لم يكن اختطاف المواطن اللبناني عطوي عطوي من بلدة الهبارية مجرّد حادثةٍ أمنيّةٍ عابرة على الحدود الجنوبية، بل رسالة ميدانية مكتوبة بلغة الخطف والتوغّل. فبعد يومين على العملية الإسرائيلية، ما زالت الأسئلة أكبر من الوقائع المعلنة: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الهدف تحديدًا؟ وما الذي تريد تل أبيب قوله في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، اختارت فيها خرق الخطوط بهدوءٍ محسوب؟ وبحسب معلومات متداولة، تسلّلت قوة إسرائيلية ليلًا إلى المنطقة الحدودية القريبة من الخط الأزرق، ودارت مواجهات محدودة، قبل أن يتم اقتياد عطوي، وهو مسؤول في الجماعة الإسلامية، إلى جهةٍ مجهولة داخل الأراضي المحتلة. ويُعدّ اللجوء إلى عملية اختطاف هدفها نقل المحتجز إلى داخل الأراضي المحتلة فارقًا نوعيًا في ديناميكية التوتر القائم؛ إذ لا يقتصر الأمر على استهدافٍ أمنيٍّ عابر، بل ينقل مضمون المواجهة من إطار خروقات وقف إطلاق النار إلى مستوى السيادة والأمن القومي اللبناني. دلالات وأبعاد تحمل هذه العملية أكثر من بعدٍ تكتيكي وسياسي: أولًا – رسالة ردع استخبارية من إسرائيل. يُعدّ اختطاف شخصٍ مشارك في أنشطة مسلحة، أو مشتبه بصلته بجماعات المقاومة، تكتيكًا يهدف إلى إضعاف شبكات الدعم والتجنيد في الجنوب، ويوجّه رسالة واضحة مفادها أن «كل من يُصنّف تهديدًا أمنيًا، له تبعات حتى داخل مناطق نفوذه». ثانيًا – هزّ الثقة في اتفاق الهدنة. رغم أن وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا رسميًا، إلا أن استمرار الخروقات والاعتداءات — بما فيها هذه الحادثة — يُضعف قدرة الوساطات الدولية على تثبيت الهدنة، ويعيد لبنان إلى دائرة الاحتكاك الدائم مع إسرائيل، بما يرفع احتمالات التصعيد غير المقصود. ثالثًا – استهداف قوى قريبة من الشبكات المتحالفة مع المقاومة. تُعدّ الجماعة الإسلامية أحد الفاعلين المحليين في الجنوب، وقد وضعها تعاونها مع أطراف أخرى خلال الحرب الماضية ضمن دائرة الاهتمام الأمني الإسرائيلي. وعليه، قد يشكّل اختطاف مسؤول فيها مؤشرًا إلى محاولة إسرائيلية لضرب البُنى اللوجستية والسياسية التي برزت خلال المواجهات الأخيرة. رابعًا – تداعيات داخلية لبنانية وإقليمية. داخليًا، وفي ظل ارتفاع منسوب الاحتقان السياسي والاجتماعي، يمكن أن تُستثمر هذه العملية لتعزيز خطاب التهديد الخارجي، وفتح سجالات حول قدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها، بما يُبقي مناخ التوتر قائمًا. أما إقليميًا، فقد تُستخدم الحادثة ذريعةً لإعادة تبرير أنشطة مسلحة شمال إسرائيل، بما في ذلك استعراضات الردع من قبل حلفاء محور المقاومة. من هو؟ يُعدّ عطوي عطوي، البالغ من العمر نحو 63 عامًا، من القيادات البارزة في الجماعة الإسلامية. وقبل تولّيه مسؤوليات تنظيمية داخل الجماعة، شغل منصب رئيس بلدية بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا، ما جعله شخصية معروفة وذات حضور في محيطه المحلي. ومنذ عام 2022، تولّى عطوي منصب المسؤول القضائي في منطقة حاصبيا–مرجعيون لدى الجماعة، وهو موقع يمنحه نفوذًا تنظيميًا داخل شبكاتها الجنوبية، الأمر الذي قد يفسّر تصنيفه إسرائيليًا كهدفٍ أمني في عملية الاختطاف التي نُفّذت فجر يوم الاثنين.
لم يحتج الأمر أكثر من ثوانٍ قليلة. اهتزّ مبنى قديم في حيّ باب التبّانة، ثم استسلم للجاذبية، متحوّلًا إلى كومةٍ من الحجارة والغبار في شارع سوريا. صرخاتٌ ارتفعت، وركضُ مذعورون نحو الركام، وأيدٍ عارية تحاول شقّ طريقها بين الإسمنت بحثًا عن ناجين… أو عن جثث. هكذا، ببساطةٍ قاتلة، سقط 5 قتلى على الأقلّ وعددٌ من الجرحى، في مشهدٍ لم يعد غريبًا على مدينةٍ تعيش منذ سنوات على خطّ تماسٍ مع الإهمال ما جرى في طرابلس ليس حادث “قضاءً وقدرًا” كما درجت العادة أن يُقال بعد كل كارثة. إنّه نتيجةٌ مباشرة لمسارٍ طويل من الحرمان الرسمي، والتجاهل المزمن، وغياب أي سياسةٍ عمرانية أو إسكانية تحمي الناس من موتٍ يمكن توقّعه. فحين يتحوّل السكن إلى مغامرة يومية، تصبح الجدرانُ المتشقّقة أخطر من الرصاص. هذه المدينة، التي تُوصَف غالبًا بأنّها الأفقر على ساحل المتوسط، لا تواجه الفقر بوصفه أزمةً اقتصادية فحسب، بل بوصفه خطرًا إنشائيًا يهدّد الحياة نفسها. هنا، لا يسقط الناس ضحايا البطالة فقط، بل ضحايا الأسقف المتعبة أيضًا. وهنا تحديدًا، تتكشّف طبقية الموت بأوضح صورها، فالمباني نادرًا ما تنهار في الأحياء الميسورة حيث الصيانة ممكنة والرقابة حاضرة، بينما تُترك الأحياء الشعبية لتفاوض مصيرها داخل “صناديق موت” مؤجَّلة الانفجار. الأرقام وحدها كفيلة بفضح حجم الكارثة. فمنذ ما قبل عام 2017، كانت التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 16 ألف مبنى مهدّد بالسقوط في لبنان، فيما تحتلّ طرابلس المرتبة الثانية بعد بيروت في عدد الأبنية الآيلة للانهيار. لكن الأخطر من الأرقام هو الاعتياد عليها؛ إذ يبدو أنّ الدولة لا تتحرّك فعليًا إلا بعد أن يتحوّل التحذير إلى مأتم. تتوزّع الأبنية المتصدّعة في القبة، والتبّانة، والزاهرية، وضهر المغر، وغيرها من الأحياء التي يدفع سكّانها ثمنًا مضاعفًا: عجزٌ عن الترميم بسبب الانهيار الاقتصادي، وغيابٌ شبه كامل للدعم الرسمي، وإمكاناتٌ بلدية محدودة لا ترقى إلى حجم التهديد. بعض العائلات أخلت منازلها فعلًا، لكن كثيرين لا يملكون رفاهية الرحيل؛ فإلى أين يذهب من لا يستطيع تحمّل كلفة سقفٍ بديل؟ المفارقة القاسية أنّ الحديث عن الأبنية المهدّدة بالانهيار ليس جديدًا، كما أنّ الدعوات إلى تطبيق مراسيم السلامة العامة وتأمين التمويل ليست طارئة. الجديد فقط هو عدد الضحايا الذي يرتفع في كل مرة، فيما تبقى المعالجة مؤجَّلة، والخطط حبرًا على ورق، والمسؤوليات ضائعة في متاهة الإدارة. ما يحتاجه لبنان ليس تقريرًا إضافيًا ولا لجنةً جديدة، بل قرارًا سياسيًا واضحًا بأنّ حياة الناس ليست تفصيلًا. المطلوب خطة وطنية عاجلة تبدأ بمسحٍ شامل للأبنية الخطرة، وتؤمّن حلولًا سكنية بديلة للمتضرّرين، وتمنح البلديات والجهات الرقابية صلاحياتٍ وموارد حقيقية قبل أن يتحوّل كل مبنى قديم إلى قنبلةٍ صامتة. حين ينهار مبنى، لا تكون الأزمة هندسية فقط؛ إنّها لحظةُ انكشافٍ مدوّية لانهيارٍ أعمق يطال الاقتصاد والإدارة ومفهوم الدولة نفسه. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها داخل منازلهم، ماذا تبقّى من دورها؟ في لبنان، لا يحتاج الموت دائمًا إلى حربٍ أو انفجار. أحيانًا يكفي سقفٌ متعب… ودولةٌ أكثر تعبًا. والسؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله: كم حياةً أخرى يجب أن تُدفن تحت الركام قبل أن يدرك المسؤولون أنّ الكارثة ليست في سقوط المباني، بل في سقوط الإحساس بالمسؤولية؟