skip render: ucaddon_box_testimonial يُشاع أنّ الطائفة السنّية مظلومةٌ أو مستضعفةٌ اليوم بسبب ضعف قادتها أو غيابهم، أو بسبب خضوعهم لإملاءاتٍ خارجية. غير أنّ المشكلة، في حقيقتها، أعمق من ذلك بكثير؛ فجوهرها يكمن في ترهّل المؤسسة الدينية الأولى في الطائفة، من رأس هرمها إلى أصغر مفتٍ فيها، إلا من رحم ربّي. فدار الفتوى، التي يترأّسها سماحة المفتي «اللطيف»، اكتفت بتصاريح عامّة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وكأنّ اللطف الذي يُحسَب صفةً نبيلة قد انقلب، في هذا الملف، ليونةً تُضعف موقف الطائفة وتُؤخّر إنصاف أبنائها. فمؤسسةٌ ترفع شأن أمثال خلدون عريمط، «مفتي أبو عمر»، ولا تُحرّك ساكنًا في ملفات الأوقاف المهدورة، لن تكون معنيّةً بنصرة الحقّ يوم يُستنصَر. إنّ دار الفتوى ليست هيئةً استشاريةً تُصدر بياناتٍ من بعيد؛ هي مرجعيّةٌ روحية وسياسية في آنٍ معًا، تملك من الأدوات ما يكفي لقلب موازين أيّ ملفّ داخلي. ولنا في تجربة بكركي في عهد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير خير شاهد؛ ففي ظلّ الوصاية السورية، يوم نُفي العماد ميشال عون وسُجن الدكتور سمير جعجع، لم تكتفِ بكركي بالبيانات، بل كانت رأس الحربة في مشروع رفع الظلم عن المسيحيين، وأصدرت «نداء المطارنة الموارنة» في أيلول 2000، الذي أعاد ترتيب المعادلة الوطنية بأسرها. وما لقاء البريستول الشهير، الذي جمع المعارضة اللبنانية على اختلاف ألوانها، ثمّ ما أعقبه من انتفاضةٍ شعبية بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، انتهت بخروج الجيش السوري من لبنان، إلا ثمراتٌ نضجت من تلك الشرارة التي أطلقتها بكركي يوم قرّرت أن تكون مرجعيّة لا منبرًا. تلك هي المرجعية التي تُدرك حجمها وتستعمل أدواتها. أمّا اليوم، فدار الفتوى تملك ما هو أوفر: خطبة جمعة موحّدة، اعتكافٌ رمزي، نداءٌ علنيّ للمحامين السنّة للترافع تطوّعًا عن الموقوفين، ولقاءٌ مع المراجع الروحية الأخرى تحت سقفٍ وطنيّ جامع. كلّ ذلك ممكنٌ في يومٍ واحد لو وُجدت الإرادة. لكنّ المؤسسة المثقلة بحسابات الترضيات والمحاصصة باتت أعجز من أن تُحرّك ما تملك. فالعجز هنا ليس في الطائفة، بل في من تصدّر لتمثيلها. فلو كنّا رجالًا، أي لو كانت المؤسسة في مستوى أبنائها، لتغيّر مسار هذا الملف بالكامل. فالطائفة السنّية ليست عاجزةً، بل مكبّلة اليدين بمؤسسةٍ لا تتقدّم خطوةً واحدةً نحو الحقّ الذي تنطق باسمه. وقد قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». والتغيير المنشود يبدأ من رأس المؤسسة قبل أن يُطلب من القاعدة. وهذا البلد، كالعالم بأسره، لا يعترف إلا بالقوة والمهابة؛ بأصواتٍ تعلو من المنابر، وبشوارع تنبض بأهلها، وبمواقف لا تُساوَم. ويوم تستعيد دار الفتوى دورها الحقيقي، سيكتشف من ظنّ أنّ الجمر قد خَمَد أنّ تحت الثلج نارًا، وأنّ السنّة في لبنان قادرون، متى أُحسن قيادهم، على إعادة رسم المعادلة من جديد.
skip render: ucaddon_box_testimonial على مدى أشهر، كانت وثائق الفلسطينيين تُهرَّب سرًا من غزة والقدس الشرقية إلى الأردن، ليس خوفًا من كارثة طبيعية أو زلزال، بل خوفًا من حرب يعرف العالم كله من يشنّها، ويعرف من يدفع ثمنها، ثم يختار، رغم ذلك، الاكتفاء بالمشاهدة وإصدار بيانات القلق الباردة. لقد تحوّل الفلسطيني في القرن 21 إلى إنسان يخبّئ أسماء عائلته، وشهادات ميلاده، وسجلات قراه، كما لو أنه يهرّب آخر بقايا وجوده من مقصلة التاريخ. النفاق الدولي هذه الوثائق ليست أوراقًا بيروقراطية. إنها الذاكرة القانونية والسياسية لشعب كامل. في كل ملف لاجئ هناك قرية هُجّرت، وفي كل بطاقة تموين هناك منزل سُرق، وفي كل سجل عائلي هناك جريمة اقتلاع ما زالت مستمرة منذ النكبة وحتى اليوم. ولذلك، فإن استهداف أرشيف الفلسطينيين لا ينفصل عن استهداف الإنسان الفلسطيني نفسه. فحين تعجز القوة عن قتل الحقيقة، تبدأ بمحاولة إخفاء أدلتها. لكن الأخطر من الحرب ذاتها هو النفاق الدولي الذي يحيط بها. فالدول التي تتحدث يوميًا عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، وقفت عاجزة — أو متواطئة — أمام تدمير غزة ومؤسساتها وأرشيفها وذاكرتها. المجتمع الدولي، الذي يستطيع خلال ساعات حماية أرشيفات أوروبا وآثارها عند أي حرب، ترك الفلسطيني يقاتل وحده لإنقاذ وثائقه من تحت الركام، ثم يطالب العالم بعد ذلك الفلسطيني بأن يثبت “حقه التاريخي” بالأدلة. أي سخرية أكثر مرارة من أن يُطلب من الضحية أن تحافظ بنفسها على أدلة الجريمة، بينما القاضي الدولي يشاهد الحريق بصمت؟ هياكل مرتبكة لقد تحوّلت المؤسسات الدولية، التي أُنشئت أصلًا لحماية الشعوب، إلى هياكل مرتبكة تخشى حتى الدفاع عن وجود اللاجئ الفلسطيني. بل إن الحرب السياسية المفتوحة ضد UNRWA لم تَعُد خفية، لأنها تمثل آخر اعتراف دولي حيّ بأن هناك شعبًا اسمه اللاجئون الفلسطينيون، وأن هناك جريمة تهجير لم تُحلّ بعد. ولهذا، يبدو استهداف الوكالة، ماليًا وسياسيًا ومعنويًا، جزءًا من مشروع أوسع لإطفاء القضية نفسها، لا فقط تجفيف خدماتها. والمؤلم أن الفلسطيني لم يَعُد يخشى فقط فقدان أرضه، بل فقدان روايته أيضًا. فالعالم الذي سمح بإبادة الحجر والبشر في غزة، كان قادرًا في أي لحظة على أن يسمح كذلك بإبادة الذاكرة. ولهذا، كان تهريب الأرشيف فعل مقاومة وطنية بامتياز، لأن حماية الوثيقة الفلسطينية اليوم تعني حماية حق العودة غدًا، وحماية اسم القرية من التحول إلى مجرد هامش في كتب التاريخ. وربما تختصر هذه الحادثة المشهد الفلسطيني كله: شعب أعزل يهرّب ذاكرته من تحت النار، بينما العالم المتحضّر يناقش ما إذا كانت هذه الذاكرة تستحق أصلًا أن تبقى. الخوف من ورقة ومع ذلك، ورغم كل هذا الخذلان، بقي الفلسطيني أوفى من العالم نفسه للحقيقة. حمل أوراقه كما يحمل المقاتل بندقيته، وحفظ أسماء قراه كما تُحفظ الأناشيد الوطنية، لأن الفلسطيني يعرف جيدًا أن الاحتلال لا يخاف من السلاح فقط، بل يخاف أكثر من ورقة تثبت أن هذه الأرض كان لها أصحاب… وما زالوا. حين يهرب الفلسطيني بوثيقته من تحت الركام، فهو لا ينقذ ورقة… بل ينقذ وطنًا يحاول العالم محوه من الذاكرة
في الحكاية الأصلية، كانت ليلى الحمراء تحمل سلةً مليئة بالكعك والزبدة إلى جدّتها المريضة عبر الغابة. أما في صيدا، عاصمة الجنوب، فالأمور أكثر واقعية بقليل… وأكثر إهانة للخيال أيضًا. ليلى هنا لا ترتدي الأحمر، لأن الأحمر صار لون الأحزاب والمناطق والتوترات الأمنية، وهي بالكاد تريد العودة إلى البيت بلا إشكال سياسي. تحمل سلة “أكادينيا” قطفتها من أطراف المدينة، وتقف على خط الجنوب، تحت شمس تشوي البشر والسيارات معًا، تلوّح للعابرين: “أكادينيا يا شباب… دعم صمود… كيلو الحب بمليون!” تمر السيارات الفارهة بسرعة، زجاجها معتم أكثر من مستقبل البلد، بينما تحاول ليلى بيع حفنة نباتات لتؤمّن ثمن ربطة خبز واشتراك مولّد “ثلاث أمبيرات مع رحمة الله”. فجأةً، يظهر الذئب. لكن ليس ذئب القصص الأوروبية الأنيق. هذا ذئب لبناني حقيقي: هزيل، معصّب، يضع نظارات شمسية مقلّدة، ورائحة المازوت تفوح منه أكثر من رائحة الغابة. يتوقف قرب ليلى ويسألها: “لوين رايحة يا بنت؟” فتردّ بلا خوف ولا دراما طفولية: “عند ستّي… إذا بعدا عايشة عالراتب التقاعدي”. ينظر الذئب إلى السلة، متوقعًا أن يجد طعامًا شهيًا، فيكتشف أنها أكادينيا وبعض أوراق الزعتر اليابسة والخبيزة، فيسألها بدهشة: “هيدا شو؟” فتجيبه ليلى بفخر اقتصادي يشبه بيانات وزارة المالية: “مشروع ناشئ… اقتصاد مقاوم… عم نبيع للعالم اللي راجعة عالجنوب أو اللي هربانة منه”. الذئب نفسه يتأثر. في القصص الطبيعية، الذئب يريد أكل ليلى. أما في لبنان، فالذئب يريد فقط أن يفهم كيف ما زال الناس قادرين على التنفس من دون قرض صندوق النقد. يكمل معها الطريق، ويسمع منها تفاصيل الحياة اليومية: كيف أصبحت “الطلعة عالسوبرماركت” رحلة رعب نفسي، وكيف صار المواطن اللبناني يحسب عدد حبات الزيتون في الصحن كما تحسب الدول احتياطي الذهب. ثم تصل ليلى إلى بيت جدّتها. يطرق الذئب الباب، فتصرخ الجدة من الداخل: “إذا جايي تاكلنا فوت… بس دير بالك، نحنا من مبارح ما أكلنا، يمكن تتسمم”. يدخل الذئب مرتبكًا. لا رائحة طعام. لا كعك. لا حساء ساخن. فقط مروحة متوقفة بسبب انقطاع الكهرباء، وصوت المولّد البعيد كأنه تنين يبتز المدينة بالدقيقة والأمبير. تجلس الجدة قرب النافذة وتقول للذئب: “حبيبي… إذا معك دولار فرش، فيك تاكلني أنا وليلى مع بعض”. حتى الذئب يشعر بالإهانة الوجودية. يحاول تنفيذ دوره التقليدي كوحش مخيف، لكن الجو العام في البلد أقوى من أي رعب. كيف يمكن لذئب أن يرعب شعبًا عاش على نشرات الأخبار اللبنانية؟ كيف يمكن لمخلوق مفترس أن ينافس فواتير المستشفى، أو أسعار اللحمة، أو خطابات السياسيين قبل الانتخابات؟ يجلس الذئب مع ليلى وجدّتها حول طاولة شبه فارغة. تقدّم له الجدة كأس ماء فاتر وتقول باعتذار: “كنا بدنا نضيفك قهوة… بس البن صار للطبقة الحاكمة فقط”. ثم يبدأ الثلاثة بانتقاد الوضع السياسي والاقتصادي كأنهم ضيوف دائمون على برامج “التوك شو”. الذئب يشتم الغابة لأنها بلا خدمات. الجدة تشتم الدولة لأنها بلا دولة. وليلى تتابع بيع الأكادينيا للسيارات العابرة وهي تصرخ: “أكادينيا يا شباب… اشترو قبل ما تدخل بخطة التعافي الاقتصادي!”. skip render: ucaddon_material_block_quote