ليست الدولة مشروعًا لإدارة السلطة فحسب، بل هي فنُّ إدارة التوازنات. وكلما ازداد الوطن تنوعًا، ازدادت حاجته إلى رجال دولة يدركون أن الحكمة ليست في الانحياز إلى طرف، وإنما في الانتصار للوطن. تلك كانت المدرسة التي جسّدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ مدرسة تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة، ولا تُحفظ بالقطيعة، بل بحسن إدارة العلاقات. كان يدرك أن لبنان ليس جزيرةً معزولة عن محيطه، وأن الجغرافيا ليست خطوطًا على الخرائط، بل قدرٌ سياسي وتاريخي. ومن هنا، فإن سورية لم تكن في نظره مجرد دولة مجاورة، بل عمقًا استراتيجيًا يرتبط بلبنان بروابط التاريخ والاقتصاد والمجتمع، كما يرتبط النهر بمنابعه. غير أن هذا الإدراك لم يكن يومًا على حساب استقلال لبنان أو سيادة قراره. السياسة الرشيدة فالسياسة الرشيدة لا تعرف التناقض بين السيادة والعلاقات الأخوية، بل تجعل من احترام السيادة أساسًا لعلاقات أكثر متانة. ولذلك، فإن المعادلة التي وضعها الرئيس رفيق الحريري، والتي تعبّر عن فلسفة الدولة، هي: لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية. فأن يُحكم لبنان من خارج حدوده يعني انتقاصًا من سيادته، وأن يُبنى حكمه على معاداة سورية يعني تجاهلًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح الشعبين. أما الطريق الثالث، فهو طريق الدولة الواثقة بنفسها؛ الدولة التي تمتلك قرارها الحر، وتبني، في الوقت نفسه، أفضل العلاقات مع محيطها العربي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فرض الاحترام لقد كان رفيق الحريري يؤمن بأن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها في وجه الجميع، بل تلك التي تجعل الجميع يحترمونها. فالاحترام لا يُنتزع بالخصومة، وإنما يُكتسب بقوة المؤسسات، وعدالة القانون، ووضوح الرؤية، وثبات القرار. في الفلسفة السياسية، لا يعيش الوطن بين خيارين متطرفين: التبعية أو العداء. فالتبعية تُضعف الإرادة الوطنية، والعداء الدائم يُقفل أبواب المستقبل. أما الاعتدال، فهو فضيلة الدول الكبرى، لأنه يجعل من الحوار أداةً لحل النزاعات، ومن المصالح المشتركة جسرًا للاستقرار. إن لبنان، بحكم رسالته، لا يستطيع أن يكون خندقًا في مواجهة أشقائه، ولا ساحةً يُدار فيها صراع الآخرين. رسالته أن يكون مساحة لقاء، وجسر تواصل، ونموذجًا لدولة عربية حرة، مستقلة، منفتحة على الجميع، ومتمسكة، في الوقت نفسه، بسيادتها الكاملة. skip render: ucaddon_material_block_quote ميزان اليوم وهذا هو الميزان الذي تحتاجه الجمهورية اليوم: سيادة لا تعرف المساومة، وعلاقات لا تعرف القطيعة، وانتماء عربي لا يتعارض مع استقلال القرار الوطني. فالأوطان لا تقوى بعزل نفسها عن محيطها، ولا تضعف حين تمد جسور التعاون من موقع الندّية والاحترام. إن إرث رفيق الحريري لم يكن مشروع إعمار للحجر فحسب، بل مشروع إعمار للعقل السياسي اللبناني؛ عقلٍ يؤمن بأن الدولة تُقاس بقدرتها على الجمع بين الثوابت والمتغيرات، وبين الكرامة الوطنية وحكمة الانفتاح، وبين استقلال القرار وحسن الجوار. وعندما ينجح لبنان في ترسيخ هذه المعادلة، يصبح أكثر قوة في الداخل، وأكثر احترامًا في الخارج، ويؤكد أن سيادته لا تُبنى على الخصومة، كما أن علاقاته لا تقوم على التبعية، بل على ميزان دقيق عنوانه: لبنان سيدٌ في قراره، عربيٌّ في انتمائه، وسورية تبقى عمقه الاستراتيجي الذي تُبنى العلاقة معها على الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وسيادة الدولتين. الاعتدال ليس ضعفًا؛ إنه قدرة الدولة على حماية سيادتها من دون أن تحرق جسورها وفي هذا السياق، يقرأ كثيرون في مواقف الرئيس أحمد الشرع توجّهًا يقوم على التأكيد أن استقرار سورية ولبنان لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوازنة بين دولتين سيدتين، تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقد عكست تصريحاته ومواقفه الداعية إلى احترام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، رؤيةً تنسجم مع الفلسفة التي طالما دعت إلى أن تكون العلاقة بين البلدين علاقة تعاون لا تبعية، وشراكة لا وصاية. من هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تقوم على أن لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية، أكثر قدرةً على استيعاب التحولات التي تشهدها المنطقة. فهي لا تنكر أن سورية تمثل عمقًا استراتيجيًا للبنان، ولا تتهاون، في الوقت نفسه، مع حق اللبنانيين في أن يكون قرارهم الوطني نابعًا من مؤسساتهم الدستورية وإرادتهم الحرة. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس من قبيل الصدفة أن يبقى حنظلة، بعد أربعة عقود على اغتيال ناجي العلي، أكثر حضورًا من كثير من الزعماء والخطباء والشعارات. فالشخصيات السياسية تولد وتموت مع لحظتها، أما الرموز الحقيقية فتزداد قوة كلما ازدادت الوقائع التي صنعتها قسوةً. في ذكرى اغتيال ناجي العلي، لا يستحضر الفلسطينيون رسامًا استثنائيًّا فحسب، بل يستعيدون طفلًا حافي القدمين، مكتوف اليدين، يدير ظهره للعالم. طفلًا لم يكبر يومًا، لأن فلسطين لم تتحرر يومًا. اختار ناجي العلي اسم «حنظلة» نسبةً إلى نبات الحنظل؛ مُرّ المذاق، لكنه لا يموت في الصحراء. وكأن الرسام أراد أن يقول إن الفلسطيني قد يُقتلع من أرضه، لكنه لا يُقتلع من ذاكرته، وإن الاحتلال يستطيع أن يصادر البيوت، لكنه يعجز عن اقتلاع الجذور. أما عمر حنظلة، فقد ثبّته ناجي عند العاشرة، وهو العمر الذي كان عليه عندما هُجّر من قريته الشجرة في الجليل عام 1948. ومنذ تلك اللحظة، توقف الزمن. قال ناجي إن حنظلة لن يكبر حتى يعود إلى فلسطين. لم تكن عبارةً شاعرية، بل كانت تعريفًا دقيقًا لمعنى اللجوء؛ فالمنفى لا يُقاس بالسنوات، بل بالوطن المفقود. لكن السؤال الذي بقي يرافق العالم لعقود لم يكن: لماذا لم يكبر حنظلة؟ بل لماذا يدير ظهره؟ skip render: ucaddon_material_block_quote أجاب ناجي العلي بنفسه. يدير حنظلة ظهره لأنه يرفض التصالح مع عالم يقبل الظلم، ويتعايش مع الاحتلال، ويحوّل العدالة إلى سلعة تخضع لموازين القوة. إنه احتجاج دائم، لا على الاحتلال وحده، بل على ازدواجية المعايير التي جعلت القانون الدولي نصًّا يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يتعلق الأمر بالشعوب الضعيفة. ولذلك، لم يعد حنظلة ملكًا للفلسطينيين وحدهم. لقد أصبح رمزًا لكل مَن شعر أن العدالة مؤجلة، وأن الضحية مطالبة دائمًا بإثبات براءتها، فيما يواصل الجلاد تبرير أفعاله بلغة الأمن والسياسة والمصالح. اليوم، تبدو رمزية حنظلة أكثر راهنيةً من أي وقت مضى. فالمشهد الدولي يعيش أزمة أخلاقية غير مسبوقة. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في المؤتمرات، بينما تُختبر هذه الشعارات على الأرض بمعايير مختلفة. يُدان احتلال هنا، ويُبرَّر هناك. تُفرض العقوبات على دول، بينما تُمنح دول أخرى حصانة سياسية مهما بلغت الانتهاكات. وفي خضم هذا المشهد، يقف حنظلة صامتًا، كأنه يقول إن المشكلة لم تكن يومًا في نقص القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها بعدالة. ولعل هذا ما يفسر عودة حنظلة بقوة إلى شوارع العالم خلال السنوات الأخيرة. فقد ظهر على جدران الجامعات، وفي ساحات الاعتصام، وبين آلاف المتظاهرين من لندن إلى نيويورك، ومن جوهانسبرغ إلى سانتياغو. لم يعد مجرد رسم فلسطيني، بل صار اختصارًا بصريًّا لفكرة واحدة: أن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنسان يفقد إنسانيته عندما يقبل الظلم لأنه لا يمسّه مباشرة. كان ناجي العلي يدرك أن الكاريكاتير ليس رسمًا ساخرًا، بل وثيقة سياسية. لذلك كان اغتياله محاولة لإسكات قلم سبق زمنه. غير أن الرصاص الذي أصاب الرسام لم يُصب الشخصية التي ابتكرها. مات ناجي، لكن حنظلة بقي شاهدًا لا يمكن اغتياله، لأن الأفكار لا تُقتل بالرصاص، ولأن الرموز التي تولد من معاناة الشعوب تصبح جزءًا من ذاكرتها الجمعية. واليوم، وبعد كل ما شهدته فلسطين من حروب وحصار ودمار وتهجير، يبدو أن الطفل الذي أدار ظهره للعالم لم يكن غاضبًا من العالم بقدر ما كان خائبًا منه. كان يرى مبكرًا أن العدالة ليست ما يُكتب في المواثيق، بل ما يُمارَس على الأرض. وكان يعرف أن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال المشاركة فيه. ربما لو عاد ناجي العلي اليوم، لما غيّر شيئًا في ملامح حنظلة. سيُبقيه حافي القدمين، كما هو. وسيُبقيه في العاشرة من عمره. وسيُبقيه يدير ظهره. لأن العالم، رغم كل ما يدّعيه من تقدم، لم يمنح ذلك الطفل سببًا واحدًا كي يلتفت. skip render: ucaddon_box_testimonial
تحوّلت مسألة تجديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من إجراء إداري روتيني إلى مواجهة سياسية تعكس الانقسامات المتزايدة داخل الأمم المتحدة بشأن ملفات الحروب وحقوق الإنسان. فالمعارضة التي تبديها كلٌّ من روسيا وإسرائيل، إلى جانب تحفّظات أميركية، تكشف حجم التباين حول أداء المفوضية الأممية في مرحلة أصبحت فيها قضايا حقوق الإنسان جزءًا من الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى. ولاية مثيرة تنتهي الولاية الأولى للمحامي النمساوي فولكر تورك في تشرين الأول المقبل، بعدما أمضى أربع سنوات اتسمت بمواقف أثارت جدلًا واسعًا. فقد انتقد الانتهاكات الروسية في أوكرانيا، ودان العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، كما دعا إلى التحقيق في وفيات مهاجرين داخل مراكز الاحتجاز الأميركية، وأبدى مواقف ناقدة خلال المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رشّحه لولاية ثانية تمتد حتى عام 2030، فإن موسكو تقدّمت باقتراح مضاد يقضي بتمديد محدود حتى نهاية العام الحالي، معتبرةً أن اختيار مفوض جديد ينبغي أن يُترك للأمين العام المقبل. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن مواقف تورك بشأن الحرب في غزة جعلته طرفًا غير محايد، بينما لا تزال واشنطن تتعامل بحذر مع ملف إعادة تعيينه. يحظى تورك بدعم أوروبي واضح، إضافةً إلى تأييد عدد من دول أميركا اللاتينية والاتحاد الأفريقي، الأمر الذي يجعل التصويت المرتقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة اختبارًا جديدًا لميزان القوى داخل المنظمة الدولية، أكثر منه تقييمًا مهنيًّا لأداء المفوض السامي. skip render: ucaddon_material_block_quote الأهمية اللبنانية تبرز أهمية هذا الجدل بالنسبة إلى لبنان بصورة خاصة، إذ يرتبط عمل مفوضية حقوق الإنسان بملفات تمسّ الواقع اللبناني مباشرة، من بينها أوضاع اللاجئين والنازحين، والحريات العامة، واستقلال القضاء، والتحقيق في انفجار مرفأ بيروت، إضافةً إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الأمم المتحدة مرارًا إلى التحذير من تداعياتها على الحقوق الأساسية للمواطنين. كما أن استمرار الحرب في غزة، وما تفرضه من ضغوط أمنية وسياسية على جنوب لبنان، إلى جانب التوترات المتكررة على الحدود، يجعل أي تغيير في قيادة المفوضية السامية موضع متابعة لبنانية، نظرًا إلى الدور الذي تؤديه في توثيق الانتهاكات ورفع التقارير إلى أجهزة الأمم المتحدة المختلفة. لا يخفي هذا السجال حقيقة أعمق تتمثل في أن منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أصبح أكثر عرضةً للاستقطاب السياسي. فكلما اتسعت رقعة النزاعات الدولية، تقلّصت مساحة التوافق حول تعريف الانتهاكات وآليات مساءلة مرتكبيها، ما يجعل استقلالية المفوضية نفسها موضع اختبار دائم. skip render: ucaddon_box_testimonial