعٍ ثقافيٍّ جامعٍ أنتج فراغاً وجودياً عميقاً. في الشرق الأوسط، تبدو المفارقة مختلفةً لكنها متقاربةٌ في النتيجة: مجتمعاتٌ لم تنل حرياتها كاملة، لكنها تعاني أيضاً من فقدان المعنى الجماعي بسبب الانقسامات والهويات المتصارعة وتراجع التعليم النقدي.لبنان، الذي طالما اعتُبر حرياتُه مصدرَ قوة، يواجه اليوم سؤالاً وجودياً: ماذا تفعل الحريةُ عندما تنهار الدولةُ ويتآكل الاقتصادُ ويهاجر الجيلُ الذي يُفترض أن يقود التغيير؟ الحريةُ بلا مشروعٍ تتحول إلى فوضى، والفوضى إلى شعورٍ جماعيٍّ بالعجز. الثقافةُ قبل السياسةواحدةٌ من أكثر أفكار بروكس عمقاً هي أن التغيير الثقافي يسبق التحولَ السياسي. هذه الفكرة تحمل دلالةً خاصةً للشرق الأوسط، حيث سقطت مشاريعُ الإصلاح لأنها حاولت تغييرَ السلطة دون تغيير الثقافة السياسية. في لبنان، لا يبدو الإصلاح ممكناً عبر النصوص القانونية وحدها، في ظل ثقافةٍ قائمةٍ على الزبائنية والانقسام الطائفي.إعادةُ بناء الدولة تمر عبر إعادة بناء الثقة العامة وإحياء مفهوم المصلحة المشتركة، وهي عمليةٌ ثقافيةٌ طويلة قبل أن تكون إصلاحاً مؤسساتياً سريعاً. رغم نبرة التشاؤم، يلمّح بروكس إلى إمكانية ولادةِ نهضةٍ إنسانيةٍ جديدة تعيد الاعتبار للقيم المشتركة والبحث عن المعنى. في الشرق الأوسط، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن لمجتمعاتٍ أنهكتها الحروبُ والانهيارات أن تعيد إنتاجَ نفسها ثقافياً؟لبنانياً، ورغم عمق الأزمة، تظهر مبادراتٌ مدنيةٌ وثقافيةٌ مستقلة تحاول إعادة تعريف المواطنة خارج الاصطفافات التقليدية. قد تبدو هذه الجهودُ صغيرة، لكنها تذكّر بأن التحولاتِ الكبرى تبدأ غالباً من الهامش قبل أن تعيد صياغة المركز. الحرية بلا مشروع: الطريق الأقصر إلى الفوضى وداعُ بروكس لم يكن مجردَ نهايةِ مسيرةٍ صحفية، بل دعوةً لإعادة التفكير في معنى المجتمع الحديث. الشرق الأوسط، ولبنان في قلبه، يعيشان لحظةً مشابهةً لما وصفه الكاتب الأميركي: أزمةُ ثقة، أزمةُ معنى، وأزمةُ سرديةٍ وطنية. المجتمعاتُ لا تنهار فقط عندما تفلس اقتصاداتُها أو تتعطل مؤسساتُها، بل عندما تفقد قدرتَها على تخيّل مستقبلٍ مشترك. بين عالمٍ يتجه نحو القسوة الفردية ومجتمعاتٍ تبحث عن إعادة بناء إنسانيتها، يبقى السؤالُ مفتوحاً: هل يمكن تحويلُ لحظةِ الانهيار إلى بدايةِ مراجعةٍ عميقة تعيد صياغة العقد الاجتماعي قبل أن يصبح اليأسُ هو اللغةَ السياسيةَ الوحيدة؟
لم يعد السباق النووي عودةً نظرية إلى زمن الحرب الباردة، بل تحوّل إلى واقعٍ يتشكّل بهدوءٍ قاتل. القوى الكبرى لا تُحدّث ترساناتها فقط، بل تُعيد تعريف فلسفة الردع نفسها. ومع انتقال النظام الدولي من ثنائيةٍ نووية إلى توازن ثلاثي تقوده الولايات المتحدة وروسيا والصين، يتقدّم الشرق الأوسط من هامش الحسابات إلى مركزها، ويقف مضيق هرمز بوصفه نقطة الاختناق الأكثر حساسية في العالم تبدّل العقيدة النوويةهذا ليس سباق قنابل فحسب؛ إنه سباق على شكل العالم القادم، اقتصاده، أمنه، وحدود الخطأ المسموح.طوال عقود، حكمت عقيدة «الدمار المتبادل المؤكّد» التوازن النووي. اليوم، تتآكل تلك القاعدة بهدوء.روسيا، الغارقة في حرب أوكرانيا، خفّضت عمليًا سقف استخدام السلاح النووي التكتيكي في خطابها وعقيدتها، مُدخلةً خيار «الاستثناء» إلى قاموس الردع.في المقابل، تُعيد الولايات المتحدة تحديث منظومتها النووية ببرنامجٍ طويل الأمد تبلغ كلفته تريليونات الدولارات، واضعةً حماية سلاسل الطاقة العالمية ضمن تعريفها الموسّع للردع.أما الصين، الأكثر إثارة للقلق، فتبني قوتها بصمت. انتقال محسوب من ردعٍ محدود إلى قدرةٍ شاملة على إدارة توازن نووي كامل، ما يجعل إدارة الخوف بين ثلاثة أخطر بكثير من ضبطه بين طرفين.أما النتيجة، فزمن القرار يقصر، ومعاهدات الحد من التسلّح تتآكل، وقنوات الثقة تقترب من الصفر. في بيئة مزدحمة عسكريًا مثل الخليج، قد يتحول سوء التقدير إلى لاعب استراتيجي. والحروب الكبرى كثيرًا ما بدأت هكذا. ليس بقرارٍ مدروس… بل بلحظة ارتباك هرمز..عقدة ردع عالمية تاريخيًا، كان هرمز ساحة حروب ناقلات واستعراضات بحرية محسوبة. اليوم، يدخل المضيق تحت مظلّة ردع غير مُعلنة. تمرّ عبره قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية، أي اضطراب مؤقت كفيلٌ بإشعال الأسواق خلال ساعات. لذلك تنظر واشنطن إليه كخطٍ أحمر اقتصادي، فيما ترى موسكو في أي قفزة نفطية متنفسًا ماليًا، وتعتبر بكين، أكبر مستورد للطاقة، أمنه مسألة أمن قومي مباشر. هكذا يصبح الشرق الأوسط نقطة التقاء ردعٍ «عبر المسافة». قوى نووية كبرى تتقاطع مصالحها فوق مياه الخليج من دون أن تنشر قنابلها على ضفافه. دولة العتبة التي تغيّر الحسابات في قلب هذه المعادلة تقف إيران. لا تُعلن امتلاك القنبلة، لكنها تعمل على امتلاك كل ما يجعل تصنيعها ممكنًا بسرعة، سياسة «الوقوف على العتبة». هذا التموضع يمنح طهران «ردع الغموض القابل للتصديق». الخصوم يفترضون الأسوأ عند كل احتكاك، حتى لو بقي النزاع تقليديًا. وفي بيئةٍ مكتظة كهرمز، يرفع هذا الغموض كلفة أي خطأ حسابي. الأخطر ليس القنبلة بحد ذاتها، بل تأثير الدومينو: إذا صارت إيران نووية، ولو ضمنيًا، ستُعاد صياغة حسابات إقليمية، من الضمانات إلى خيارات الردع، ما يحوّل الخليج إلى نظام توازن رعب مصغّر. الكوابيس الاستخباراتية لا تبدأ بحربٍ شاملة، بل بسلسلة تصعيد غير مقصود. حادثة بحرية، رد محدود، توسّع ضربات على بنى طاقوية، دخول قوى لحماية مصالحها. عند هذه النقطة، يظهر الردع النووي في الخلفية، لا للاستخدام، بل للمنع، وتدخل الأزمة «منطقة حافة الهاوية»، حيث يتحرّك الجميع على إيقاع حربٍ لا يريدونها. على الرغم من التوتر في شرق آسيا، يحمل هرمز عناصر تفجير أسرع. السبب اقتصادي بقدر ما هو عسكري. قفزة نفطية فورية، اضطراب سلاسل الإمداد، موجات تضخم، وارتدادات سياسية في دول مستوردة للطاقة. إنها صدمة كوكبية لا إقليمية، ما يجعل الحساسية للتصعيد أعلى، والاستعداد للرد أشد. اقتصاد الخوف النووي السباق النووي زلزال اقتصادي صامت. تريليونات تُسحب من التعليم والبنى التحتية والتحول الطاقوي لتُضخ في أدوات يُفترض ألا تُستخدم. الأسواق تلتقط الإشارات سريعًا: ذهبٌ أعلى، دولارٌ أقوى، قلقٌ أوسع. العالم لا يخشى الحرب فقط؛ يخشى الخطأ. الأسلحة فرط الصوتية، أنظمة الإنذار الآلي، والذكاء الاصطناعي العسكري تقلّص زمن القرار إلى دقائق وربما ثوانٍ. في مسرحٍ مزدحم كالخليج، قد يتحوّل سوء تقدير واحد إلى لاعبٍ استراتيجي. والتاريخ يعلّم أن الكوارث الكبرى نادرًا ما تبدأ بقرارٍ جنوني، غالبًا ما تبدأ بقرارات «معقولة» قادت إلى الهاوية. قد لا نكون أمام حرب باردة جديدة بالمعنى الكلاسيكي، بل نظامٍ أكثر سيولة وأقل قابلية للتوقّع: تنافس أميركي–صيني، مواجهة روسية–غربية، صراعات ظل، وتقاطعات طاقة. في هذا المشهد، يصبح السلاح النووي بوليصة التأمين القصوى. السؤال اليوم لم يعد: هل تريد القوى الكبرى حربًا نووية؟ بل: هل ما زالت تملك القدرة على منعها إذا خرجت الأمور عن السيطرة؟