حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) في اللحظات المصيرية الدقيقة، لا يُقاس حضور المؤسسات بحجم بياناتها، بل بقدرتها على الوقوف بين الناس، في الشارع، على ركام البيوت، وفي عيون من فقدوا كل شيء. هناك فقط تُختبر الشرعيات… وهناك أيضًا تُفضح الغيابات. بينما كانت قرى الجنوب اللبناني تنزف تحت وطأة العدوان الإسرائيلي، ولم تسلم مدن كصيدا وأحياء واسعة من بيروت من ارتداداته التدميرية، لم يكن المشهد متساويًا في رمزيته الدينية. فقد خرج البطريرك الماروني بشارة الراعي، بلباسه الكنسي، ليجول بين القرى المسيحية المتضررة، يواسي، ويبارك، ويقول للناس: أنتم لستم وحدكم. لم يكن ذلك مجرد تحرك رعوي، بل رسالة سياسية – اجتماعية مركبة: الكنيسة هنا، في قلب الألم. في المقلب الآخر، بدا الصمت ثقيلاً… صمت دار الفتوى، المرجعية الدينية الأعلى للسنة في لبنان. صمت لا يمكن تبريره بالحياد، ولا تفسيره بالحذر. ففي لحظة يُفترض أن تكون فيها المرجعيات الدينية صمّام أمان، تحوّل الغياب إلى سؤال وجودي: من يمثل الناس حين يُتركون وحدهم؟ لا في قرى الحدود المنكوبة، ولا في صيدا المثقلة بأعباء النزوح والضغط الاقتصادي، ولا حتى في بيروت التي لامست تداعيات الحرب أمنًا ومعيشةً ونفسيًا. ليس المطلوب استعراضًا إعلاميًا، ولا خطابات شعبوية، بل الحد الأدنى من الحضور الرمزي: زيارة قرية حدودية منكوبة، جولة في مدينة متضررة، كلمة دعم علنية تُقال من قلب الحدث لا من خلف المكاتب. مبادرة تضامن تُشعر الناس بأن هناك من يرى وجعهم، سواء في الأطراف أو في مراكز الثقل السكاني. لكن ما حصل هو العكس تمامًا: حضور خجول، صوت موسمي، وخطاب لا يظهر إلا في المناسبات أو عند زيارة شخصيات سياسية مثل سعد الحريري. وكأن الألم اليومي لا يكفي لاستدعاء الكلمة. هنا، لا يعود السؤال عن الأداء فقط، بل عن الدور. ماذا تعني المرجعية الدينية إن لم تكن أول الواصلين وآخر المنسحبين؟ كيف يمكن لمؤسسة تدير موارد الزكاة والتبرعات أن تغيب في أكثر اللحظات احتياجًا؟ أين تذهب هذه الأموال؟ ومن يقرر أولوياتها؟ وهل تحوّلت من أداة تكافل إلى بند إداري بارد، منزوع الحس والرسالة، لا يصل إلى قرى الحدود ولا إلى أحياء بيروت ولا إلى شوارع صيدا التي تعيش ضغط الحرب بصمت ثقيل؟ المشكلة ليست في غياب زيارة، بل في غياب رؤية. في انفصال متزايد بين المؤسسة وقاعدتها الاجتماعية. في شعور يتنامى لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة بأنهم متروكون لمصيرهم، بلا غطاء، بلا صوت، وبلا منبر يعكس معاناتهم، سواء في القرى الحدودية أو في المدن التي تحمّلت عبء النزوح والتداعيات. في زمن الأزمات، لا تُغفر الأخطاء بسهولة. لأن الثمن يُدفع من لحم الناس، لا من رصيد المؤسسات. وحين يرى المواطن أن مؤسسته الدينية غائبة، بينما غيرها حاضر وفاعل، فإن المقارنة تصبح جارحة… بل وخطيرة. فهي لا تطرح فقط سؤال الكفاءة، بل سؤال الانتماء. قد يقول قائل إن الظروف الأمنية أو الحسابات السياسية تفرض نوعًا من التحفظ. لكن التاريخ لا يكتب أعذارًا، بل مواقف. والناس لا تتذكر من صمت… بل من حضر. اليوم، تقف دار الفتوى أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في إدارة الأزمة، بل في إعادة تعريف دورها. فإما أن تعود إلى الناس، إلى وجعهم الحقيقي، إلى قراهم المهمشة ومدنهم المثقلة… أو تترك فراغًا لن يبقى فارغًا طويلًا. لأن الفراغ، في لبنان تحديدًا، لا يُحتمل. وغالبًا… يُملأ بمن لا يشبه الناس.
في المقهى، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت نشرات الأخبار، يبدأ العالم أحيانًا كجملة عابرة… وينهار كحجّة ناقصة. جلستُ كعادتي، أراقب فناجين تتبخر أكثر مما تتبخر الحقائق. صديقي الأول، الذي يحفظ العالم عن ظهر قلب كما تحفظ الجدة وصفة المجدّرة، قالها ببساطة قاتلة: “تفضل… هاي الحرب كلها من ورا الفلسطينيين.” هكذا. بجملة واحدة، اختصر التاريخ، وعلّق الدم على شماعة شعب. ابتسمتُ. ليس لأن الفكرة مضحكة، بل لأن اختصار المآسي دائمًا يبدو كنوع من الكسل الفكري… أو الرفاهية الأخلاقية. تدخّل آخر، بنبرة أقرب إلى الوعظ “هي نفس خبرية إنه المجاعة بالعالم بسبب الله… لا، هيدا كفر.” وهنا، انحرف الحوار من السياسة إلى الميتافيزيقا، كأننا نحاول الهروب من مسؤولية الأرض عبر تحميل السماء ما لا تحتمل. سألته”طيب، إذا كل شي مش من الله… من مين؟ ومن وين جاي هالشر؟” سكت لحظة، ثم قال:”المشكلة مش بالله… المشكلة بتفكيرنا فيه، وبنظرتنا لخلق الله.” وهنا، بدأت القهوة تفقد طعمها، لأن النقاش صار أخطر من أن يُشرب على مهل. الحروب لا تبدأ فقط في غرف القرار، بل أيضًا في العقول التي تبرّر، وفي الضمائر التي تختار النوم قلت لهم: “المشكلة إنكم عم تشوفوا الشر بحجمه الكبير… حرب، دمار، مجاعة… فبتصيروا تعتبروا الشر الصغير تبعكم—تفصيل.” أحدهم ضحك:“وأنا شو خصني؟ شو الشر تبعي بهالقصة كلها؟” سؤال بريء… كبراءة الرصاصة قبل أن تُطلق. قلت له بهدوء: “بتعرف قديش صرفت الولايات المتحدة على هالحروب؟ حوالي 11.3 مليار دولار. وبتعرف قديش بيكفي لتحل أزمة مجاعة الأطفال بالعالم؟ أقل من 4 مليار. الفرق مش أرقام… الفرق خيارات.” سكت. للحظة فقط. ثم عاد ليحتمي بالحجة الأكثر شيوعًا في هذا العصر: “طيب إذا اشتريت منتج… صرت أنا عم مول حرب؟” آه… السؤال الذي يريح الضمير أكثر مما يبحث عن إجابة. أجبته: “المأساة مش هون… المأساة لما الإنسان يستصغر فعله. لما يقنع حاله إن الشر الصغير ما إلو وزن. بس الحقيقة؟ كل شر—مهما صغر—إلو ظل. ويمكن هالظل هو اللي بيكبر ليتحوّل لشيء ما منقدر نوقفه.” صديقي الثالث، الذي لم يتكلم طويلاً، قال فجأة: “طيب ليش الله ما بيمنع الشر من الأساس؟” سؤال قديم… أقدم من الحروب نفسها. قلت له: “لأنه إذا منع الشر، بيكون ألغى الحرية. وإذا ألغى الحرية، بيكون خلق عالم بلا اختبار… بلا معنى. الجنة مش هون… الجنة نتيجة.” ساد الصمت. ليس صمت اقتناع… بل صمت ارتباك. في الخارج، كانت المدينة تمارس حياتها كأن شيئًا لم يكن. سيارات، أبواق، وناس تشتري أشياء قد لا تحتاجها… وربما تساهم بها، دون أن تدري، في صناعة حرب أخرى. نظرتُ إليهم وقلت: “تخيلوا بس… لو كل واحد اليوم قرر ياخد موقف—مش من الحرب—بل من نفسه. من شره الصغير. من تبريراته اليومية. شو كان صار؟” لم يجب أحد. ليس لأن السؤال صعب… بل لأن الجواب مكلف. دفعتُ الحساب، وغادرت. خلفي بقي النقاش يدور، كما تدور الحروب: نفس الأسئلة، نفس التبريرات، ونفس العجز عن الاعتراف بأن المشكلة… ليست هناك فقط. بل هنا. على الطاولة. بين فنجان قهوة… وضمير يحاول أن يبقى نائمًا.
في العادة، عندما يُسأل عن مركز الثقل في إيران، تتجه الأنظار نحو مجتبى خامنئي بوصفه المرشد الأعلى، أو إلى قادة الحرس الثوري الإيراني، حيث تُصاغ الاستراتيجيات وتُرسم خرائط النفوذ. لكن، في هذه الحرب تحديدًا، تنقلب الصورة الثقل الحقيقي لا يسكن القمة، بل يتحرك على عجلات. ليس في القصور المحصّنة، بل في شاحنة مكشوفة، يقودها جنود يعرفون أن احتمالات نجاتهم ضئيلة. هنا، في هذا المستوى الأدنى، تتحدد قيمة الترسانة كلها.عشر دقائق بين الحياة والموت: الجنود المجهولون الذين يُبقون إيران في الحرب الخروج من الظلكل شيء يبدأ من مكان لا يُفترض أن يُرى. قاذفة صواريخ تُسحب بصمت من مخبئها، وشاحنة ثقيلة تشق طريقها بحذر، كأنها تحمل سرًا أكبر من قدرتها على إخفائه.الوجهة ليست مجرد موقع إطلاق، بل مساحة مكشوفة بالكامل، حيث يمكن لأي خطأ صغير أن يتحول إلى إشارة رصد قاتلة. الطريق نفسه جزء من المعركة، وكل متر يُقطع هو اقتراب من الخطر. قبل الوصول، يدخل الطاقم في سباق مع الزمن. فريق صغير، بين خمسة وعشرة جنود، يعمل كخلية واحدة. يتم فحص الصاروخ، وتحميله، وإدخال بيانات الهدف، وتحليل الطقس، وقراءة تضاريس الأرض، وكل ذلك تحت ضغط لا يُحتمل.في هذه المرحلة، لا يوجد شيء اسمه “تفصيل صغير”. كل رقم، كل زاوية، كل معطى قد يحدد إن كان الصاروخ سيصيب هدفه، أو يتحول إلى عبء على من أطلقه. في إيران، قد لا يكون مركز الثقل في القمة، بل في جنديٍّ يقود شاحنة صواريخ، ويعرف أن كل ما يفصله عن الموت… عشر دقائق فقط تحت السماء المكشوفةعند الوصول، يبدأ أخطر فصل في القصة. تُثبَّت المنصة، ويُرفع الصاروخ عموديًا، وتتحول الحركة إلى سلسلة قرارات دقيقة. الزمن هنا عدو مباشر، وكل ثانية إضافية تزيد احتمال الرصد. عشر دقائق فقط. هذا هو الحد الأقصى. وإذا انكشف الموقع؟ يمتد الوقت، لكن بثمن أعلى: خطر شبه مؤكد. في هذه اللحظة، لا يعود الطاقم ينفذ مهمة عسكرية فقط، بل يخوض مواجهة مفتوحة مع الزمن والتكنولوجيا معًا. ثم تأتي اللحظة الحاسمة: ضغطة زر واحدة. ينطلق الصاروخ، ويترك خلفه بصمة حرارية ضخمة، كأنها توقيع واضح في الفضاء. في غضون ثوانٍ، تلتقطها الأقمار الصناعية، وتتحول إلى إحداثيات دقيقة تُرسل فورًا إلى الطائرات التي تنتظر هذه اللحظة.ما كان هجومًا قبل لحظات، يتحول الآن إلى نقطة ضعف. من مطلق نار إلى هدف حيبمجرد الإطلاق، يتغير كل شيء.الطاقم الذي نفّذ المهمة يصبح هدفًا مباشرًا. الطائرات في السماء، أميركية أو إسرائيلية، تبدأ بالمطاردة. هنا، لا مجال للبطء، ولا مساحة للخطأ.الهروب ليس خيارًا تكتيكيًا، بل مسألة بقاء.العودة إلى القاعدة، والاختباء تحت جسر، والدخول إلى نفق، كلها خيارات مؤقتة في سباق مع ضربة قد تصل خلال دقائق. كم يعيش هؤلاء؟التقديرات العسكرية لا تحمل الكثير من الأمل.فرص البقاء لهؤلاء الجنود لا تُقاس بالزمن الطويل، بل بلحظات قصيرة: أيام إن كانوا محظوظين، ساعات في كثير من الأحيان، وربما دقائق فقط في أسوأ السيناريوهات.كل مهمة قد تكون الأخيرة، وكل إطلاق قد يكون النهاية. لهذا السبب، لا تركز القوى المعادية فقط على اعتراض الصواريخ، بل على تدمير منصات الإطلاق نفسها.لأن هذه الشاحنات ليست مجرد وسيلة، بل شرط أساسي. معظم الصواريخ البالستية الإيرانية لا يمكن إطلاقها من دونها. إنها العمود الفقري لمنظومة كاملة.وبدونها، تتحول الصواريخ إلى مخزون بلا وظيفة، إلى قوة كامنة لا تجد طريقها إلى السماء. المفارقة التي تكشفها هذه الحرب قاسية بقدر ما هي واضحة. نظام يبدو شديد المركزية، يعتمد، في لحظاته الحاسمة، على أكثر عناصره هشاشة. ليس القادة فقط من يصنعون المعركة، بل أولئك الذين يقفون في العراء، تحت أعين الأقمار الصناعية. جندي يقود شاحنة، يحمل صاروخًا، ويعرف أن كل ما بينه وبين النهاية… عشر دقائق فقط. القوة ليست دائمًا في من يصدر الأمر، بل في من يرفع الصاروخ تحت السماء المكشوفة في عالم يُقاس فيه النفوذ بحجم الترسانات، تذكّر هذه الحرب بحقيقة أبسط وأكثر إزعاجًا: القوة الحقيقية… قد تكون في شخص واحد، يضغط زرًا، ثم يهرب من ظلّه.