لم تعد المعركة المقبلة على الدين تدور فقط في المساجد والكنائس والمعابد، ولا بين المؤمنين والملحدين، بل انتقلت إلى المكان الأكثر برودة وخفاءً: الخوارزمية. فهناك، داخل مراكز البيانات ومختبرات وادي السيليكون، يجري بناء وسيط جديد بين الإنسان والحقيقة؛ وسيط لا يصلّي، ولا يؤمن، ولا يملك روحًا، لكنه بات يجيب عن أسئلة لطالما كانت حكرًا على رجال الدين: لماذا نموت؟ كيف نواجه الحزن؟ ما الخير؟ ما الشر؟ وهل للحياة معنى؟ السؤال الأكثر إثارة للقلق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة خطبة، بل ما إذا كان سيصبح هو نفسه المرجع الذي يلجأ إليه الإنسان عندما يبحث عن معنى. دين رقمي في روما، تعمل شركات كاثوليكية على تحويل آلاف الكتب والمخطوطات الدينية إلى معرفة قابلة للمعالجة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم تقديمها للمستخدمين عبر روبوتات دردشة متخصصة. الفكرة تبدو كأنها انتصار للتكنولوجيا في خدمة الإيمان، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، انقلابًا تاريخيًا: المعرفة الدينية التي كانت تحتاج إلى سنوات من الدراسة، وإلى شيخ أو كاهن أو حاخام، بات يمكن الوصول إليها خلال ثوانٍ عبر هاتف محمول. فالذكاء الاصطناعي لا ينقل المعرفة فحسب، بل يعيد صياغتها، ويختار منها، ويرتّبها، ويقدّمها وفقًا لسؤال المستخدم. ومع كل إجابة ناجحة، تتراجع خطوة الحاجة إلى المرجع التقليدي. وإذا كان المؤمن يستطيع أن يسأل الآلة في الثالثة فجرًا عن حكم ديني، أو معنى آية، أو كيفية التعامل مع الموت والخطيئة والعلاقات، فما الذي يبقى من سلطة المؤسسة الدينية؟ لقد فعلت المطبعة شيئًا مشابهًا عندما أخرجت الكتاب المقدس من أيدي رجال الدين ووسّعت دائرة قرّائه، لكنها أبقت النص في مركز التجربة. أما الذكاء الاصطناعي فيذهب خطوة أبعد: إنه لا يضع النص بين يديك، بل يضع نفسه بينك وبين النص. وهذه هي النقطة الأخطر. skip render: ucaddon_material_block_quote إعادة تعريف فالخوارزمية قد لا تقول للمؤمن: «اترك دينك»، لكنها قد تفعل شيئًا أكثر نعومة: تعيد تعريف الدين من دون أن يشعر. فإذا كان النموذج مبنيًا على افتراضات علمانية، فإن أسئلة الموت قد تتحول إلى جلسة مساعدة نفسية، وأسئلة المعنى إلى نصائح في تطوير الذات، وأسئلة الخير والشر إلى قواعد سلوكية منفصلة عن أي مرجعية دينية. قد يصبح الإنسان، مع الوقت، أكثر راحة… وأقل إيمانًا. والأخطر أن الذكاء الاصطناعي مصمّم لإرضاء المستخدم وتقديم إجابات تبدو متماسكة، حتى عندما تكون خاطئة. وفي المجال الديني تحديدًا، يمكن لخطأ صغير في اقتباس نص مقدس، أو تفسير حكم، أو نسبة قول إلى عالم، أن يتحول إلى «حقيقة» يتداولها آلاف المستخدمين. الأديان تردّ لكن القصة لا تنتهي عند تهديد الأديان. فالأديان نفسها بدأت تردّ الهجوم بالهجوم. ظهرت روبوتات دردشة إسلامية ومسيحية ويهودية وبوذية، كما بدأت مؤسسات دينية التواصل مع شركات التكنولوجيا للتأثير في المبادئ الأخلاقية التي تحكم النماذج المستقبلية. يريد رجال الدين ألّا يتركوا الخوارزمية بلا روح، فيما تريد شركات التكنولوجيا أن تصنع ذكاءً اصطناعيًا يصلح للجميع من دون أن ينحاز إلى دين بعينه. وهنا تظهر مفارقة القرن: الأديان تحاول أن تعطي الذكاء الاصطناعي قيمًا، والذكاء الاصطناعي يعيد، في المقابل، تشكيل الطريقة التي يفهم بها البشر قيمهم وأديانهم. مرشد بلا روح قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أفضل مساعد لرجال الدين، فيوفّر عليهم الأعمال الإدارية والبحثية، ويمنحهم وقتًا أكبر للإنسان. وقد يصبح أداة هائلة لنشر الرسالة الدينية والوصول إلى أجيال لا تدخل دور العبادة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى «مرشد روحي» لا ينتمي إلى أي جماعة، ولا يخضع لسلطة دينية، ولا يعيش تجربة الإيمان التي يتحدث عنها. ومع تزايد الوحدة الرقمية، قد يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة أخرى: آلة تعرف كيف تواسيه، لكنها لا تعرف كيف تؤمن؛ تجيد الحديث عن الموت، لكنها لا تموت؛ تستطيع وصف الصلاة، لكنها لا تصلّي. دين الخوارزمية لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإمام والكاهن والحاخام؟ السؤال الأكثر خطورة هو: هل سيأتي يوم يصبح فيه لكل إنسان دينه الذي صمّمته له خوارزميته الخاصة؟ عندها لن تكون المسألة «لكم دينكم ولي دين» فقط، بل ربما: لكم دينكم… وللآلة الدين الذي اختارته لكم. هل سيأتي يوم يصبح فيه لكل إنسان دينه الذي صمّمته له خوارزميته الخاصة؟
في السياسة، ليست كل نتيجة انتصارًا، وليست كل خسارة هزيمة. هناك نتائج تظهر في الميدان ويمكن عدّها: أرض تسيطر عليها، صواريخ تُعترض، مواقع تُدمّر، قيادات تُستهدف، وقدرات عسكرية تتراجع. لكن هناك نتائج أخرى لا تظهر في البيانات العسكرية؛ تظهر في بنية المجتمع، وفي الاقتصاد، وفي صورة الدولة، وفي علاقتها بحلفائها، وفي ثقة مواطنيها بمؤسساتها، وفي قدرة الأجيال المقبلة على تخيّل مستقبل مختلف. هنا تبدأ القاعدة التي كثيرًا ما يغفل عنها المنتصرون: ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. فإذا لم تتحول الحرب إلى تسوية، وإذا لم تُنتج القوة ترتيبًا سياسيًا جديدًا، فإن كل ما لم تحسمه المعركة يعود ليظهر في صورة فاتورة سياسية وأمنية واقتصادية وتاريخية. من هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يلي أي حرب ليس: من انتصر؟ بل: ماذا أنتج هذا الانتصار؟ ترتيب قابل للحياة تستطيع دولة متفوقة عسكريًا أن تحقق أهدافًا ميدانية كبرى، لكن الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع فقط. تنتهي عندما يصبح اليوم التالي أكثر استقرارًا من اليوم الذي سبقه. هذه هي المسافة الفاصلة بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي. فإذا استطاعت إسرائيل أن تُضعف خصمًا عسكريًا، لكنها لم تستطع أن تُنتج ترتيبًا سياسيًا قابلًا للحياة، فإنها تكون قد حققت نتيجة في الميدان وتركت المشكلة في التاريخ، والمشكلة التي تُترك في التاريخ لا تختفي، إنّها تتغيّر. قد تنتقل من المقاومة المسلحة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الدبلوماسية، ومن الدبلوماسية إلى المؤسسات الدولية، ومن الشارع إلى الأجيال الجديدة. هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن للقوة العسكرية أن تُنتج سلامًا إذا لم يكن هناك تصوّر سياسي لما بعد القوة؟ تقول التجارب التاريخية إن القوة تستطيع أن تفرض وقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح هذه الوقائع شرعية دائمة. يمكن للدبابة أن تدخل مدينة، لكنها لا تستطيع أن تبني عقدًا اجتماعيًا. يمكن للطائرة أن تُدمّر بنية عسكرية، لكنها لا تستطيع أن ترسم حدودًا مقبولة للجميع. يمكن للجيش أن يفرض الأمن لفترة، لكن الأمن المستدام يحتاج إلى سياسة. لهذا، فإن الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تبقى ناقصة إذا لم تجد طريقها إلى السياسة. كلفة الاستنزاف قد تبدو الدولة القوية قادرة على تحمّل حرب طويلة، لكن قدرة الدولة على القتال ليست هي نفسها قدرتها على تحمّل كلفة القتال إلى ما لا نهاية. الحرب الطويلة تعني تعبئة متواصلة، واستدعاء الاحتياط، وضغطًا على الاقتصاد، واستنزافًا للموارد، وتعطيلًا للحياة الطبيعية، وتوترًا اجتماعيًا متزايدًا. في دولة مثل إسرائيل، حيث يرتبط الأمن بصورة مباشرة بمسألة الهوية والبقاء، تصبح كلفة الحرب أعمق من الأرقام الاقتصادية. إنها تمسّ السؤال: أي نوع من الحياة تريد الدولة أن توفر لمواطنيها؟ الدولة التي تعيش دائمًا في حالة طوارئ تصبح معرّضة لأن تتحول الطوارئ من استثناء إلى نظام حياة. هنا يكمن خطر لا يقل أهمية عن الخطر العسكري: أن يصبح الأمن هدفًا يبتلع كل الأهداف الأخرى، فتتراجع السياسة أمام الأمن، ويتراجع الاقتصاد أمام التعبئة، وتتراجع الحياة المدنية أمام الضرورات العسكرية، ويصبح الخلاف السياسي اتهامًا بالخيانة أو بالضعف. هكذا يمكن للحرب أن تحافظ على وحدة المجتمع في لحظة الخطر، لكنها قد تزيد كلفتها الداخلية كلما طال أمدها. الحرب توحّد الخندق… لكنها لا تبني البيت. هذه واحدة من المفارقات الأساسية: الخندق يوحّد من يقفون فيه، لكن البيت يحتاج إلى تصوّر مشترك لما سيكون عليه بعد انتهاء المعركة. يمكن أن يتفق الإسرائيليون على ضرورة مواجهة الخطر، لكن هل يتفقون على الدولة التي يريدون بناءها بعد زوال الخطر؟ هنا تعود الأسئلة التي ناقشناها في الجزء الأول: ما حدود إسرائيل؟ ما موقع الدين في الدولة؟ ما العلاقة بين اليهودية والديمقراطية؟ ما مصير المستوطنات؟ ما مستقبل الفلسطينيين؟ ما شكل العلاقة بين الضفة الغربية وإسرائيل؟ ما مستقبل غزة؟ كيف تُوزّع أعباء الخدمة العسكرية؟ وكيف تحافظ الدولة على تماسكها في ظل التباينات المتزايدة بين العلمانيين والمتدينين والحريديم والصهيونية الدينية والتيارات الليبرالية؟ الحرب تؤجل هذه الأسئلة، لكنها لا تلغيها، بل ربما تجعل العودة إليها أكثر كلفة. skip render: ucaddon_material_block_quote الأكلاف الاقتصادية ليست كل فاتورة الحرب عسكرية؛ هناك فاتورة اقتصادية صامتة. الأموال التي تُنفق على الحرب لا تُنفق على التعليم، والموارد التي تذهب إلى الأمن لا تذهب بالضرورة إلى البنية التحتية، والاحتياط الذي يُستدعى باستمرار لا يعمل دائمًا بكامل طاقته في الاقتصاد، والاستثمار الذي يخشى عدم الاستقرار يبحث عن بيئة أكثر أمنًا، والدولة التي تستمر في تخصيص جزء متزايد من مواردها للتهديدات الأمنية قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كلما طال الصراع، أصبح السلام أكثر ضرورة، لكن الوصول إليه قد يصبح أكثر تعقيدًا. هنا يظهر معنى آخر للقاعدة: ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. فإذا لم تُنتج الحرب تسوية، فإن تكلفة الحرب لا تختفي عند نهايتها. إنها تنتقل إلى الموازنة، وإلى سوق العمل، وإلى المجتمع، وإلى مستقبل الأجيال، وإلى قدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل. وفلسطين أيضًا تدفع ثمن التأجيل. لكن الإنصاف يقتضي ألّا تتحول هذه القراءة إلى رواية عن كلفة الحرب على إسرائيل وحدها. الفلسطينيون هم أول من يدفع ثمن غياب الحل. يدفعون ثمن الاحتلال والصراع والتهجير والدمار وفقدان الأفق السياسي، ويدفعون أيضًا ثمن تحوّل قضيتهم إلى ملف أمني بدلًا من أن تكون قضية سياسية لشعب يطالب بحقوقه الوطنية. وهنا ينبغي أن يتغيّر السؤال. فبدلًا من أن تبقى فلسطين في المعادلة بوصفها مشكلة يجب إدارتها، ينبغي أن تعود إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية سياسية يجب حلّها. لأن إدارة الصراع ليست حلًا للصراع، وتجميد القضية ليس إنهاءً للقضية، وتأجيل الدولة لا يلغي فكرة الدولة. كل ما يفعله التأجيل هو رفع الكلفة. لهذا، فإن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى وقف الحرب؛ إنهم يحتاجون إلى أفق سياسي واضح، وإلى اعتراف بحقوقهم الوطنية، وإلى مسار يقود إلى مستقبل يمكن أن تتحول فيه القضية من مأساة مفتوحة إلى مشروع دولة. من القضية الأمنية إلى التدويل هنا حدث تحوّل بالغ الأهمية. لفترة طويلة، استطاعت إسرائيل أن تقدّم جزءًا كبيرًا من صراعها مع الفلسطينيين للعالم من خلال لغة الأمن. لكن كلما اتسعت دائرة الاعتراف الدولي بفلسطين، وكلما انتقلت القضية من ساحات الاحتجاج إلى المؤسسات الدولية، فإن طبيعة السؤال نفسها تتغيّر. لم تعد القضية فقط: كيف تمنع إسرائيل التهديد؟ بل أصبحت أيضًا: كيف يمكن بناء نظام سياسي يضمن الأمن الإسرائيلي والحقوق الوطنية الفلسطينية في آن واحد؟ هذا التحول بالغ الأهمية، لأن الأمن يمكن أن يبرّر الحرب، لكن السياسة هي التي تبرّر السلام. وكلما توسعت دائرة الدول التي تتعامل مع فلسطين بوصفها دولة أو مشروعًا لدولة، أصبح من الصعب إبقاء القضية إلى أجل غير مسمى في إطار أمني صرف. هنا يصبح الاعتراف الدولي بفلسطين ليس مجرد مسألة رمزية، بل جزءًا من إعادة تعريف الصراع. فالقضية التي كانت توصف باعتبارها «نزاعًا أمنيًا» تتحول تدريجيًا إلى سؤال عن الاحتلال والسيادة والحدود والحقوق والدولة. وهذه ليست نقلة في الخطاب
لن يكون مؤتمر «آبل» في التاسع من سبتمبر/أيلول مجرد مناسبة للكشف عن آيفون جديد، بل اختبارًا مبكرًا لشركة تدخل مرحلة مختلفة في تاريخها. فالمؤتمر هو الأول للرئيس التنفيذي الجديد جون تيرنوس بعد انتقال تيم كوك إلى رئاسة مجلس الإدارة، وهو يأتي في لحظة لم يعد فيها السؤال الأساسي: ماذا ستضع «آبل» داخل الهاتف المقبل؟ بل: هل تستطيع الشركة أن تعيد تعريف الهاتف نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي؟ على مدى نحو 15 عامًا، نجح كوك في تحويل «آبل» إلى إمبراطورية اقتصادية أكثر تنوعًا وأوسع نفوذًا، ورفع قيمتها السوقية إلى مستويات هائلة، ووسّع حضور الخدمات والأجهزة داخل منظومة مغلقة جعلت المستخدم لا يشتري منتجًا واحدًا بقدر ما يدخل عالمًا متكاملًا يصعب عليه مغادرته. لكن هذا النجاح يخفي تحديًا جديدًا؛ فالتكنولوجيا لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها التي اعتادت عليها «آبل»، والذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر العلاقة بين الإنسان والجهاز، بينما تبدو الشركة مطالبة باللحاق بسباق تقوده شركات أخرى منذ سنوات. هنا تأتي أهمية تيرنوس؛ فالرجل ليس غريبًا عن قلب الشركة. لقد أمضى أكثر من 25 عامًا داخلها، وكان مسؤولًا عن هندسة الأجهزة التي صنعت جانبًا كبيرًا من نجاح آيفون وآيباد وماك وآبل ووتش وإيربودز. لكن اختيار مهندس للأجهزة لقيادة «آبل» في عصر الذكاء الاصطناعي يحمل مفارقة واضحة: هل تستطيع خبرة العتاد أن تقود شركة تواجه معركة أصبحت البرمجيات والذكاء الاصطناعي فيها أكثر أهمية من شكل الجهاز؟ آيفون الأغلى… والأقل اعتيادًا المؤتمر المقبل يحمل تغييرًا في استراتيجية إطلاق آيفون نفسها. فبدلًا من طرح الطراز القياسي في الخريف كما جرت العادة، تشير التوقعات إلى تأجيل آيفون 18 القياسي إلى ربيع العام المقبل، فيما تركز «آبل» على آيفون 18 برو وبرو ماكس، إلى جانب هاتف «آيفون ألترا» القابل للطي، في أول دخول للشركة إلى سوق الهواتف القابلة للطي. وهذا التحول ليس تفصيلًا تسويقيًا. فالآيفون القياسي كان الأكثر مبيعًا، إذ تصدّر آيفون 17 مبيعات الهواتف عالميًا خلال الربع الثاني من 2026، كما تصدّر آيفون 16 الفترة نفسها من العام السابق. ولذلك، فإن تأجيل الطراز الذي يشتريه العدد الأكبر من المستخدمين يعني أن «آبل» تراهن على الفئات الأعلى سعرًا وهوامش الربح الأكبر. ومن المتوقع أن يبدأ سعر آيفون 18 برو عند نحو 1199 دولارًا، وبرو ماكس عند 1299 دولارًا أو أكثر، بينما قد يتجاوز الهاتف القابل للطي حاجز 2000 دولار. وبذلك لا تقدم «آبل» هاتفًا جديدًا فقط، بل تختبر أيضًا حدود استعداد المستهلك لدفع ثمن أعلى في سوق أصبحت فيه الهواتف الذكية أكثر نضجًا وأقل قدرة على إبهار المستخدم بالقفزات السنوية التقليدية. skip render: ucaddon_material_block_quote الهاتف القابل للطي ليس مجرد شاشة أهمية «آيفون ألترا» لا تكمن فقط في أنه قابل للطي، وإنما في أنه يكشف عن محاولة «آبل» دخول فئة ظلت لسنوات ملعبًا لشركات منافسة، خصوصًا سامسونغ. ومن المتوقع أن يجمع الهاتف بين شاشة داخلية تقارب 7.8 بوصات وشاشة خارجية أصغر، مع تصميم بالغ النحافة، فيما تشير التوقعات إلى الاستغناء عن Face ID لمصلحة بصمة الإصبع. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع «آبل» صناعة هاتف قابل للطي؟ فهذه التكنولوجيا موجودة منذ سنوات. السؤال هو: هل تستطيع أن تجعله منتجًا جماهيريًا يحمل معنى جديدًا للآيفون؟ إذا نجحت، فقد تكون أمامها فئة جديدة تعيد تنشيط سوق الهواتف الراقية. وإذا فشلت، فقد تتحول إلى مجرد محاولة متأخرة للحاق بمنافسين سبقوها إلى السوق. الذكاء الاصطناعي هو الامتحان الحقيقي لكن كل هذه الأجهزة قد تكون أقل أهمية من «سيري». فالذكاء الاصطناعي هو المعركة التي ستحدد موقع «آبل» في السنوات المقبلة، وهنا تحديدًا لا تبدو الصورة مريحة تمامًا. الشركة أعلنت عن «سيري» أكثر ذكاءً، قادرة على فهم السياق الشخصي للمستخدم، والتعامل مع الرسائل والصور والبريد ومحتوى الشاشة، وتنفيذ إجراءات داخل التطبيقات. لكن بعض هذه المزايا لن يكون متاحًا فورًا، كما أن «سيري» الجديدة لن تدعم العربية في البداية. وهذه نقطة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفصيلًا تقنيًا. فالمشكلة بالنسبة إلى «آبل» أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية يمكن إطلاقها لاحقًا؛ لقد أصبح طبقة جديدة فوق التكنولوجيا كلها. والمستخدم بدأ يتوقع من هاتفه أن يفهمه، لا أن ينفذ أوامره فقط. إذا كانت «آبل» قد بنت قوتها على التكامل بين الجهاز والنظام والخدمات، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون الفرصة الأكبر لتوسيع هذا التكامل، لكنه قد يصبح أيضًا نقطة ضعفها إذا سبقها الآخرون في تحويل الهاتف إلى مساعد حقيقي يتنبأ باحتياجات المستخدم وينفذها بدلًا منه. من اقتصاد الآيفون إلى اقتصاد المنظومة تظل قوة «آبل» الأساسية ضخمة. لديها قاعدة مستخدمين هائلة، ونظام تشغيل مغلق ومتكامل، ومتجر تطبيقات، وخدمات، وأجهزة مترابطة، وعلامة تجارية تستطيع بيع المنتج بسعر أعلى من معظم المنافسين. لكن هذه القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى قيد. فكلما كانت المنظومة مغلقة، أصبح التغيير أصعب، وكلما كان المستخدم معتادًا على تجربة مستقرة، أصبح إقناعه بقفزة تكنولوجية جذرية أكثر تعقيدًا. ولهذا، فإن تيرنوس لا يرث شركة فاشلة، بل يرث شركة ناجحة جدًا تواجه مشكلة النجاح نفسه: كيف تغيّر نموذجًا أثبت نجاحه من دون أن تدمره؟ قد يكون آيفون 18 الأغلى، لكن السؤال الحقيقي هو: هل سيكون الأكثر ضرورة؟ آبل أمام لحظة تاريخية من السهل النظر إلى مؤتمر التاسع من سبتمبر باعتباره حفلة أخرى لإطلاق آيفون وساعة وسماعات جديدة. لكن القراءة الأعمق تقول إن «آبل» تدخل اختبارًا أكبر بكثير. فالشركة تغيّر القيادة، وتغيّر استراتيجية إطلاق الآيفون، وتدخل سوق الهواتف القابلة للطي، وتحاول اللحاق بالذكاء الاصطناعي، وترفع الأسعار في وقت يواجه فيه المستهلك العالمي ضغوطًا اقتصادية متزايدة. ولهذا، فإن السؤال الذي سيخرج من المؤتمر ليس فقط: كم يبلغ سعر آيفون 18؟ بل: هل ما زالت «آبل» قادرة على صناعة المستقبل، أم أنها أصبحت بارعة في تحسين الماضي؟ كان تيم كوك سيد مرحلة التوسع والكفاءة وتحويل الابتكار إلى إمبراطورية مالية. أما جون تيرنوس، فيبدو أنه سيدخل مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة يتعين فيها على «آبل» أن تثبت أن التفاحة لا تزال قادرة على مفاجأة العالم. ففي سوق التكنولوجيا، لا يكفي أن تكون الأكبر، عليك أن تكون أول من يجعل المستقبل يبدو ضروريًا.