تُمثّل هوليوود، منذ نشأتها، ذراعًا أيديولوجية بالغة الأثر في صياغة الوعي الجمعي العالمي، وإعادة رسم التاريخ وفقًا لمصالح القوى المهيمنة على صناعة الإنتاج السينمائي والسياسي في الولايات المتحدة. في قلب هذه المنظومة المعقّدة، برز جيل من صنّاع السينما الذين أتقنوا لعبة «الأجندة الليبرالية» والدفاع الصاخب عن قضايا حقوق الإنسان حول العالم، مقدّمين أنفسهم كأوصياء أخلاقيين على الضمير الإنساني، وعلى رأس هذا الجيل يتربّع النجم والمخرج والمنتج الأميركي جورج كلوني. بطل من ورق لفترة طويلة، احتفت المنصات والمجتمعات العربية والنامية بكلوني كبطل إنساني، نتيجةً لمواقفه في بعض الصراعات الإفريقية، أو لزواجه من المحامية الحقوقية ذات الأصول العربية أمل علم الدين. إلا أن القراءة التفكيكية العميقة لمسيرته السينمائية، ومواقفه الجيوسياسية، وتصريحاته الأخيرة في مهرجان البندقية السينمائي، تكشف عن حقيقة مغايرة تمامًا؛ فنحن لسنا أمام ناشط حقوقي مستقل، بل أمام «صهيوني ناعم» يرتدي قناع الليبرالية لخدمة منظومة هوليوود الاستعمارية، وتوظيف قضايا المظلومية التاريخية لشرعنة سياسات الاحتلال وتقسيم الدول العربية. تاريخيًا، هناك نقاش نقدي مستمر قاده مفكرون كبار مثل إدوارد سعيد في تفكيكه للمركزية الغربية، والمؤرخ نورمان فينكلشتاين في كتابه الأيقوني «صناعة الهولوكوست»، حيث يوضح هذا الفكر النقدي كيف تم تحويل الإبادة الجماعية لليهود على يد النازية من مأساة إنسانية تاريخية إلى «صناعة» تهدف إلى حظر نقد الصهيونية وإسرائيل، وتوفير حصانة أخلاقية دائمة للاحتلال الإسرائيلي، عبر تذكير الغرب والشرق بـ«الذنب الجماعي» تجاه اليهود. skip render: ucaddon_material_block_quote لائحة الصناعة الهولوكوستية ولم يكن جورج كلوني غائبًا عن هذه الصناعة، بل كان مساهمًا بارزًا فيها من خلف الكاميرا وأمامها، مكمّلًا مسيرة أفلام كلاسيكية ترويجية مثل Exodus (1960) وSchindler’s List (1993). ويتجلّى هذا التوظيف الأيديولوجي في فيلمه «رجال الآثار» (The Monuments Men – 2014)، الذي قام بكتابته وإخراجه وإنتاجه وبطولته، متناولًا قصة فرقة من الحلفاء تسعى لإنقاذ التحف الفنية والمقتنيات الثمينة التي نهبها النازيون، حيث يركّز العمل بشكل مكثّف وغير متناسب على إعادة الممتلكات إلى الضحايا اليهود، ليساهم في ترسيخ مفهوم «فرادة المعاناة اليهودية»، وتوجيه الوعي الجمعي الغربي نحو استمرار التعاطف المالي والأخلاقي مع الحركة الصهيونية. هذا البعد الفكري يتقاطع تمامًا مع بطولته لفيلم «الألماني الصالح» (The Good German – 2006)، الذي أعاد صياغة مشهد الدمار وجرائم النازية في بيئة سوداوية تعزّز السردية التقليدية التي تؤكد الذنب الأوروبي/الألماني الجماعي، وهو ذاته الذنب التاريخي الذي استغلّته الحركة الصهيونية ولوبياتها لعقود طويلة لانتزاع الدعم السياسي والمالي غير المشروط لإسرائيل، وتحويل التعويضات الألمانية إلى ميزانيات تسليح لجيش الاحتلال لقمع الشعب الفلسطيني. ملف السودان ولا تقتصر صهيونية كلوني المقنّعة بالليبرالية على الشاشة الفضية، بل امتدت لتصبح أداة تنفيذية في السياسة الخارجية الأميركية الموجّهة ضد العالم العربي. ويبرز ملف السودان كشاهد ملك على كيفية استخدام كلوني لـ«العمل الإنساني» كغطاء لتنفيذ مخططات جغرافية تخدم أمن إسرائيل المطلق. فمن الناحية الاستراتيجية، تقع خطة تقسيم السودان وفصله عن عمقه العربي والإسلامي في قلب الاستراتيجية الصهيونية القديمة، والمعروفة بـ«مشروع برنارد لويس» لتفتيت الدول العربية الكبرى، و«وثيقة يينون» التي رأت في إضعاف وتفتيت مصر والعراق والسودان ضرورة حتمية لضمان الهيمنة الإسرائيلية. وقد أسهم كلوني في هذا المشروع عبر هندسة إعلامية شرسة ركّزت على تصوير النزاع في السودان على أنه صراع ديني وعرقي حتمي بين «شمال عربي مسلم ظالم ومضطهد» و«جنوب مسيحي وإفريقي مظلوم»، وهي قراءة سطحية موجّهة نزعت عن الصراع أبعاده الاقتصادية والقبلية المعقّدة، وشرعنت فكرة الانفصال دوليًا كحل وحيد وأخلاقي للأزمة. ولم يتوقف الأمر عند الخطاب الإعلامي، بل أسّس كلوني عام 2010 مشروع القمر الصناعي الحارس (Satellite Sentinel Project)، بالتعاون مع الناشط الأميركي جون بريندرغاست، مستخدمًا الأقمار الصناعية التجارية لمراقبة الحدود بين شمال السودان وجنوبه، وهو مشروع لم يكن عملًا إنسانيًا بريئًا لحماية المدنيين، بل كان أداة استخباراتية غربية مكشوفة تحت غطاء مدني، هدفت إلى تأمين عملية الاستفتاء، ورسم الحدود الجديدة لدولة جنوب السودان، والضغط على حكومة الخرطوم لضمان انتزاع الآبار النفطية لصالح الشركات الغربية، وحرمان الدولة السودانية من مواردها الأساسية. هذه الحملة الصاخبة حول السودان جمعت تحالفًا نادرًا يكشف طبيعة الأجندة المشتركة، حيث التقت النخبة الليبرالية في هوليوود، المقرّبة من الحزب الديمقراطي واللوبي الإسرائيلي، مع اليمين المسيحي المتطرف «الإنجيليين الصهاينة» في أميركا، والذين ضغطوا معًا بقوة على الإدارات الأميركية المتعاقبة لدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وهو توافق لم يكن ليحدث إلا لأن الهدف النهائي يخدم مصلحة استراتيجية صهيونية عليا، تتمثل في إضعاف الدولة السودانية وتأمين حليف جديد لإسرائيل في منطقة حوض النيل، لإطباق الحصار على الأمن القومي العربي. وفور إعلان استقلال جنوب السودان عام 2011 — والذي احتفل به كلوني كإنجاز شخصي — سقط القناع عن المخطط، إذ كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة وفتحت فيها سفارة، وقام رئيس جنوب السودان سيلفا كير بزيارة فورية إلى تل أبيب لتقديم الشكر لقادة الاحتلال على دعمهم التاريخي للحركة الانفصالية منذ ستينيات القرن الماضي، ليتحوّل جنوب السودان إلى قاعدة نفوذ أمني وعسكري واستخباراتي لإسرائيل في العمق الإفريقي. أما الفضيحة الأخلاقية لكلوني، فتمثّلت في انسحابه التدريجي التام من المشهد فور إتمام التقسيم؛ حيث غرق جنوب السودان سريعًا في حرب أهلية طاحنة ودموية بين قبيلتي الدينكا والنوير، أدت إلى مجاعات فظيعة وجرائم تطهير عرقي ارتكبها القادة ذاتهم الذين دعمهم كلوني وصوّرهم كأبطال حرية، مما أثبت للنقاد أن دور كلوني الإنساني انتهى بمجرد تحقيق الأجندة السياسية والجغرافية المتمثّلة في تفتيت وحدة السودان. الليبرالية الهوليوودية ترفع صوتها أمام المظالم البعيدة، ثم تخفضه عندما تصبح إسرائيل في قفص الاتهام جامع التبرعات لا يمكن فهم هذه المواقف بمعزل عن شبكة المصالح المالية والسياسية التي تربط جورج كلوني بالمنظومة الحاكمة في هوليوود وواشنطن؛ فيُعتبر كلوني أحد أكبر وأبرز جامعي التبرعات للحزب الديمقراطي الأميركي، وهو الحزب الذي يمثّل الوجه الناعم والشريك الأساسي في حماية وضمان التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي. ويتشارك كلوني في هذه الأنشطة وحفلات جمع التبرعات المليونية مع أقطاب الإنتاج في هوليوود المعروفين بولائهم المطلق للمشروع الصهيوني، مثل المخرج ستيفن سبيلبرغ والمنتج جيفري كاتزنبرغ، وهو تحالف عضوي يضمن أن تظل السينما والسياسة تدوران في الفلك الأيديولوجي نفسه، حيث يُمنع تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بأمن إسرائيل وشرعيتها الأخلاقية. وتظهر هنا ازدواجية المعايير الصارخة؛ ففي حين يملأ كلوني الدنيا صخبًا دفاعًا عن ضحايا الحروب في إفريقيا، ويطالب بفرض عقوبات دولية وتدخلات عسكرية، يتّسم موقفه تجاه فلسطين بالصمت المطبق والتحييد التام. هذا الصمت ليس عفويًا، بل هو التزام واعٍ بـ«حدود النقد المسموح به» داخل هوليوود؛ ففي هذه البيئة، يُسمح لك بنقد أي نظام، أو رئيس، أو مجزرة في العالم، باستثناء الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، لأن ثمن ذلك هو الإقصاء التام من شبكات الإنتاج والتمويل والجوائز. داعم لروفالو؟ وتجلّت هذه الصهيونية الناعمة والذكاء الالتفافي لكلوني مؤخرًا في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول 2026، حيث سارع
أخطر رجل في سباق الذكاء الاصطناعي قد يكون الرجل الذي ظنّ الجميع أن إيلون ماسك قد أخرجه من اللعبة. إنه باراغ أغراوال، الرئيس التنفيذي السابق لـ«تويتر»، الذي أقاله ماسك بعد استحواذه على المنصة. بدا المشهد وقتها كأنه نهاية صعود الرجل في وادي السيليكون، لكن أغراوال لم ينسحب من التكنولوجيا، بل انتقل إلى منطقة أقل ضجيجًا وأكثر عمقًا. بينما يتنافس عمالقة التكنولوجيا على إنتاج النموذج الأكثر ذكاءً، اختار أغراوال سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم تكن المعركة الحقيقية على النموذج، بل على الإنترنت الذي سيعمل عليه؟ من هنا جاءت Parallel Web Systems، الشركة التي أسسها لبناء بنية تحتية تجعل الويب أكثر قابلية للاستخدام من جانب وكلاء الذكاء الاصطناعي. skip render: ucaddon_material_block_quote الذكاء الاصطناعي مستخدمًا للإنترنت الإنترنت الذي نعرفه صُمّم للبشر: صفحات نقرأها، ومحركات بحث نستخدمها، وروابط نتنقل بينها. أما وكلاء الذكاء الاصطناعي فيحتاجون إلى شيء مختلف: الوصول إلى المعلومات، واستخراجها ومقارنتها والتحقق منها، ثم تنفيذ سلسلة كاملة من المهام نيابةً عن المستخدم. وهنا يحدث التحول الأهم: الذكاء الاصطناعي ينتقل من مرحلة الإجابة إلى مرحلة الفعل. قد لا يكون المستقبل مجرد مساعد يخبرك بأفضل رحلة، بل وكيل يبحث عن الرحلات، ويقارن الأسعار، ويقرأ الشروط، ويختار الأنسب، ثم ينفذ المهمة. عندها لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد روبوت محادثة، بل يصبح مستخدمًا جديدًا للإنترنت. هذا يفرض إعادة التفكير في البنية التي صُمّم بها الويب أصلًا، لأن الإنترنت الذي يخدم مليارات البشر سيكون مطالبًا بالتعامل أيضًا مع مليارات العمليات التي تنفذها الآلات. لا ينافس ChatGPT… بل ما وراءه لهذا فإن اختزال مشروع أغراوال في سؤال: «هل يستطيع صناعة نموذج أفضل من ChatGPT؟» يفوّت جوهر الرهان. فحتى أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطورًا تحتاج إلى الوصول إلى المعلومات والخدمات والبيانات الموجودة خارجها. ومن يملك الطبقة التي تربط هذه النماذج بالويب قد يمتلك موقعًا لا يقل أهمية عن مَن يملك النموذج نفسه. بدلًا من بناء عقل جديد، يبني أغراوال الطرق التي يمكن أن تتحرك عليها العقول. إذا نجح هذا التصور، فقد لا يحتاج إلى منافسة «أوبن إيه آي» أو غوغل أو أنثروبيك في امتلاك النموذج الأذكى. يكفي أن تصبح منتجات هذه الشركات، وغيرها، بحاجة إلى البنية التحتية التي تجعل وكلاءها قادرين على التعامل مع الإنترنت بكفاءة. هكذا تنتقل المنافسة من سباق على «العقل» إلى سباق على البنية التحتية للعقل. الذكاء الاصطناعي ينتقل من مرحلة الإجابة إلى مرحلة الفعل من مساعد ذكي إلى وكيل مستقل هذا التحول يحمل إمكانات هائلة، لكنه يفتح أيضًا بابًا واسعًا للمخاطر. كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من تنفيذ الأفعال بدلًا من اقتراحها، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: مَن يحدد ما يحق للوكيل فعله؟ كيف نضمن صحة المعلومات التي يعتمد عليها؟ ماذا يحدث عندما يخطئ؟ ومَن يتحمل المسؤولية عندما يتخذ قرارًا نيابةً عن الإنسان؟ المسألة لم تعد تقنية بحتة. إنها تتصل بالأمن والخصوصية والاقتصاد والسيطرة على البيانات، وربما، بشكل متزايد، بمفهوم السيادة الرقمية نفسه. فالإنترنت الذي يتعامل معه البشر يختلف جذريًا عن إنترنت تتحرك داخله ملايين الوكلاء بصورة شبه مستقلة. هل يستطيع تهديد ChatGPT؟ هنا ينبغي الحذر من المبالغة. القول إن تقنية أغراوال «تفوقت على ChatGPT-5» بصورة مطلقة يحتاج إلى أدلة واختبارات مستقلة، ولا يمكن بناء حكم شامل على اختبار أو معيار واحد. لكن أهمية المشروع لا تتوقف على ذلك. فالقيمة الاستراتيجية قد لا تكون في أن يمتلك أغراوال نموذجًا أذكى من نموذج ألتمان، بل في أن يبني طبقة تستخدمها نماذج متعددة للوصول إلى العالم الرقمي. وإذا تحقق ذلك، فإن المنافسة لن تكون بين نموذج وآخر، بل بين مَن يملك البنية التي تسمح للنماذج بالتحرك خارج حدودها. الرجل الذي ظنوه خارج اللعبة ماسك أخرج أغراوال من «تويتر»، لكنه لم يخرجه من وادي السيليكون. وبينما اختار الآخرون الواجهة الأكثر لمعانًا في سباق الذكاء الاصطناعي، ذهب أغراوال إلى طبقة أقل ظهورًا وأكثر استراتيجية: البنية التي يمكن أن تجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا فعليًا من الإنترنت. لذلك قد يكون السؤال الخطأ هو: هل يستطيع باراغ أغراوال هزيمة ماسك أو ألتمان؟ السؤال الأذكى هو: ماذا لو لم يكن يحاول هزيمتهما أصلًا؟ ماذا لو كان يراهن على أن كل هذه النماذج، مهما اختلفت أسماؤها وقدراتها، ستحتاج في النهاية إلى الطريق الذي يبنيه للوصول إلى العالم الرقمي؟ عندها، لن يكون الرجل الذي أقاله ماسك قد عاد إلى اللعبة فحسب، بل سيكون قد انتقل من منافسة اللاعبين إلى محاولة إعادة تصميم الملعب الذي سيلعبون عليه جميعًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يكن الطفل أحمد بدر الدين حسّون، المولود في أزقة حلب القديمة عام 1949 لأمٍّ تُدعى حميدة، يعلم أن مسيرته الممتدة عبر العقود ستنتهي به وحيدًا مرتجفًا داخل قفص اتهام حديدي في محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، يرقب عيون القضاة والمنظمات الحقوقية وهي تُسدل الستار على حياته بحكم السجن المؤبّد مدى الحياة. بين صرخة الولادة الأولى في حارة حلبية محافظة، ووقع مطرقة القاضي فخر الدين العريان في الرابع والعشرين من آب عام 2026، تتكشّف قصة تتتبّع خيوط الانتهازية والتلوّن الديني، وتبحث في الأروقة العتيقة وفي نفوس مريدي التصوف عن اللحظة الدقيقة التي قرر فيها ابن الشيخ الزاهد أن يبيع إرث أبيه للأجهزة الأمنية، ليتحوّل من طالب علم في حواضن الصوفية إلى حذاء تطأ به السلطة رقاب معارضيها. البداية بدأت الحكاية من قرية ياقد العدس في ريف حلب الشمالي الغربي، حيث انحدرت عائلة حسّون قبل أن تقرر الهجرة نحو المدينة بحثًا عن أفق أوسع، ليعمل جدّ المفتي مؤذنًا في جامع حمزة بك، ويسير ابنه محمد أديب حسّون في طريق العلم الشرعي، مستهلًّا رحلته في المدرسة الشعبانية، ثم المدرسة الخسروية العريقة. تنفّس الطفل أحمد حسّون أنفاس التصوف الأولى في بيئة شديدة المحافظة، وكان والده الشيخ أديب نقشبندي الطريقة، خطيبًا وإمامًا لعدد من المساجد، أمضى فيها ستين عامًا من الوعظ التقليدي البعيد كليًا عن مطامع السياسة وصراعات الحكّام، مكرّسًا سنواته الأخيرة لجامع أسامة بن زيد. في نهاية الأربعينيات، كان المشهد الصوفي في حلب يعيش عصره الذهبي؛ إذ لم تكن التكايا والزوايا مجرد مقارّ للدروشة والانعزال، بل شكّلت عصب الحياة الاجتماعية والتجارية، وقاد الشارع آنذاك أقطاب كبار، كالشيخ محمد النبهان، مؤسس المدرسة الكلتاوية في محلة باب النيرب، الذي نجح في حشد آلاف المريدين من تجار المدن وأبناء العشائر على حدّ سواء. وسط هذا العصر الذهبي المليء بالهيبة الدينية والوقار، كبر الطفل أحمد حسّون وهو يراقب التفاف الناس حول والده وحول الشيخ النبهان، غير أن نظراته لم تكن مأخوذة بزهد المتصوفة، بل بالقدرة الهائلة التي يمتلكها هؤلاء الشيوخ على تحريك الجماهير والتأثير في العقول بمجرد اعتلاء المنبر. ومن هنا نبتت البذور الأولى في ذاته؛ بذور رغبة عارمة في الصعود وتجاوز عباءة والده التقليدية المنكفئة، ليرى في السلك الديني منصة نفوذ، لا مسار تعبّد. رحلة إلى القدس! جاءت حرب عام 1967 لتشكّل الصدمة السياسية الأولى للشاب الذي نال لتوّه شهادة الثانوية العامة، وزار القدس في رحلة مدرسية قبيل اندلاع المدافع، حيث تزامنت عودته مع إحكام حزب البعث قبضته الحديدية على مفاصل الدولة والمؤسسات الدينية في سوريا برمّتها. أدرك حسّون، بذكائه النفعي، مبكرًا أن البقاء والتميّز في هذه الغابة السياسية الجديدة لا يتطلبان السير على خطى والده في النزاهة والابتعاد عن السلاطين، بل يتطلبان الولاء المطلق والارتباط العضوي بركائز الحكم. سافر الشاب الطموح إلى مصر ليدرس الأدب العربي والفقه الشافعي في جامعة الأزهر، وحصل هناك على الدكتوراه، التي وظفها عقب عودته إلى حلب في رسم صورة «الشيخ المودرن» المنفتح، الذي يجيد الخطابة بعبارات منسّقة وحجج مائعة ترضي العامة ولا تغضب رجال الأمن والسياسة. وفي تلك الأثناء، كان نظام حافظ الأسد، الذي استولى على السلطة عام 1970، يبني استراتيجيته للسيطرة على المجتمع السوري، مستغلًّا بصورة مكثفة مشهد التكايا والمتصوفة في حلب عبر مقايضة أمنية دقيقة؛ منح بموجبها المشايخ حرية واسعة في العبادة وإقامة مجالس الذكر والتعليم الشرعي، شريطة الانكفاء السياسي التام، وذلك لمواجهة تيارات الإسلام الحركي المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين، وتصدير التصوف بوصفه بديلًا مسالمًا وغير صدامي مع النظام. وجدت انتهازية حسّون الشاب ضالتها في هذا المناخ مع اندلاع أحداث الثمانينيات الدامية، حين اصطدم نظام الأسد عسكريًا بجماعة الإخوان المسلمين بين عامي 1979 و1982، وتحولت أحياء حلب القديمة إلى ساحات للمجازر والحصار. skip render: ucaddon_material_block_quote التحوّل إلى مخبر في الوقت الذي انكفأ فيه علماء أجلّاء خوفًا أو ورعًا، وتعرّض فيه آخرون للتنكيل، قرر أحمد حسّون كتابة عقد ولائه مع أفرع المخابرات العسكرية وأمن الدولة، فتحوّل إلى مخبر يرتدي الجبة والعمامة، يرفع التقارير الأمنية الدورية عن زملائه المدرسين وطلابه في المدرسة الخسروية ومساجد المدينة، واشيًا بكل من بدت عليه ملامح تعاطف وجداني مع الضحايا أو المعارضين. كانت مجازر الثمانينيات، كمجزرة سوق الأحد عام 1980 في حلب، مأساة سقط فيها آلاف من الصوفيين العزّل نتيجة الاشتباه الأمني والحصار العشوائي للأحياء المحافظة، فضلًا عن اغتيال علماء من الطرفين، لكن حسّون لم يرَ في جثث أبناء مدينته سوى درجات في سلّم صعوده الشخصي. كافأه النظام على خدماته بمنحه رخصة التدريس والخطابة في جامع الروضة، الذي يقع في أحد أرقى أحياء حلب ويضم نخبة من رجال الأعمال والتجار، ليتحوّل الجامع تحت رعايته إلى منصة تلميع سياسي وخطابي. فبينما كانت المدافع تدك بيوت المدنيين، كان حسّون يسخّر فصاحته اللغوية لبث روح الاستسلام ومهاجمة الحركات السياسية تحت شعار «درء الفتنة»، مبررًا بصورة غير مباشرة مجازر السلطة، ومشيطنًا ضحاياها باعتبارهم عصابات تخريبية وعملاء للخارج. الجائزة حصد الانتهازي الشاب ثمار هذا المسار سريعًا، فدفع به النظام إلى واجهة المشهد السياسي عام 1990، ليفوز بعضوية مجلس الشعب السوري كمستقل بدعم أمني مباشر، محققًا إثر ذلك أعلى الأصوات في حلب. وهناك، في أروقة البرلمان، أطلق تصريحاته التي تباهى بها علنًا، قائلًا إن «نحن بعثيون بالفطرة»، مرسّخًا فكرة طاعة ولي الأمر، والتنازل عن شرف الموقف الديني مقابل الرضا الأسدي. تدرّج حسّون في المناصب بفضل هذا الولاء؛ فعُيّن مفتيًا لحلب عام 2002، ثم قفز إلى الكرسي الأكبر عام 2005 بقرار مباشر من بشار الأسد، ليصبح المفتي العام للجمهورية السورية عقب وفاة المفتي أحمد كفتارو. وهنا بدأت المرحلة الأكثر قتامة في حياته، إذ لم يعد مجرد مخبر محلي، بل صار الغطاء الديني الرسمي لآلة القتل الأسدية برمّتها. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تجلّت شخصية حسّون في أبشع صورها؛ فوقف مدافعًا عن البراميل المتفجرة التي التهمت أشلاء الأطفال في أحيائه الحلبية القديمة، ووصف قصف المدن وتدميرها بأنه «تحرير». بل وتورّط، بحسب الملفات القضائية، في المصادقة على أحكام الإعدام الجماعية داخل سجن صيدنايا، وخرج مهددًا العواصم الأوروبية ولبنان بإرسال انتحاريين و«استشهاديين» إذا تعرض النظام السوري لأي هجوم خارجي. استمر حسّون في هذا المسار طوال ستة عشر عامًا، حتى قرر بشار الأسد فجأة، عام 2021، إلغاء منصب المفتي العام وإطاحته من دون أسباب واضحة، ليجد نفسه مرميًا على هامش النفوذ بعد أن استهلكت السلطة كل قطرة من ماء وجهه. ومع السقوط التاريخي لنظام الأسد في كانون الأول عام 2024، تبخرت كل وعود «الأبدية»، واختبأ حسّون وسط شائعات متضاربة عن فراره، حتى جاء يوم السادس والعشرين من آذار عام 2025، ليمسك به رجال الأمن الداخلي في مطار دمشق الدولي، وترتطم آماله بالأرض وهو يحاول ختم جواز سفره هربًا نحو الأردن، بادعاء إجراء عملية جراحية.