في أزقّة صيدا العريقة، وبين رائحة زهر الليمون الآفلة إلى زوال، ونسمات بحرها الذي لطالما اتّسع للجميع، ثمّة غصّة تخنق أنفاس العائلات الوافدة والمقيمين على حدّ سواء. “عاصمة الجنوب” التي عُرفت بلقب “أمّ الفقير”، تجد نفسها اليوم أمام اختبارٍ قاسٍ بين إرثها في الكرم وبين واقعٍ اقتصادي جعل من “سقف البيت” حلمًا مكلفًا يفوق طاقة البشر. حكاية خلف كلّ بابلم يعد البحث عن شقّة في صيدا مجرّد رحلة لاختيار الأنسب، بل أصبح “رحلة شاقّة” في سوق يغلي. قصص كثيرة تُروى في المقاهي الشعبية وفي صالونات النازحين الذين فرّوا من لهيب الحرب ليصطدموا بلهيب الأسعار.عائلات تفترش الغصّة قبل الأرض، وتفتّش عن غرفة واحدة تؤوي أطفالها، لتُفاجأ بأرقام “فلكية” تُطلب بالدولار الفريش، وكأنّ الأزمة لم تترك في القلوب مكانًا للرأفة.لم تكن صيدا، بمساجدها وكنائسها وتاريخها النضالي، يومًا مكانًا للاستغلال. ومن هنا، يخرج العتاب محبًّا، والدعوة خجولة ولكنّها ملحّة: يا أهلنا في صيدا، وأنتم أهل المروءة، ليكن كرمكم في خفض الأسعار هو “الجهاد” الحقيقي في هذه الأيام.إنّ النازح الذي طرق باب مدينتنا لم يترك بيته ترفًا، بل قهرًا. ولعلّ خفض بدل الإيجار، أو التغاضي عن ربحٍ يسير في هذه الظروف الاستثنائية، هو أسمى أنواع التكافل الاجتماعي. فلنكن نحن السند، ولا نجعل من الحاجة تجارة، فدوام الحال من المحال، وما يبقى هو الأثر الطيّب والذكرى الحسنة. “عين” الدولة و”يد” البلديةفي ظلّ هذا الفلتان، تبرز التساؤلات المشروعة حول دور الجهات الرسمية. فالمواطن، سواء كان صاحبَ ملكٍ أم مستأجرًا، يحتاج إلى سقفٍ قانوني يحميه.ويُنتظر من بلدية صيدا واللجان المحلية أن تلعب دور “الوسيط العادل”، من خلال إحصاء الشقق وتنظيم عقود استثنائية تمنع الاحتكار، وتضع ضوابط أخلاقية وقانونية لأسعار الإيجارات بما يتناسب مع مساحة الشقّة وموقعها.كما أنّ غياب الرقابة الرسمية من وزارة الاقتصاد والقوى الأمنية يفتح الباب أمام “سماسرة الأزمات”. والمطلوب اليوم هو تفعيل الدور الرقابي لمنع استغلال حاجة الناس، واعتبار الرفع الفاحش للأسعار بمثابة “جرم اجتماعي” يستوجب المساءلة.
في وجداننا، حتى في ذاكرتنا الفردية والجماعية، يرتبط نيلسون مانديلا بفكرة الرجل “الطيب”. لا يمكنك أن تفكر فيه دون أن تغيب عنك ابتسامته الهادئة، وعيونه الرزينة، وتجاعيد وجهٍ أتعبته سنين النضال والسجن، وشعرٌ أجعد أبيض يُؤنسِن الأيقونة. تكرّس مانديلا في أذهاننا كفكرة شمولية “جيدة”، لا نهتم كثيرًا بتفاصيلها الأخرى. جلّ ما نفكر فيه أنه رمز للخير والعدل. حكمًا تبدو المسافة شاسعة بين بشرّي وأومتاتا بجوار كيب تاون، لكن الرجلين يتقاطعان في روايتين خُتمت إحداهما، وأخرى لم تكتمل فصولها الحقيقية بعد. سيتفاجأ كثيرون من مجرد المقارنة بين سمير جعجع ونيلسون مانديلا. قد يكثر الكلام والضوضاء والهجوم والانتقاد للفكرة بذاتها، ولصوابية طرحها، أو حتى لمجرد الاقتراب منها. ولأننا شعوب لا تعرف إنتاج أساطيرها، ولا حتى سردها، يبدو كسر المحرّم شرطًا إلزاميًا أحيانًا لبلوغ الحق والحقيقة. عند كثير من اللبنانيين، وحتى غيرهم، يرتبط اسم جعجع بكونه قائدًا لميليشيا تلطخت ممارساتها بالدماء في حرب شهدت كثيرًا من الفظائع. وكأن جعجع كان يقاتل وحده حينها. وكأنه لم يكن هناك من “آخر” في الجهة المقابلة. انتهت “الحرب الأهلية”، لكن الصورة بقيت، واستُثمرت، ونمت، وتكرّست لأغراض عدة، تختلف باختلاف راويها وحساباته والمناسبة. ما لا يعرفه كثيرون منا، وقد يعرفه آخرون، أن مانديلا، الذي سكن ذاكرتنا بطيبته كرمزٍ للخير، عاش ردحًا واسعًا من مسيرته النضالية بالكفاح المسلح. بعد “مجزرة شاربفيل” عام 1960، انتقل مانديلا من قناعة النضال السلمي وحده إلى المساهمة في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي، “أومخونتو وي سيزوي”، في سياق مقاومة نظام أغلق بوجهه ووجه أمثاله كل أبواب التغيير الطبيعي. انطلق جعجع من الفكرة ذاتها في حساباته الماضية. كغيره من “المحاربين القدامى” في تلك الفترة، كلٌّ حمل البندقية لتحقيق هدف آمن به واقتنع بصوابيته، صحّ ذلك أم كان خطأ. لكنه في حينها كان تصالحًا مع الذات قبل أن يكون خدمةً للمجموعة التي انتمى إليها، وكان معبرًا للوصول إلى المأمول. لكليهما صار السلاح جزءًا من معركة تحرير شعب ووطن من منظومة فاسدة. رجلان دخلا الحياة العامة من بوابة الصراع الحاد. خبرا العمل المرتبط بالعنف السياسي في بلدين مأزومين، ثم حملا السجن كجزء تأسيسي من صورتهما العامة، قبل أن يعودا إلى السياسة من موقع أكثر رمزيةً وتأثيرًا. أمضى مانديلا 27 عامًا في المعتقل، وخرج مثالًا عالميًا للصمود والانضباط والقدرة على تحويل المعاناة إلى شرعية تاريخية. خرج مانديلا من “رود آيلاند” ليرفع بلاده فوق منطق الانتقام، ويقود مصالحة صنعت دولة جديدة. لكن لبنان بلد لا يشبه إلا نفسه، ولا يُنصف أبناءه. بعد نحو 11 عامًا، يخرج جعجع من سجنه أكبر سياسيًا مما دخله. لكنه يعود إلى نظام لم يحسم أسئلته الكبرى بعد، ولم يُنجز عدالة انتقالية، ولم يكتب رواية وطنية واحدة لا للحرب ولا للسلم. لذا بقي لاعبًا أساسيًا ومؤثرًا، لكنه لم يتحول إلى رمز جامع فوق الانقسام، رغم ما يطرح وطنيًا ويطالب بتحقيقه، ويتفق معه أغلب اللبنانيين، والسبب أن لبنان نفسه لم يتحول إلى وطن متصالح مع ماضيه ومستقبله. صعودًا إلى معراب، للقاء عنوانه “إنقاذ لبنان”، تستذكر أننا جميعًا نعيش اليوم على أرض هذا الوطن حربًا وجودية. أحداث جمّة لم تحرك في كثيرين “الهمّة” للمبادرة إلى لقاء جامع شامل للجميع، على اختلافهم واختلافاتهم، للقول إن القادم من الأيام سيكون ببساطة: نكون أو لا نكون. في ذلك المنزل المرتفع، تسمع كلامًا وأفكارًا كثيرة. تشعر أن الجميع يتحرق للتغيير نحو الأفضل، كلٌّ بحسب ما يرى. لا ضير في ذلك. في طريق العودة، تستحضرك المقارنة الغريبة بين الرجلين. كم هو غريب أن تغيّر أحداث الحياة مسارات الرجال وخياراتهم. تشعر أن السجن كان لهذا الرجل فرصةً للترقي، لا سببًا للتشفي. تسمع من المتهم بحروب الإبادة والقتل على الهوية كلامًا لا لبس فيه عن: قيام الدولة، والعدالة، والجيش الحامي، والنظام، وعمل المؤسسات، ونبذ الاقتتال الداخلي، وعودة المغتربين، وتثبيت الشباب، والحفاظ على الهوية… تتعاطف معه لأنه لم يأخذ حقه حتى الآن. مانديلا صار رمزًا كونيًا لأن تجربته تجاوزت جماعته، أما جعجع فبقي، مهما اتسع حضوره، ابن ساحة لبنانية منقسمة، يعلو فيها الرمز داخل بيئته، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى مرجعية جامعة خارجها. أما السبب، ففي تكوين هذا الكيان العجيب نفسه، لا في “الحكيم”.