لم تكن مباراة الأرجنتين ومصر في ثمن نهائي كأس العالم مجرّد مواجهة كروية انتهت بفوز الأرجنتين، بل تحوّلت إلى محاكمة مفتوحة لمنظومة التحكيم التي تديرها الفيفا. فبعد صافرة النهاية، لم يكن الحديث عن أداء ليونيل ميسي أو الروح القتالية للمنتخب المصري، بل عن سلسلة من القرارات التحكيمية التي اعتبرها كثيرون مؤثرة بصورة مباشرة في نتيجة المباراة، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل بطولة كبرى: هل ما تزال العدالة الرياضية هي القيمة العليا في كرة القدم، أم أصبحت جزءاً من حسابات أكثر تعقيداً؟ اعترض المنتخب المصري على احتساب ركلة جزاء لصالح الأرجنتين في الشوط الأول بعد مراجعة تقنية الفيديو، كما أثار إلغاء هدف مصري بعد العودة إلى VAR موجة واسعة من الجدل، بينما اعتبر محللون ومشجعون أن الهدف الثالث للأرجنتين سبقه ما يستوجب التوقف التحكيمي، وهو ما عزّز شعوراً عاماً بأن ميزان القرارات لم يكن متوازناً. جزء من الخلاف وعلى الرغم من أن الأخطاء التحكيمية جزء من اللعبة، فإن وجود تقنية الفيديو كان يفترض أن يقلل مساحة الجدل، لا أن يوسّعها. فالـVAR أُنشئ ليصحّح الأخطاء الواضحة، لكنه في السنوات الأخيرة أصبح، في كثير من المباريات، جزءاً من الخلاف نفسه، بسبب تفاوت معايير التدخل وتفسير الحالات المتشابهة. المشكلة لا تكمن فقط في صحة القرار من عدمها، بل في غياب الشفافية. فالجماهير لا تعرف لماذا تدخلت غرفة الفيديو في لقطة، ولماذا تجاهلت أخرى، ولا تسمع التسجيلات الصوتية بين الحكام كما يحدث في بعض الرياضات الأخرى. وهنا يبدأ الشك بالتسلل إلى أكثر البطولات مشاهدة في العالم. skip render: ucaddon_material_block_quote قيمة تسويقية هذا الشك يزداد عندما تكون إحدى كفتي المباراة تحمل المنتخب الأكثر جماهيرية وتسويقاً في البطولة. فالأرجنتين ليست مجرد منتخب؛ إنها علامة تجارية عالمية، ومبارياتها تحقق نسب مشاهدة قياسية، ويشكّل استمرارها في البطولة قيمة تسويقية وإعلانية ضخمة للرعاة وحقوق البث. ولا يعني ذلك وجود تلاعب متعمّد، لكنه يجعل من الضروري أن تكون منظومة التحكيم أكثر شفافية من أي وقت مضى، حتى لا تتحول المصالح الاقتصادية إلى مادة للاتهامات. تؤكد الفيفا دائماً أن حكامها مستقلون، وأن تقنية الفيديو تطبّق وفق بروتوكولات دقيقة، كما أن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) ينشر قوانين اللعبة وبروتوكول استخدام تقنية VAR بشكل معلن. لكن المشكلة أن الالتزام بالإجراءات لا يمنع استمرار الجدل إذا غابت القدرة على إقناع الجمهور بأسباب القرارات المتخذة. من هنا، فإن الأزمة ليست أزمة مباراة واحدة، بل أزمة ثقة. فعندما يخرج ملايين المشاهدين مقتنعين بأن فريقاً تعرض للظلم، تخسر كرة القدم شيئاً من رأسمالها المعنوي، حتى لو كانت جميع القرارات قابلة للتفسير قانونياً. عبارة صادمة في خضم الغضب الجماهيري، انتشرت عبارة صادمة تختزل حجم الإحباط الذي شعر به كثيرون: «اثنان يرتكبان أفعالهما على المكشوف بلا خجل: إسرائيل… والفيفا». إنها عبارة تعكس غضباً شعبياً أكثر مما تمثّل حكماً قانونياً أو حقيقة موضوعية، لكنها تكشف مستوى التراجع في الثقة لدى قطاع من المتابعين عندما يشعرون أن العدالة لم تعد مرئية على أرض الملعب. ليست الفيفا مطالبة بإثبات نزاهتها بالشعارات، بل بالممارسة. وإذا أرادت حماية سمعة كأس العالم، فعليها أن تتبنّى إصلاحات جذرية، من بينها نشر التسجيلات الصوتية الكاملة بين حكم الساحة وغرفة الفيديو، وإصدار تقارير تفسيرية مفصلة بعد المباريات المثيرة للجدل، وإخضاع القرارات الحاسمة لمراجعات مستقلة يمكن للرأي العام الاطلاع على نتائجها. الأرجنتين ومصر… حين حاكمت صافرة الحكم الفيفا فالعدالة في كرة القدم لا يكفي أن تتحقق، بل يجب أن يراها الجميع وهي تتحقق. وعندما تصبح القرارات التحكيمية هي العنوان الأول لمباريات كأس العالم، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون المنتخب المهزوم، بل مصداقية اللعبة نفسها.
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial كان ثيل أول اسم بارز في وادي السيليكون يعلن دعمه لدونالد ترامب عندما ترشح لولايته الأولى. وقد أقرّ نائب الرئيس جيه دي فانس بفضل ثيل في تشكيل توجهاته الأيديولوجية والدينية. وفي عام 2003، شارك ثيل في تأسيس شركة «بالانتير» (Palantir)، وهي شركة برمجيات كبرى تعمل مع الجيش الأميركي ووكالات الأمن الداخلي. واليوم، يشغل ثيل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة، فيما يتولى أليكس كارب، الذي وصف الرئيس ترامب بأنه «رجس»، منصب الرئيس التنفيذي. رجل بهذا القدر من النفوذ يحتاج إلى أن يُفهم جيدًا، خصوصًا حين يتبنّى أفكارًا شديدة الغرابة والقلق حول نهاية العالم.فقد ذكر تقرير نشرته مجلة «وايرد» (Wired) في سبتمبر/أيلول الماضي أنه «قبل ثلاثين عامًا، تحدث لاهوتي نمساوي محب للسلام إلى بيتر ثيل عن نظريات نهاية العالم التي صاغها الحقوقي النازي كارل شميت. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه النظريات بمثابة خارطة طريق للملياردير». في السنوات الأخيرة، ألقى ثيل سلسلة محاضرات حول المسيح الدجال ومعركة هرمجدون، مستندًا إلى هذه الأفكار.وتمتلك صحيفة «الغارديان» تسجيلًا صوتيًا لمحاضرة ألقاها ثيل العام الماضي، نُقل عنه فيها قوله: «إن التعريف الأساسي للمسيح الدجال هو أن بعض الناس يعتقدون أنه نوع من الأشخاص السيئين للغاية. وفي بعض الأحيان، يُستخدم المصطلح بشكل أعمّ كوصف روحي لقوى الشر. أما ما سأركز عليه فهو التفسير الأكثر شيوعًا ودراماتيكية للمسيح الدجال، أي أنه ملك شرير أو طاغية أو عدو للمسيح يظهر في آخر الزمان». وأضاف: «لا يُقصد من هذا أن يكون محاضرة معادية لبريطانيا أو لأميركا. كل ما في الأمر هو أن أميركا، في هذه المرحلة، هي المرشح الطبيعي لتكون قوة الردع، أو الكاتيخون، والمسيح الدجال في آن واحد. إنها نقطة الصفر لدولة العالم الواحد، ونقطة الصفر لمقاومة دولة العالم الواحد». يرى ثيل أن «دولة العالم الواحد» تمثل المسيح الدجال، بينما يمثل «الكاتيخون» (Katechon) القوة التي تكبح ظهوره أو تحدّ من اندفاعه. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في مايو/أيار الماضي، فإن ثيل يستعد لمغادرة الولايات المتحدة إلى الأرجنتين. أحد أسباب هذه الخطوة هو الهروب من الضرائب المرتفعة، إذ تمضي ولاية كاليفورنيا في اتجاه فرض ضريبة ثروة لمرة واحدة بنسبة 5% على الأصول التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، وهو ما قد يكلّف ثيل نحو 1.4 مليار دولار. أما السبب الآخر، وربما الأشد إثارة للقلق، فهو خوفه من اقتراب حرب نووية. وقد يكون الهروب من الضرائب مرتبطًا بهذا التصور أيضًا، إذ يرى ثيل أن الهيئات المالية الدولية التي تمنع الأثرياء من حماية ثرواتهم في الملاذات الضريبية تمثل إحدى علامات المسيح الدجال ومعركة هرمجدون المقبلة. وكما كتبت «نيويورك تايمز»: «تُعدّ الأرجنتين، وهي دولة معزولة نسبيًا عن الصراعات المحتملة في نصف الكرة الشمالي، منفذ هروب محتملًا من المخاطر الأخرى التي حذر منها السيد ثيل علنًا، والمتمثلة في الحرب النووية والذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة». ليس ثيل وحده من يخشى اقتراب حرب عالمية. فمارتن فارساوسكي، رائد الأعمال الإسباني ـ الأرجنتيني في مجال التكنولوجيا والمقرّب من ثيل، يشاركه هذا القلق أيضًا. فقد بنى مزرعة في الأرجنتين قال إنها قد تكون ملجأ في حال اندلاع حرب عالمية ثالثة. وكتب فارساوسكي على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «كنت أعتقد أن الحرب النووية أمر مستحيل. ولكن مع انقسام العالم إلى معسكرين، الولايات المتحدة وأوروبا في مواجهة روسيا والصين، لم أعد أعتقد أن الأمر مستحيل. تُظهر هذه الدراسة أن الأرجنتين واحدة من أكثر الأماكن أمانًا للنجاة من الحرب النووية والمجاعة التي قد تعقبها». إن مليارديرات من أمثال ثيل يمتلكون قدرًا من الإيمان بما يقوله الكتاب المقدس، لكنهم يمزجون هذا الإيمان بلاهوت العالم ومعتقداتهم الخاصة. وبدلًا من التطلع إلى الله، يبحثون عن مكان آمن خاص بهم، وعن ملجأ قد يحميهم مما يعتقدون أنه آتٍ.
لِيَسمح لي القارئ بقليلٍ من الانحياز… لا انحياز السياسة، ولا انحياز العصبية، ولا انحياز الحدود التي رسمتها خرائط العصر، بل انحياز الإنسان إلى الأرض التي تصنع المعنى، وإلى المدينة التي كلما حاول التاريخ تجاوزها، أعادته هي إلى بدايته. ولو سألني أحد يومًا: أي بلاد الأرض أعظم؟ لما ترددت في الجواب: القدس. وليس لأنني أبحث عن مجد قومي، أو أمارس خطابًا عاطفيًا، أو أستسلم لرومانسية المكان، بل لأن التاريخ نفسه سبقنا إلى هذا الجواب، ونطقت به ألسنة العلماء والرحالة والمؤرخين قبل أن تتحول القدس إلى عنوان لصراع العصر. خير البلاد يروي أهل الأخبار أن مجلسًا علميًا احتشد يومًا في مدينة البصرة، في مجلس القاضي أبي يحيى بن بهرام، حيث اجتمع العلماء والفقهاء والأدباء، وكان للكلمة وزن الذهب، وللحجة سلطان العقل. دار الحديث بين الحاضرين عن البلدان ومكانتها، وعن المدن وفضلها، حتى التفت أحدهم إلى رجل من أهل القدس وسأله: أي البلاد أجلّ؟ فأجاب بهدوء الواثق: بلدنا. فسألوه: وأي البلاد أكثر خيرًا؟ قال: بلدنا. فعادوا يسألونه: وأي البلاد أكبر؟ فابتسم وقال: أما هذه فلا، فإن بلادكم أكبر منها مساحة، ولكنكم لم تسألوني عن الكِبَر، بل عن القدر. ثم مضى يشرح حجته، لا بمنطق العصبية، وإنما بمنطق التاريخ. كيف لا تكون القدس أجلّ البلاد، وفيها اجتمع ميراث الأنبياء جميعًا؟ كيف لا تكون أعظم المدن، وهي المدينة التي وطئتها أقدام إبراهيم، وسار في طرقاتها داود، وأقام فيها سليمان، وولد في أرضها عيسى، وأُسري إليها بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع فيها من نور الرسالات ما لم يجتمع في بقعة أخرى على وجه الأرض؟ skip render: ucaddon_material_block_quote أقدم من الدول إنها المدينة الوحيدة التي لا تستطيع أمة واحدة أن تدّعي أنها صنعتها وحدها، لأنها أقدم من الدول، وأبقى من الإمبراطوريات، وأوسع من كل الروايات السياسية. في القدس لا يقاس الزمن بالسنوات، بل بالنبوات. ولا تقاس الحجارة بأحجامها، بل بما حملته من ذاكرة الإنسانية. كل حجر فيها يروي قصة. وكل باب يحمل اسم حضارة. وكل زقاق يشهد على أن الأمم قد تأتي وتمضي، أما القدس فتبقى. ليست القدس مجرد مدينة مقدسة عند المسلمين، ولا مجرد معلم تاريخي، بل هي جزء من العقيدة والوجدان والهوية. إليها كانت القبلة الأولى، ومنها كانت رحلة الإسراء، وفيها المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين، وأحد المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال. لكن عظمة القدس لا تنبع من بعدها الديني وحده. إنها أيضًا مدرسة الحضارة الإنسانية. مدينة استطاعت عبر آلاف السنين أن تكون ملتقى اللغات والثقافات والديانات، دون أن تفقد شخصيتها الفريدة. احتضنت الفاتحين، واستقبلت الزائرين، ونجت من الحروب، ثم نهضت من جديد، كأنها تحمل في ذاتها سرًا يجعلها تولد كلما ظن العالم أنها انتهت. مدينة خالدة ولعل أكثر ما يميز القدس أنها المدينة التي كلما حاولت السياسة اختزالها إلى ملف تفاوض، أعادها التاريخ إلى مقامها الحقيقي. فالقدس ليست بندًا في اتفاق. وليست ورقة تفاوض. وليست عنوانًا لأزمة عابرة. إنها سؤال أخلاقي دائم أمام العالم كله: هل يمكن للعدالة أن تنتصر على القوة؟ وهل تستطيع الحقيقة أن تبقى حية رغم تبدل موازين السياسة؟ من هنا نفهم لماذا بقيت القدس حاضرة في وجدان المسلمين والمسيحيين وأحرار العالم، حتى عندما تغيرت العواصم، وسقطت الإمبراطوريات، وتبدلت موازين القوى. فالمدن العظيمة تُبنى بالحجارة. أما المدن الخالدة فتُبنى بالمعنى. والقدس مدينة المعنى قبل أن تكون مدينة المباني. ولذلك لم يكن جواب الرجل المقدسي في مجلس البصرة مجرد مفاخرة بابن مدينته، بل كان تلخيصًا لحقيقة أدركها التاريخ منذ قرون: أن قيمة المدن ليست فيما تملكه من اتساع، بل فيما تمنحه للبشرية من نور. قد تكون هناك مدن أكبر. وقد تكون هناك مدن أغنى. وقد تكون هناك مدن أحدث عمرانًا وأكثر صخبًا. لكن القدس تظل مدينة لا ينافسها مكان في قدرتها على جمع السماء بالأرض، والتاريخ بالعقيدة، والإنسان بالرسالة. ولعل هذا هو سرها الأكبر. فمن أحب القدس لم يحب حجارتها فقط، بل أحب المعنى الذي تمثله. ومن دافع عنها لم يدافع عن حدود مدينة، بل عن ذاكرة أمة، وكرامة حضارة، وحق الإنسانية في أن تبقى بعض الأماكن أكبر من أن تتحول إلى مجرد قضية سياسية. وهكذا تبقى القدس، مهما تبدلت الأزمنة، ليست أعظم المدن لأنها الأكبر مساحة، بل لأنها الأوسع حضورًا في الضمير الإنساني، والأغنى برسالات السماء، والأبقى في ذاكرة التاريخ. skip render: ucaddon_box_testimonial