ليست كل المعارك السياسية تُخاض في البرلمانات أو غرف العمليات أو على شاشات التلفزيون. بعضها يبدأ بعد إطفاء الكاميرات، حين تتحول الذاكرة إلى ساحة تفاوض، ويتحوّل التاريخ إلى مادة خلاف بين من يرويه ومن يوثّقه. هكذا يكشف الإعلامي المصري أحمد منصور جانبًا غير معروف من كواليس تسجيل شهادة وليد جنبلاط لبرنامج «شاهد على العصر»، أحد أشهر البرامج الوثائقية السياسية في العالم العربي. في صيف عام 2024، كانت إسطنبول تحتضن الجلسات الأولى من شهادة جنبلاط التاريخية. اختيار المدينة لم يكن عابرًا؛ فالرجل الذي طالما أبدى اهتمامًا بالتاريخ العثماني وجد في العاصمة السابقة للإمبراطورية فضاءً ينسجم مع مزاجه الفكري وشغفه بالتاريخ، وهو الإرث الذي يربطه أيضًا بعائلته وبجدّه لأمّه، المفكر والدبلوماسي الشهير شكيب أرسلان. ثماني حلقات كاملة أُنجزت بالفعل، وبدا أن المشروع يسير نحو واحدة من أكثر الشهادات السياسية إثارة للجدل في تاريخ البرنامج. لكن وعكة صحية طفيفة دفعت جنبلاط إلى العودة إلى بيروت وتأجيل استكمال التسجيل. كان الأمر يبدو مجرد تأخير عابر، قبل أن يتحوّل إلى أزمة حقيقية. فعندما عاد الحديث عن استكمال الشهادة، وضع جنبلاط شرطًا غير مسبوق: مشاهدة الحلقات الثماني الأولى قبل البث، ومنحه حق حذف أي مقاطع قد يرى أنها تسبب له أو لغيره مشكلات سياسية أو شخصية. هنا اصطدمت رؤيتان مختلفتان للذاكرة والتاريخ. من جهة، كان السياسي اللبناني ينظر إلى الشهادة بوصفها وثيقة حية قد تحمل تبعات مستقبلية في بلد معقّد مثل لبنان، حيث لا تزال الكلمات قادرة على إشعال أزمات بعد سنوات من إطلاقها. skip render: ucaddon_material_block_quote ومن جهة أخرى، كان أحمد منصور يتمسّك بفلسفة تحريرية صارمة تقوم على أن الشهادة، بمجرد تسجيلها، تصبح ملكًا للمؤسسة الإعلامية والجمهور، لا لصاحبها. وهي قاعدة يؤكد أنها طُبّقت على جميع ضيوف البرنامج دون استثناء، مهما كانت مكانتهم أو حساسيتهم السياسية. لم يكن الخلاف حول دقائق تقنية تتعلّق بالمونتاج، بل حول سؤال جوهري: من يملك الرواية بعد أن تُقال؟ صاحبها أم المؤسسة التي وثّقتها؟ رفض منصور الشرط فورًا، فيما أصرّ جنبلاط عليه. ومع تصلّب الموقفين، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، لتنتهي المكالمة بعبارة حاسمة من الزعيم اللبناني: «إذًا لن أكمل تسجيل الشهادة». في عالم السياسة قد يبدو ذلك نهاية القصة. لكن في عالم التفاوض، كانت تلك مجرد بداية فصل جديد. يكشف منصور أن الأزمة لم تدفعه إلى التصعيد أو ممارسة الضغوط. على العكس تمامًا، اختار ما يسميه «إدارة الزمن». ترك الخلاف يبرد، وامتنع عمدًا عن إعادة فتح الملف مباشرة. وبدلًا من الحديث عن الشهادة، عاد إلى الحديث مع جنبلاط في السياسة الإقليمية، وحرب غزة، والتحولات التي تعصف بالشرق الأوسط. كان يعرف أن الرجل، الذي يوصف بأنه أحد أبرز ممثلي مدرسة «الواقعية السياسية» في المنطقة، يملك قراءة خاصة لما يجري خلف الستار، وأن الحوار معه يتجاوز قيمة المقابلة التلفزيونية نفسها. على مدى أكثر من ربع قرن من العلاقة التي بدأت عام 1999، لم تكن اللقاءات بين الرجلين تقتصر على المقابلات الصحفية. كانت تمتد إلى نقاشات مطوّلة حول تحولات المنطقة، وأسرار السياسة اللبنانية، وموازين القوى الإقليمية التي غالبًا ما يتقن جنبلاط استشعار اتجاهاتها قبل الآخرين. لهذا لم يتعامل منصور مع الأزمة باعتبارها معركة كسر إرادات، بل باعتبارها اختبارًا للصبر. وفي الوقت الذي كانت فيه إدارة قناة الجزيرة تتساءل عن أسباب تعثّر المشروع، كان جوابه مختصرًا: «هناك مشكلة أعمل على حلّها». لكن ما الذي حدث لاحقًا؟ وكيف نجح في تجاوز الشرط الذي بدا غير قابل للتفاوض؟ وكيف انتقل جنبلاط من إعلان رفضه استكمال الشهادة إلى السفر إلى الدوحة وإكمال التسجيل؟ الإجابة، وفق ما وعد به أحمد منصور، ستأتي في الفصل التالي من هذه الرواية التي تكشف أن صناعة التاريخ على الشاشة لا تقل تعقيدًا عن صناعة السياسة نفسها، وأن المعارك الحقيقية لا تدور دائمًا أمام الكاميرات، بل غالبًا خلفها.
لم تعد تلة علي الطاهر مجرّد مرتفعٍ في جغرافيا النبطية، ولا اسماً محلياً يعرفه أبناء كفرتبنيت والنبطية الفوقا والقرى المحيطة. مع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، تحوّلت هذه التلة إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الميداني الجنوبي، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع الحسابات العسكرية، وتختصر مساحة صغيرة سؤالاً كبيراً: من يملك المرتفعات، يملك القدرة على مراقبة العمق والتحكم بمسارات التقدّم والانسحاب. تقع تلة علي الطاهر في منطقة النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر عن سطح البحر. وهي تطل على مدينة النبطية ومحيطها، ما يمنحها أهمية لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بموقعها الحاكم وقدرتها على الإشراف على طرقات وممرات وبلدات واسعة. اسم من الذاكرة… وموقع من الحرب تصف مصادر تاريخية الموضع بأنه مزرعة أو قرية مندثرة، بقيت منها آثار ومقام، قبل أن يتحوّل الاسم في الذاكرة الحديثة إلى عنوان عسكري متكرر في محطات المواجهة جنوباً. أما التسمية، فتعود، بحسب الروايات المحلية، إلى مقام يُعرف باسم مقام علي الطاهر. وتورد مصادر تاريخية ومحلية أن المقام ذُكر في سياق «بلاد الشقيف»، وأن عليه قبة، كما ورد ذكره في مؤلفات تناولت بلدات جبل عامل ومقاماته، بينها ما نُسب إلى السيد محسن الأمين في «خطط جبل عامل»، والشيخ إبراهيم سليمان في «بلدان جبل عامل». وتتحدث رواية متداولة عن أن علي الطاهر كان شخصية دينية أو مجاهداً أو قائداً قديماً دُفن في المكان. غير أن التفاصيل الدقيقة حول شخصيته تبقى أقرب إلى الذاكرة الشعبية والمرويات المحلية منها إلى التوثيق التاريخي الحاسم. لماذا التلة مهمة؟ في الحروب، لا تكون المرتفعات مجرد نقاط صامتة على الخريطة. إنها عيون مفتوحة على الميدان. من يسيطر على تلة كهذه يستطيع أن يراقب الطرقات، ويكشف الحركة، ويقيّد الخصم، ويحوّل أي تقدّم بري إلى عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. من هنا برزت علي الطاهر في التقارير الأخيرة كواحدة من النقاط التي حاولت قوات العدو الإسرائيلي التقدّم نحوها، في مقابل إصرار «حزب الله» على منع تثبيت أي واقع عسكري جديد في محيطها. وتزداد حساسية الموقع لأنه يقع شمال نهر الليطاني، أي في منطقة تحمل وزناً سياسياً وعسكرياً خاصاً في أي نقاش حول قواعد الاشتباك وترتيبات الأمن في الجنوب. فالتقدّم الإسرائيلي نحو مرتفع كهذا لا يُقرأ كحركة ميدانية محدودة، بل كمحاولة لامتلاك نقطة رصد وضغط داخل عمق لبناني شديد الحساسية. لذلك، لا تبدو المعركة على علي الطاهر معركة على تلّة فقط، بل على شكل المرحلة التالية: هل تبقى المنطقة خط تماس متحركاً، أم تتحوّل إلى حزام مراقبة ووقائع عسكرية جديدة؟ نقطة اختبار بين الطرفين في المقابل، ينظر «حزب الله» إلى تلة علي الطاهر باعتبارها جزءاً من منظومة دفاعية أوسع في محيط النبطية وكفرتبنيت. وتقول تقارير إسرائيلية إن المنطقة تضم بنى تحتية وأنفاقاً أو منشآت مرتبطة بالحزب، فيما يتحدث الحزب عن محاولات إسرائيلية لاحتلال المرتفع وإفشالها عبر كمائن واستهدافات مباشرة. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الميدانية الأوضح أن التلة تحوّلت إلى نقطة اختبار لقدرة كل طرف على فرض ميزان جديد. رمزية تتجاوز الجغرافيا لكن علي الطاهر ليست موقعاً عسكرياً فقط. للتلة رمزية أعمق في الذاكرة الجنوبية. فهي اسم حاضر منذ عقود، ومرتبط بذاكرة الاحتلال الإسرائيلي السابق وبحروب الجنوب المتعاقبة. ولهذا لا تُقرأ المعركة حولها محلياً كاشتباك على مرتفع فحسب، بل كصراع على معنى السيطرة في منطقة تعرف جيداً أن التلال الصغيرة قد تصنع تحولات كبيرة. بهذا المعنى، تختصر تلة علي الطاهر جانباً واسعاً من حكاية الجنوب اللبناني: تاريخ محلي قديم، مقام وذاكرة، قرى معلّقة على حافة الحرب، وجغرافيا حاكمة تتحول في لحظة إلى هدف استراتيجي. من هنا لا تكمن أهمية علي الطاهر في ارتفاعها وحده، بل في موقعها عند تقاطع الخريطة والرسالة. فهي التلة التي تقول إن الحرب في الجنوب لا تُحسم فقط بالنار، بل أيضاً بالجغرافيا، وبالذاكرة، وبمن يملك القدرة على منع العدو من تحويل نقطة عابرة إلى واقع دائم.
سؤالٌ يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنّه يفتح الباب أمام رحلة طويلة تمتدّ عبر آلاف السنين، من ضفاف دجلة والفرات إلى كروم الزيتون في فلسطين، ومن رؤوس الصيّادين والفلّاحين إلى جباه الثوّار والمناضلين. قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وتحديدًا نحو عام 3100 قبل الميلاد، كان الصيّادون السومريّون في بلاد ما بين النهرين يضعون على رؤوسهم قطعة قماش بيضاء تقيهم حرارة الشمس القاسية. ومع مرور الزمن، خرج هذا الغطاء من عالم الصيد إلى الحقول والأسواق، فارتداه الفلّاحون والتجّار وسائر الكادحين، حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي للرجل العامل في المنطقة. وفي القرن السابع الميلادي، ظهر هذا الشال بصيغة أكثر تطوّرًا في مدينة الكوفة العراقية. هناك اكتسب ملامحه الخاصة؛ قطعة مستطيلة من الكتّان، زُيّنت أطرافها بخطوط هندسية مستوحاة من البيئة المحلية، حتى ارتبط اسمها بالمدينة نفسها، فصار يُعرف بـ«الكوفيّة». لكنّ التاريخ لا يصنعه المنشأ وحده، بل تصنعه أيضًا الشعوب التي تتبنّى الأشياء وتعيد تشكيلها وفق هويّتها ووجدانها. عندما وصلت الكوفيّة إلى فلسطين، وجدت أرضًا عريقة في فنون النسيج والتطريز، وشعبًا يمتلك حسًّا بصريًا فريدًا جعل من الثوب الفلسطيني لوحةً تحكي قصّة المكان والإنسان. أحبّ الفلسطينيون الكوفيّة لبساطتها وعمليّتها، لكنها لم تبقَ كما جاءت. أعادوا صياغتها ومنحوها شخصية جديدة حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من هويتهم الوطنية. skip render: ucaddon_material_block_quote تحوّلت إلى قطعة مربّعة واسعة، تتداخل فيها الألوان البيضاء والسوداء في تناغم بصري لافت. وفي نقوشها قرأ الفلسطينيون حكاياتهم: شبكة الصيد رمزًا للبحر، والخطوط العريضة رمزًا لطرق التجارة والقوافل، وأوراق الزيتون رمزًا للأرض المباركة، فيما بقيت الخيوط المتدلية على الأطراف شاهدةً على معنى الحرية والانعتاق. ومع الزمن، ظهرت نماذج وألوان مختلفة، أبرزها الكوفيّة الحمراء، في تعبير آخر عن التنوّع داخل المشهد الفلسطيني والشامي. وخلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان التمايز الاجتماعي واضحًا في فلسطين كما في كثير من مدن بلاد الشام؛ فأبناء المدن ارتدوا الطربوش الأحمر، بينما بقيت الكوفيّة عنوانًا لأبناء الريف والفلّاحين. ولتثبيتها على الرأس، استُخدم العقال المصنوع من شعر الماعز، فأصبح جزءًا من الصورة التقليدية للفلّاح الفلسطيني. غير أنّ اللحظة التي غيّرت مصير الكوفيّة إلى الأبد جاءت مع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. حين أدرك الفلسطينيون طبيعة المشروع الاستعماري البريطاني وخطر تهجيرهم من أرضهم، اندلعت الثورة في القرى والمدن. كان الثوّار يغطّون وجوههم بالكوفيّة أثناء مواجهة القوات البريطانية، الأمر الذي جعلها علامة يمكن للمحتل أن يتعقّب من خلالها المقاومين. عندها حدث ما هو أبعد من مجرّد تبديل في اللباس. من الكوفة إلى فلسطين… رحلة الرمز خلع أبناء المدن الطرابيش الحمراء، وارتدوا الكوفيّة إلى جانب أبناء الريف، ليس فقط لتضليل سلطات الاحتلال، بل إعلانًا لوحدة المصير والموقف. في تلك اللحظة، سقطت الفوارق بين المدينة والقرية، وارتفعت الكوفيّة فوق الجميع بوصفها راية شعب، لا مجرّد قطعة قماش. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الكوفيّة زيًّا تقليديًا فحسب، بل أصبحت رمزًا سياسيًا ووطنيًا وإنسانيًا. ارتداها المناضلون والقادة والمثقفون، وحملت معها رواية شعب يناضل من أجل أرضه وكرامته وحقّه في البقاء. ومع كل محطة مفصلية في تاريخ فلسطين والمنطقة، تعود الكوفيّة إلى الواجهة. تظهر في المظاهرات، وفي ساحات التضامن، وعلى منصّات الموضة العالمية. تتغيّر الأشكال والأساليب، لكنها تحتفظ دائمًا بجوهرها ومعناها الأول. صحيح أنّ جذور الكوفيّة التاريخية تمتدّ إلى حضارات أقدم من فلسطين، لكنّ الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنّ الفلسطينيين هم مَن منحوا الكوفيّة روحها الحديثة ومعناها الإنساني العميق. فمن دون فلسطين، ربما كانت ستبقى مجرّد غطاء للرأس، أمّا معها فقد أصبحت رمزًا عالميًا للكرامة والصمود والحرية. skip render: ucaddon_box_testimonial