امتد عمر الإمبراطورية الرومانية لقرون طويلة، حيث بسطت هيمنتها على مساحات شاسعة شملت ثلاث قارات، وحولت البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة رومانية خالصة، حتى أصبحت جميع الطرق تؤدي إلى روما، في دلالة على مركزيتها المطلقة. فرضت روما سلطتها بقوة عسكرية حاسمة، فلم تكن هناك قوة في ذلك العصر قادرة على تحدي هيمنتها أو الوقوف في وجه نفوذها. وتُعد قرطاجة، المدينة التي كانت تنافسها على السيادة البحرية، مثالاً واضحاً على ذلك. فبعد انتهاء الحروب البونيقية، قامت القوات الرومانية بتدمير المدينة تدميراً شاملاً، حيث قُتل رجالها، واستُعبدت نساؤها وأطفالها، وأُحرقت مبانيها ومعابدها حتى سويت بالأرض. وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الرومان قاموا بنثر الملح على أراضيها لمنع الزراعة فيها، في عمل يعكس رغبتهم في محو أي أثر لعدوهم اللدود. أما الشعوب التي خضعت لسيطرتها، فقد تحول الكثير من أفرادها إلى عبيد يتم بيعهم وشراؤهم في الأسواق. وعندما اندلعت ثورة العبيد الشهيرة بقيادة سبارتاكوس، التي طالبت بالحرية والكرامة الإنسانية، كان رد روما قاسياً، حيث تم صلب ستة آلاف من الثوار على طول الطريق الممتد بين مدينتي كابوا وروما، في مشهد يعبر عن مدى قسوة الدولة في التعامل مع من يهدد نظامها. لم تقتصر ممارسات القوة على الحروب والاستعباد، بل امتدت لتشمل أشكالاً من الترفيه العام التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بحضارتها، وأبرزها مدرج الكولوسيوم. لم يكن هذا الصرح العظيم مسرحاً للفن أو الفكر، بل كان حلبة للمصارعة والقتال حتى الموت، حيث كان يُلقى بالآلاف من أسرى الحرب والعبيد والمجرمين لمواجهة وحوش ضارية، وسط هتافات الجماهير. لقد كانت هذه المشاهد الدموية جزءاً من الحياة اليومية في روما، ووسيلة لإرضاء العامة وتوجيه انتباههم. وكان مصير كل من حاول مقاومة الإمبراطورية هو الهزيمة والإذلال. فزنوبيا، ملكة تدمر التي تحدت روما، تم اقتيادها كأسيرة في شوارع العاصمة، وهنيبعل، القائد القرطاجي العظيم، أمضى نهاية حياته مطارداً ومنفياً. لقد كانت رسالة روما واضحة: كل من يسعى إلى الاستقلال سيواجه القوة الساحقة للإمبراطورية. كما قامت روما باستغلال موارد الشعوب التي احتلتها، ومصر خير مثال على ذلك. فبعد سقوطها في قبضة الرومان، تحولت إلى “سلة غلال” للإمبراطورية، حيث كان أهلها يزرعون الأرض لتأمين القمح لروما، بينما كانوا يعانون هم أنفسهم من وطأة الضرائب الباهظة التي كانت تُجبى بالقوة. ومن كان يعجز عن الدفع، كان مصيره السجن أو الاستعباد. في خضم هذا الواقع، ظهرت قوة جديدة من شبه الجزيرة العربية مع بزوغ فجر الإسلام. حمل رجال هذا الدين الجديد نظاماً قانونياً وأخلاقياً مختلفاً، وسعوا إلى إرساء مبادئ العدل والمساواة. وفي سلسلة من المعارك الحاسمة، تمكنت الدولة الإسلامية الناشئة من تحقيق انتصارات كبيرة على الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية)، مما أدى إلى نهاية سيطرتها على أجزاء واسعة من العالم القديم، وبداية عصر جديد أعاد تشكيل خريطة القوى العالمية.
حين تتسلّلُ التكنولوجيا إلى قلبِ المأساةِ الإنسانية، يصبحُ السؤالُ الأخطر، من يملكُ مفاتيحَ البيانات هو من يتحكم بالفلسطينيين… من دون بنادق.من هنا تبدأ قصةُ المديرةِ العامّةِ لوكالةِ “الأونروا” في لبنان، دوروثي كلاوس، التي تحوّلت خلال عقدينِ من باحثةٍ أكاديميةٍ هادئةٍ إلى شخصيةٍ جدليةٍ تتقاطعُ عندها خيوطُ المال والسياسة والأمن والتكنولوجيا، في أكثرِ الملفاتِ حساسيةً في الشرق الأوسط: ملفّ اللاجئين الفلسطينيين يحاولُ تقريرٌ صدر عن “اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني” رسمَ ملامحِ وجهِ تلك الألمانيةِ الوافدةِ إلى بلادِنا، وفي جعبتِها الكثيرُ، كما يحاول استشرافَ الأوجهِ المتعدّدة التي تختفي خلف هذا الوجه تحت عناوينَ ومسمياتٍ كثيرة، لا بدّ من التعرّفِ عليها والتنبه لها، في واحدةٍ من أكثرِ أوقاتِنا حساسيةً ودقة. مسارٌ يُثيرُ التساؤلاتتنحدرُ كلاوس من ألمانيا، وتحملُ خلفيةً أكاديميةً تبدو للوهلةِ الأولى رصينة:• ماجستير في الأنثروبولوجيا والفلسفة من جامعة Freie Universität Berlin.• ماجستير في المساعدة الإنسانية.• دكتوراه في الجغرافيا من جامعة Ruhr-Universität Bochum عام 2003، بأطروحةٍ بعنوان:“Where to Belong? Palestinian Refugees in Lebanon”.أطروحتُها تناولت اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من منظور اجتماعي–مكاني، لكنها عُرضت بروحٍ تحليلية “باردة”، تختزلُ معاناةَ الشتاتِ في أسئلةِ الانتماءِ والإدماج، دون التطرّقِ إلى العدالةِ أو حقِّ العودة.وما يثيرُ الانتباه أنّ جامعةَ بوخوم الألمانية التي منحتها الدكتوراه، ترتبطُ بشراكاتٍ بحثيةٍ مع مؤسَّساتٍ إسرائيليةٍ مثل جامعةِ تل أبيب، وتشترط—بحسب التقرير—مناقشةَ رسالةِ الدكتوراه أمامَ الجامعتين معًا، ما يفتحُ البابَ للتساؤل:هل انعكسَ ذلك لاحقًا على رؤيتِها الأكاديمية داخلَ الأونروا للملفِّ الفلسطيني؟ تحت شعار “الشفافية والمساءلة”، فرضت كلاوس نموذجَ إدارةٍ أقربَ إلى شركاتِ الاستشارات التقنية الأوروبية منهُ إلى مؤسسةٍ إنسانية، حيث يُقاس النجاحُ بعدد التقارير الرقمية… لا بعددِ الأسر المنقذة من الإغاثة إلى البيروقراطية الذكية بدأت كلاوس مسيرتَها الأممية عام 2000 في “اليونيسف” – اليمن كموظفةٍ شابةٍ في التخطيطِ والبرمجة، ثم شغلت مناصبَ في آسيا وإفريقيا، قبل أن تنضمَّ إلى الأونروا عام 2014 كنائبةِ مديرِ برامجِ الأردن. في عام 2017، تولّت إدارةَ برنامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية، أحد أكثر برامج الوكالة حساسيةً، إلى أن رُقّيت في فبراير 2023 إلى منصب مديرة “الأونروا” في لبنان. لكن هذا الصعود لم يكن انتقالًا وظيفيًا عاديًا. فمنذ تولّيها المنصب، تغيّر وجهُ “الأونروا” في لبنان، إذ تحوّلت من وكالةٍ إغاثيةٍ تقليدية إلى مختبرٍ للرقمنة الإنسانية، مشروعٌ طموح يُسوَّق تحت شعار “التحوّل الرقمي”، لكنه يُعيدُ صياغةَ العلاقةِ بين اللاجئِ الفلسطيني والمؤسسة، في نموذجٍ جديدٍ من الإدارة الرقمية للسكان. تحوُّلُ المانحِ إلى مُوجِّه كلاوس، بحكمِ جنسيتِها وصلاتِها الدبلوماسية، نجحت في جذبِ تمويلٍ ألمانيٍّ واسعٍ لبرامج الأونروا في لبنان. وُقّعت اتفاقاتٌ عدّة مع بنك التنمية الألماني KfW لدعم مشاريع البنى التحتية والتعليم والخدمات الاجتماعية. غير أنّ هذه الاتفاقات جاءت مشروطةً بأنظمةِ إبلاغٍ ومراقبةٍ رقمية دقيقة، وعليها تساؤلاتٌ عدّة حول جدواها وأهدافها. تحت شعار “الشفافية والمساءلة”، فرضت كلاوس نموذجَ إدارةٍ أقربَ إلى شركاتِ الاستشارات التقنية الأوروبية منهُ إلى مؤسسةٍ إنسانية، حيث يُقاس النجاحُ بعدد التقارير الرقمية… لا بعددِ الأسر المنقذة. بمعنى آخر: المعاناةُ تحوّلت إلى بيانات، والفقرُ أُعيد تصنيفُه كمعطى إحصائي أكثر منه مأساةً إنسانية. ويبقى السؤال الأساس: هل أصبحَ التمويلُ الإنساني وسيلةً لضبطِ المجتمعات الفلسطينية تحت غطاء التحقق الرقمي، واستخلاص بياناتٍ تُستخدم في مشاريعَ تتقاطعُ مع شطبِ قضيةِ اللاجئين وحقِّ العودة؟ الوجهُ الخفيُّ للمكننة والتحقّق الرقميمن أكثر مشاريع كلاوس جدلًا هو مشروع التحقّق الرقمي والمكننة، الذي يهدف—نظريًا—إلى تحديث سجلات اللاجئين وتجنّب الازدواجية في المساعدات. لكن عمليًا، يُطلب من كلّ لاجئ إثبات هويته رقميًا عبر البصمة أو الصورة أو رمز إلكتروني للحصول على المساعدة النقدية أو الغذائية.هذا النظام يولّد قاعدةَ بياناتٍ مركزية ضخمة تتضمن معلوماتٍ شخصيةً عن مئات آلاف اللاجئين: أماكن السكن، أفراد العائلة، الحالة الاجتماعية، الوضع الاقتصادي، وأنماط الاستهلاك…ولا آلية شفافة توضّح من يملك حق الوصول، أو كيف تُستخدم، أو إن كانت تُشارك مع جهات مانحة أو استخباراتية.في بعض المخيمات، كـ عين الحلوة و برج البراجنة، تحدّثت أُسرٌ عن حجبِ مساعداتٍ بسبب “أخطاءٍ في التسجيل”، ما جعل الحقَّ الإنساني يتحوّل إلى امتيازٍ تقنيٍّ مشروط. الشفافية أم المراقبة الناعمةيصفُ الخطابُ الرسمي للأونروا مشروعَ المكننة بأنه “نقلةٌ نوعية نحو الشفافية”.لكنّ مراقبين يرون فيه بدايةَ نظام مراقبة ناعم، يستبدل الزياراتِ الميدانية بواجهاتٍ إلكترونية، ويراقبُ حياةَ اللاجئين من خلف الشاشات، ولمصلحةِ مَن؟حتى المسوح الاجتماعية بإشراف كلاوس—مثل Lebanon Socioeconomic Survey (2023)—جمعت بيانات دقيقة عن العمل والهجرة والعلاقات العائلية، ما أثار مخاوفَ من تحوّل اللاجئين إلى حقول تجارب لسياساتٍ تقنية أوروبية في إدارة السكان.وهكذا، أصبحت “الهُوية الرقمية” أداة إعادة تعريف للوجود الفلسطيني، لا كجماعةٍ بشريةٍ لها حقوق… بل كـمجموعـة بيانات قابلة للمراقبة والتحليل. إدارةُ الأزمة بدلَ حلّها في الإعلام، تظهر كلاوس كإداريةٍ مُنضبطة تتحدث بلغةٍ دبلوماسيةٍ محايدة. لكن خلف هذا الهدوء، تتعالى أصواتٌ داخل الأونروا نفسها تتحدث عن: تضييق على المبادرات الفلسطينية المستقلة داخل المخيمات. إحالات متكررة إلى “إجازةٍ إدارية” لموظفين منتقدين للسياسات الجديدة. تشديد غير مسبوق على مبدأ “الحياد”، الذي يُستخدم—بحسب موظفين—كذريعةٍ لتكميم الأصوات. هكذا تتحوّل الأونروا إلى جهاز إدارة أزمات أكثرَ منها وكالةً تنموية، وتتحوّل “الحيادية” إلى شكلٍ من أشكال الانضباط السياسي المقصود. الحدود الضبابية وجود كلاوس في لبنان يضعُها وسطَ معادلةٍ معقّدة تجمع: اللاجئين الفلسطينيين، الدولة اللبنانية، الفصائل، والمانحين الأوروبيين. وأيّ اختلال قد يتحول إلى أزمة سياسية أو أمنية. في عام 2023، حين صرّحت بأن “جماعات مسلّحة تحتل منشآت الأونروا في عين الحلوة”، بدا التصريحُ لأول وهلة تحذيرًا إنسانيًا… لكنه حمل أيضًا رسالةً سياسية مزدوجة: توجيهُ اللوم إلى الفصائل داخل المخيم، وتبريرُ التشدد الإداري باسم الأمن. وبينما تواجه الأونروا اتهاماتٍ إسرائيلية–أميركية بتورّط موظفين مع حماس، اتهمت منظمة UN Watch كلاوس بـ“إخفاء معلومات” حول موظفين مرتبطين بفصائل فلسطينية، وهو ما نفته رسميًا. لكن الحادثة كشفت هشاشةَ مفهومِ “الحياد”، وبرّرت الذهابَ بعيدًا في استهداف الانتماء الوطني للعاملين. تبدو دوروثي كلاوس نموذجًا جديدًا من الإداريين الدوليين الذين يجمعون بين الإنسانية والرقمنة، لكن في بيئةٍ مشبعة بالسياسة والأمن. إتحاول—كما يبدو—إعادة تعريف العمل الإغاثي… لكن النتيجة قد تكون إعادة تعريف اللاجئ نفسه: من إنسانٍ له حقوق… إلى رقمٍ داخل قاعدة بيانات. ويبقى السؤال الجوهري: هل هذه التحولات تحديثٌ ضروري؟ أم شكلٌ جديد من السيطرة الناعمة على المجتمعات تحت مسمى “التحقّق الرقمي”؟ بين الملفات الأكاديمية والبرامج الرقمية، وبين بيروقراطية الأونروا ومآسي المخيمات، تقف دوروثي كلاوس كوجهٍ يعكس مرحلةً انتقالية في تاريخ الوكالة: من الإغاثة إلى الإدارة، ومن المساعدة، إلى المراقبة، ومن المراقبة إلى …؟ إنها تمثّل تحوّل “الإنسانية المؤتمتة”: حيث تُدار حياةُ اللاجئين ببرمجيات، وتُقاس المأساةُ بالبيانات، وتُحكَم المخيمات… لا بالقوة، بل بالأرقام.
لِعُقودٍ طويلة، رسَّختِ الكتبُ المدرسيةُ في شتّى دولِ العالم صورةَ كريستوفر كولومبوس كرحّالةٍ جريءٍ منحتهُ شجاعتُهُ شرفَ “اكتشافِ العالمِ الجديد”. وعلى هذا الأساس، احتُفِيَ به كبطلٍ قوميٍّ في الولايات المتحدة وغيرها من بلدانِ الأمريكيتين. لكنْ مَن يتعمّقْ في دراسةِ التاريخِ ووثائقهِ، سيجدْ أنَّ الحقيقةَ أكثرُ تعقيدًا وقَتامَة، وأنَّ ثمّةَ جانبًا مُظلِمًا لرحلاتِه الاستكشافيةِ التي غيَّرت وجهَ العالم فهل كان كولومبوس مُكتشِفًا شجاعًا حقًّا، أم غازيًا طمّاعًا؟ وكيف تعاملَ هذا الرحّالةُ الإيطاليُّ معَ السُّكانِ الأصليين للمناطقِ التي وَطِئتْها قدماه؟ وكيف أسهمتْ رحلاتُهُ في تشكيلِ العالمِ الحديثِ بكلِّ ما يحملُهُ من إرثٍ دمويٍّ؟ صفقةٌ مُربحةٌ بعد الرفض وُلد كريستوفر كولومبوس في مدينةِ جَنْوةَ الإيطالية عامَ 1451، ولا يُعرَف الكثيرُ عن سنواتِ حياتهِ الأولى. ما يذكرهُ المؤرخون أنّهُ عملَ بحّارًا وتاجرًا قبل أن يصبحَ مهووسًا بفكرةِ اكتشافِ طريقٍ بحريٍّ غربيٍّ يُؤدّي إلى الصين والهند وجزرِ آسيا الزاخرةِ بـ”الذهبِ والتوابل”. في ذلك الوقت، لم يكن الأوروبيون يعرفون طريقًا بحريًا مباشرًا إلى آسيا، إذ كان الطريقُ الوحيدُ يمرُّ عبر مصر والبحر الأحمر، وكان يخضعُ هو وغيره من الطرق البرّية لسيطرةِ الإمبراطوريةِ العثمانية. وعلى عكسِ ما تُروّجُ لهُ الأساطيرُ، كان غالبيةُ المتعلّمين في عصرِ كولومبوس يُدرِكون أنَّ الأرضَ كروية. لم يُرِدْ كولومبوس إثباتَ كرويةِ الأرض، بل كان يريدُ إثباتَ إمكانيةِ الإبحارِ حولها، وهي الرحلةُ التي قلّل من مسافتها الحقيقية. فقد كان يظنُّ، كغيرهِ في ذلك الزمن، أنّ حجمَ الأرضِ أصغرُ بكثيرٍ مما هو عليه في الواقع، ولم يكن على درايةٍ بوجودِ المحيطِ الهادئ. وعلى مدى قرابةِ عشرِ سنوات، حاول كولومبوس إقناعَ ملوكِ أوروبا بتمويلِ رحلتهِ المُكلفة. فقد حاول في عام 1484 الحصولَ على دعمِ ملكِ البرتغال يوحنا الثاني، لكنَّ خبراءَ الملك ارتأوا أنَّه لم يكن يُدرِك المسافةَ الهائلةَ التي سيتعيّن عليه الإبحارُ فيها. وبعد ثلاثِ سنوات، طلب مساعدةَ ملكِ إنجلترا هنري السابع وملكِ فرنسا شارل الثامن، لكن دون جدوى. كما قوبل بالرفض من قبلِ ملكِ إسبانيا فرديناند والملكة إيزابيلا عامَ 1486، ولكنهما عادا ووافقا على تمويلِ رحلتهِ الاستكشافية عامَ 1492. نصَّ الاتفاقُ الذي أبرمهُ كولومبوس مع فرديناند وإيزابيلا على منحهِ لقبي “الأدميرال البحري” و”الحاكم العام” لأي أرضٍ يكتشفها. كما نصَّ على أنَّ لهُ الاحتفاظَ بنسبةِ عشرةٍ في المئة من أيِّ ثرواتٍ يعثرُ عليها في المناطقِ الجديدة، سواء كانت ذهبًا أم فضّةً أم أحجارًا كريمةً أم لآلئ. ولعلَّهُ كانتْ لكولومبوس نوايا نبيلة تتعلّقُ باكتشافِ عالَمٍ جديد، لكنَّ الاتفاقيةَ التي أبرمها تدلِّل على أنَّه كان أيضًا رجلَ أعمالٍ هدفُهُ تحقيقُ الربحِ وجمعُ الثروات. في الثالثِ من أغسطس عامَ 1492، أبحرت بعثةُ كولومبوس التي ضمّت ثلاثَ سفنٍ صغيرة من ميناء بالوس الإسباني. وفي 12 أكتوبر، وصل إلى إحدى جزرِ البهاما، على الأرجحِ جزيرة سانْ سالفادور. وفي وقتٍ لاحقٍ من الشهر نفسه، تمكّن من رصدِ جزيرةِ كوبا التي اعتقد أنها برُّ الصين. وفي ديسمبر، وصلت بعثتهُ إلى جزيرةِ هيسبانيولا في بحر الكاريبي (هايتي وجمهورية الدومينيكان حاليًا)، التي ظنّ أنها اليابان، وأنشأ هناك مستعمرةً صغيرة مكوّنةً من 39 من رجاله. عاد الرحّالةُ إلى إسبانيا في مارس عامَ 1493، واستُقبِل استقبالَ الأبطال في البلاط الإسباني. قام كولومبوس بثلاثِ رحلاتٍ استكشافيةٍ أخرى إلى “العالمِ الجديد”، حيث بلغ العديدَ من جزرِ الكاريبي وخليج المكسيك وأمريكا الجنوبية والوسطى، لكنه لم يصل إلى أمريكا الشمالية كما يظن البعض. لم يُحقِّق كولومبوس هدفهُ الرئيس، وهو اكتشافُ طريقٍ يصلُ أوروبا بمدنِ آسيا العظيمة، وإنْ كان يُصرُّ في خطاباتهِ إلى ملكِ إسبانيا على أنه يستطيعُ الوصولَ إليها إذا واصل الإبحار عبرَ المحيطِ الأطلسي. توفي الرحّالةُ الشهيرُ عامَ 1506 في إسبانيا قبل أن يُدرِك نطاقَ ما حقّقه. فقد اكتشف عالمًا جديدًا استعمرهُ الأوروبيون واستغلّوا ثرواتِه، تلك الثروات التي ساعدتْ على جعلِ إسبانيا الدولة الأغنى والأكثر نفوذًا في العالم خلالَ القرن التالي. لكنه أيضًا فتح البابَ لقرونٍ من الاستعمار الوحشيِّ وتجارةِ العبيدِ عبر المحيط الأطلسي، فضلًا عن موتِ الملايين من سكانِ أمريكا الأصليين. تشير المراجعُ التاريخية إلى العديد من الجرائم التي ارتكبها كولومبوس ورجاله في حقِّ السكانِ الأصليين، من اغتصابِ النساء والخطفِ والاستعباد إرثٌ مُدمّر… الوجهُ المُظلِم للرحّالة خلال رحلته الأولى، أمضى كولومبوس شهورًا في البحث عن الذهب وغيره من الكنوز التي وعد بها رعاته الإسبان، لكنه لم ينجح في العثور على الكثير مما يستحقُّ الذكر. عاد إلى إسبانيا في يناير عامَ 1493، تاركًا وراءه بضعةَ عشراتٍ من رجاله في جزيرة هيسبانيولا. دوَّن كولومبوس في مذكراتهِ تفاصيلَ رحلتهِ الأولى، متحدثًا عن الكثير من الأمور، من الحيوانات والطيور إلى أنماطِ الطقس ومزاجِ رجاله. لكنَّ الصادمَ أنه سجّل انطباعاته الأولى عن السكانِ المحليين المسالمين، وأخذَ يُسوِّقُ الأسباب التي جعلتْه يرى أنه يجبُ استعبادُهم. وحين عاد كولومبوس بعد ستة أشهر إلى الأمريكيتين، وجد أنَّ مستعمرةَ هيسبانيولا قد دُمِّرت، فترك شقيقَيْهِ بارتولوميو ودييغو لإعادة بنائها إلى جانب عددٍ من طاقمِ سفنِه ومئاتٍ من السُّكانِ الأصليين الذين استعبدهم. ثم توجّه غربًا يُواصِلُ بحثهُ غير المثمر عن الذهب. وبَدَلًا من الذهبِ والثرواتِ المادية التي وعد بها حكامَ إسبانيا، أرسل حوالي 500 من الأشخاص “الهنود” الذين استعبدهم إلى الملكة إيزابيلا. غضبت الملكةُ بشدة لأنها كانتْ تعتبر هؤلاء الأشخاص رعايا للتاج الإسباني ممن يمكن إقناعهم باعتناق الديانةِ المسيحية، وعنّفت كولومبوس لتجاهلهِ أوامرها بحسن معاملتهم، وأمرت بتحرير الأسرى وإعادتهم إلى موطنهم. وفي عامَ 1498، أبحر كولومبوس غربًا عبر المحيطِ الأطلسي للمرة الثالثة. زار ترينيداد وبَرَّ أمريكا الجنوبية قبل أنْ يعود إلى مستعمرةِ جزيرة هيسبانيولا ليجد أنَّ المستوطنين الإسبان نفّذوا انقلابًا دمويًا ضدَّ سوء الإدارةِ والوحشيةِ التي اتسم بها حكمُهُ وحكمُ شقيقيه للجزيرة. بلغت الأوضاعُ درجةً شديدةً من السوء دفعت السلطاتِ الإسبانية إلى إرسال حاكمٍ جديد للمستعمرة. إبادة الشعوب كان السكانُ الأصليون من “التاينو” يُجبرون على البحثِ عن الذهب والعمل في المزارع، وفي غضونِ ستين عامًا من هبوطِ كولومبوس على الجزيرة، تعرّض شعبُ التاينو للإبادة، ولم يَتَبقَّ منه سوى بضعِ مئاتٍ بعد أنْ كان عددُهم يُقدَّر بنحو ربعِ مليون نسمة. وتشير المراجعُ التاريخية إلى العديد من الجرائم التي ارتكبها كولومبوس ورجاله في حقِّ السكانِ الأصليين، من اغتصابِ النساء والخطفِ والاستعباد، إلى قطعِ أذنِ أحدهم انتقامًا من قومه لعدمِ مساعدتهم الإسبان في عبورِ أحد المجاري المائية، وإجبارِ كلِّ من تزيدُ أعمارُهم عن أربعةَ عشرَ عامًا على جمعِ الذهب أو القطن وإلّا واجهوا القتل، ما دفع عشراتِ الآلافِ من السكانِ الأصليين إلى الانتحار. كما كان يسيءُ معاملةَ الأوروبيين الخاضعينَ لحكمه. اعتُقِل كولومبوس وأُعيدَ إلى إسبانيا مُكبَّلًا بالأغلال عامَ 1500 بعد أنْ أرسلت الملكةُ إيزابيلا مندوبًا إلى هيسبانيولا للتحقيق في اتهاماتِ الاستبداد وسوء الإدارة والتصرّفات الوحشية. وبحلول عامَ 1502، كان قد بُرِّئت ساحتهُ من غالبيةِ التهمِ الخطيرة، وإنْ كان قد جُرّد من الألقاب التي مُنحت له في السابق. تمكّن كولومبوس من إقناعِ التاجِ