skip render: ucaddon_box_testimonial تقرير «مخاطر الأمن الغذائي العالمي 2026–2027» يرسم صورة مقلقة للمرحلة المقبلة، مستندًا إلى معطيات وتحذيرات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي. وهو يحذّر من اجتماع مجموعة أزمات في وقت واحد: الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، واضطراب طرق التجارة، والتقلبات المناخية، وتراجع تمويل المساعدات الإنسانية. الثمن لكن أخطر ما يقوله التقرير ليس أن العالم سيستيقظ ذات صباح ليجد أن الغذاء قد نفد. على العكس، تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الإمدادات العالمية من الحبوب، رغم احتمال تراجعها عن مستوياتها القياسية، ستبقى مرتفعة تاريخيًا. المشكلة الحقيقية هي أن الغذاء قد يكون موجودًا، لكن عددًا متزايدًا من الناس قد يصبح عاجزًا عن دفع ثمنه.(المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، 2026) تؤثر الحرب الروسية ـ الأوكرانية في أسواق القمح والذرة وزيت دوار الشمس والمنتجات المرتبطة بالأسمدة. أما حروب الشرق الأوسط فتحمل مخاطر إضافية: ارتفاع أسعار النفط، وزيادة كلفة الزراعة والنقل وتصنيع الغذاء، واحتمال اضطراب الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق هرمز، بما يرفع كلفة الشحن والتأمين. كل زيادة في كلفة الطاقة أو النقل أو الأسمدة تجد طريقها، عاجلًا أم آجلًا، إلى فاتورة الغذاء التي يدفعها المواطن. الوضع اللبناني الصعب بالنسبة إلى لبنان، لا نتحدث عن خطر بعيد أو افتراضي. فالتقرير يضع لبنان صراحةً ضمن 13 دولة ومنطقة يُتوقّع أن يتفاقم فيها انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويضعه في الشرق الأوسط إلى جانب اليمن وفلسطين وسوريا.(المصدر: منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، تقرير «بؤر الجوع»، حزيران 2026) هنا تكمن أهمية قراءة التقرير لبنانيًا، لا باعتباره مجرد تقرير دولي عن الجوع في العالم. لبنان بلد يعتمد بصورة كبيرة على الخارج في تأمين احتياجاته الغذائية. وبالتالي، فإن الخطر لا يبدأ فقط عندما ينقص القمح أو الزيت أو المواد الغذائية من الأسواق، بل قبل ذلك بكثير: عندما ترتفع أسعار النفط، وعندما تصبح كلفة الشحن أعلى، وعندما تتعطل الممرات البحرية، وعندما ترتفع أسعار الأسمدة، وعندما تنتقل كل هذه الأكلاف إلى المستهلك. يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تشهد، في حال استمرار الصراع وبقاء أسعار النفط فوق مئة دولار للبرميل، دخول نحو 5.2 ملايين شخص إضافي في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي بزيادة تُقدَّر بنحو 14 في المئة في البلدان التي شملها التحليل.(المصدر: برنامج الأغذية العالمي، آذار 2026) أين لبنان؟ أمام كل ذلك، يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: أين السلطة اللبنانية مما يحصل؟ عندما تضع المؤسسات الدولية لبنان على خريطة الخطر الغذائي، لا يجوز أن نتعامل مع الأمر كتقرير آخر نقرأه ثم نضعه على الرف. أين خطة الطوارئ الغذائية إذا اتسعت الحرب أو تعطلت خطوط الإمداد؟ أين الخريطة الوطنية التي تقول للبنانيين ما حجم مخزون القمح والحبوب والزيوت والمواد الأساسية، وكم يكفي، وما مصادر استيراده، وما البدائل إذا تعطلت إحدى طرق الإمداد؟ أين السياسة الزراعية التي تحدد ماذا يحتاج لبنان إلى أن يزرع وينتج، ليس فقط وفق حساب الربح والخسارة في موسم واحد، وإنما وفق حاجاته الاستراتيجية؟ وأين الخطة لمواجهة ارتفاع الأسعار إذا اجتمعت، في وقت واحد، زيادة أسعار النفط والأسمدة والنقل والتأمين والمواد الغذائية؟ ثم هناك السؤال الأهم: ماذا تفعل الدولة إذا كان الغذاء موجودًا، لكن اللبناني لم يعد قادرًا على شرائه؟ هذه تحديدًا هي الفكرة المركزية في التحذيرات الدولية. فالخطر الأكبر ليس بالضرورة اختفاء الغذاء من الأسواق، وإنما ارتفاع الأسعار إلى مستويات تعجز معها الدول الهشّة والعائلات ذات الدخل المحدود عن تأمين احتياجاتها الأساسية. غرفة دائمة المطلوب اليوم ليس لجنة جديدة تجتمع عند وقوع الأزمة، ولا خطة توضع في الأدراج، ولا انتظار المساعدات الخارجية عندما تصبح المشكلة أمرًا واقعًا. المطلوب إنشاء غرفة وطنية دائمة للأمن الغذائي تجمع رئاسة الحكومة ووزارات الزراعة والاقتصاد والمالية والطاقة والشؤون الاجتماعية، إلى جانب الجمارك والمرافئ والقطاع الزراعي والمستوردين والقطاع الخاص. وظيفة هذه الغرفة يجب أن تكون عملية جدًا: أن نعرف بصورة مستمرة ماذا لدينا، ماذا نحتاج، ماذا نستورد، من أين نستورد، كم يكفي المخزون، وما البدائل إذا أُغلق طريق أو مرفأ أو ارتفعت الأسعار فجأة. ويجب أن تكون هناك لائحة واضحة بالسلع الغذائية الاستراتيجية التي لا يجوز تركها بالكامل لتقلبات الأسواق والأزمات الخارجية، مع تحديد الحد الأدنى المطلوب من المخزون لكل منها، وتنويع مصادر الاستيراد حتى لا يصبح لبنان رهينة سوق واحدة أو طريق واحد. وفي الوقت نفسه، يجب وضع خطة لزيادة الإنتاج المحلي حيث يكون ذلك ممكنًا ومجديًا. ليس المطلوب أن نقنع أنفسنا بأن لبنان يستطيع تحقيق اكتفاء ذاتي كامل. هذا غير واقعي. المطلوب أن نقلل نقاط الضعف التي تجعل أي حرب أو أزمة شحن أو ارتفاع عالمي للأسعار يتحول سريعًا إلى أزمة داخل كل منزل. هنا يصبح المزارع اللبناني جزءًا من الأمن الوطني. حماية الأراضي الزراعية، وتأمين المياه، وتخفيض كلفة الطاقة، وتسهيل التمويل، وتطوير التخزين والتبريد، ودعم التعاونيات الزراعية، وتحسين التسويق، ليست مجرد مطالب قطاعية. إنها جزء من قدرة لبنان على الصمود إذا تعرضت سلاسل الإمداد الخارجية لصدمة. كذلك، فإن مواجهة الأزمة لا تكون بالعودة إلى تجارب الدعم العشوائي للسلع، حيث تضيع الأموال ويستفيد القادر وغير القادر بالطريقة نفسها. المطلوب شبكة حماية اجتماعية تستهدف مباشرةً الأسر الأكثر حاجة، وتكون جاهزة للتوسع فور وقوع صدمة غذائية أو ارتفاع استثنائي في الأسعار. هناك أيضًا حاجة إلى نظام إنذار مبكر. فإذا كانت المؤسسات الدولية قادرة على رصد أسعار الحبوب والأسمدة والنفط والمناخ وحركة التجارة، والتحذير مما قد يحصل بعد أشهر، فمن غير المقبول أن تبقى الدولة اللبنانية تنتظر وقوع المشكلة كي تبدأ بمعالجتها. وتحذّر تقديرات مركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي من أن الوضع قد يزداد سوءًا خلال عام 2027، لأن تأثير الحروب ونقص الأسمدة والصدمات المناخية وتراجع التمويل الإنساني لا يظهر دائمًا بصورة فورية، بل قد تظهر نتائجه بعد أشهر. (المصدر: مركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي، أيلول 2026) هذا يعني أن لدينا وقتًا للتحرك، ولكن الوقت ليس مفتوحًا. المشكلة في لبنان أننا اعتدنا اختصار مفهوم الأمن القومي بالسياسة والعسكر والحدود، بينما العالم الذي نعيش فيه يقول شيئًا آخر. القمح أمن قومي. المياه أمن قومي. الزراعة أمن قومي. المرفأ أمن قومي. والطريق الذي تسلكه السفينة حتى تصل إلينا جزء من أمننا القومي. الدولة التي لا تعرف ماذا سيأكل شعبها إذا تعطلت سلاسل الإمداد، أو كيف سيشتري غذاءه إذا ارتفعت الأسعار، ليست دولة مستعدة للأزمات. التحذيرات الدولية لا تقول إن مجاعة ستقع في لبنان، ولا يجوز استخدامها لتخويف الناس بهذا الشكل. ما تقوله أكثر واقعية: العالم قد لا يواجه نقصًا شاملًا في الغذاء، لكنه يواجه خطر ارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، واتساع رقعة الجوع بين الفئات الأكثر ضعفًا.
skip render: ucaddon_box_testimonial لهذا لم يكن رفع «البيجر» وقطعة من منظومة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرّد استعراض تقني. كان إعلانًا سياسيًا عن انتقال الحرب إلى مساحة أكثر خفاءً: مساحة الأجهزة والشبكات والأقمار الصناعية والبيانات. وبينما كانت وفود تغادر القاعة احتجاجًا على خطاب بنيامين نتنياهو، كانت التكنولوجيا نفسها حاضرة بوصفها شاهدًا على حرب لم تعد حدودها تُرسم على الخرائط فقط، بل داخل الشرائح الإلكترونية ومسارات البيانات. وفي هذه النقطة تحديدًا تصبح الاتصالات جزءًا من مفهوم السيادة. فالدولة التي لا تملك السيطرة الكاملة على بنيتها الرقمية قد تجد أن جزءًا من أمنها القومي مرتبط بشركات وتقنيات وممرات اتصالات تقع خارج حدودها. من جهاز اتصال إلى سلاح حين يصبح جهاز الاتصال نفسه جزءًا من العملية العسكرية، تسقط الحدود القديمة بين المدني والعسكري. الهاتف لم يعد هاتفًا فقط، والإنترنت لم يعد خدمة، والقمر الصناعي لم يعد مجرّد أداة علمية. كل هذه العناصر يمكن أن تتحوّل إلى مكوّنات في منظومة استخبارية وعسكرية متكاملة. ما جرى مع أجهزة «البيجر» في لبنان كشف إلى أيّ حدّ يمكن لتكنولوجيا صغيرة أن تتحوّل إلى نقطة اختراق في حرب معقّدة. فالمعركة لم تعد تحتاج دائمًا إلى اقتحام الحدود؛ يكفي أحيانًا أن تدخل إلى الجهاز الذي يحمله الخصم في جيبه. وهنا يصبح الاتصال نفسه سؤالًا أمنيًا: من صنع الجهاز؟ من يتحكّم في برمجياته؟ أين مرّت بياناته؟ ومن يستطيع الوصول إليه قبل أن تصل الرسالة إلى صاحبها؟ الحرب على الشبكة الوجه الآخر للمعركة هو السيطرة على البنية التحتية للاتصال. فالإنترنت الفضائي نقل جزءًا من الصراع من الأرض إلى السماء، وجعل الأقمار الصناعية والكابلات ومراكز البيانات ومحطات الاتصال عناصر أساسية في ميزان القوة. قطع شبكة الاتصال لا يعني فقط إسكات الناس. إنه قد يعني تعطيل القيادة والسيطرة، وإرباك القوات، وعزل المدن، ومنع المعلومات من الوصول، وترك مجتمع كامل في ظلام معلوماتي. السيطرة على المعلومة لكن المعركة لا تنتهي عند إيصال الرسالة. تبدأ معركة أخرى فور وصولها: من يحدّد ما الذي يراه العالم؟ الحرب الحديثة تُخاض على الأرض وفي الشاشة في الوقت نفسه. صورة واحدة قد تصبح أقوى من مؤتمر صحافي، ومقطع فيديو قد يغيّر اتجاه النقاش الدولي، وانقطاع الإنترنت قد يحجب مدينة كاملة عن عين العالم. وهكذا تتحوّل شبكة الاتصال إلى ساحة للصراع على الحقيقة نفسها. فمن يملك البنية التحتية يمتلك قدرة أكبر على تحديد ما يصل، ومتى يصل، وكيف يصل. عندما تصبح التكنولوجيا جبهة حرب لم تعد الجبهات العسكرية منفصلة كما كانت. البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني باتت تعمل داخل منظومة واحدة. الصاروخ يحتاج إلى بيانات، والطائرة تحتاج إلى اتصال، والجندي يحتاج إلى شبكة، والمجتمع يحتاج إلى الإنترنت كي يعرف ما يحدث. الحرب، إذن، لم تعد مجرّد مواجهة بين جيوش؛ إنها مواجهة بين شبكات. وقد يكون أخطر ما في هذا التحوّل أن السلاح لم يعد يبدو كسلاح. قد يكون في جيب جندي، أو على سطح مبنى، أو في قمر صناعي يدور آلاف الكيلومترات فوق الأرض، أو داخل خادم لا يراه أحد. حين تصبح الشبكة ساحة السيادة في عالم كهذا، لا تُقاس قوة الدول فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ. ثمة قوة أخرى أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا: القدرة على الاتصال، وحماية الشبكات، وتأمين البيانات، والحفاظ على تدفّق المعلومات في زمن الحرب. ومن هنا تصبح معركة الاتصالات معركة على السيادة نفسها. فالدولة التي تستطيع أن تتحدث وتستمع وتراقب وتحمي شبكاتها تملك جزءًا من قدرتها على الصمود. أما الدولة التي يمكن إسكاتها بضغطة زر، أو عزلها عن العالم بانقطاع شبكة، فتكتشف أن جزءًا من سيادتها كان معلّقًا منذ البداية على أسلاك وأقمار صناعية وشركات لا تحمل أعلامها. لقد تغيّر شكل السلاح، لكن جوهر الحرب لم يتغيّر: السيطرة على الخصم تبدأ بمنع قدرته على الحركة، ثم منع قدرته على التنسيق، ثم منع قدرته على الكلام. وفي القرن الحادي والعشرين، قد لا يكون أخطر ما في الحرب هو الصاروخ الذي يصل إلى هدفه، بل الشبكة التي تعرف أين يوجد الهدف، والجهاز الذي يعرف من يحمله، والنظام الذي يستطيع أن يقرّر متى ينقطع الاتصال. فمن يملك الشبكة لا يملك وسيلة الحرب فقط؛ إنه يملك جزءًا من تعريف الواقع الذي تجري فيه الحرب.
skip render: ucaddon_box_testimonial هنا تستطيع الأمم المتحدة أن تصوغ الحزن بأكثر اللغات أناقة، لكنها تواجه السؤال الأصعب حين يصبح المطلوب ليس وصف الجريمة، بل إيقافها. تنعقد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة تحت شعار «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تنجز للجميع»، وكأن المؤسسة تدرك أن أزمتها لم تعد أزمة صورة، بل أزمة قدرة على إقناع العالم بأن القانون الدولي قادر فعلًا على حماية الإنسان. فلسطين.. الاختبار الذي لا يمكن إخفاؤه ولعل فلسطين هي الاختبار الأكثر قسوة لهذه الأزمة. فهي حاضرة في جدول الأعمال والخطب والبيانات، وفي مفردات السلام والقانون الدولي، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود هذا النظام الدولي. فقد رفضت الولايات المتحدة، للسنة الثانية، منح محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة حضوريًا في الجمعية العامة، قبل أن تصوّت الجمعية بأغلبية ساحقة للسماح له بإلقاء كلمة مسجلة. وهنا تنكشف الصفعة الحقيقية: المؤسسة التي يُفترض أن تكون فضاءً دوليًا جامعًا، يستطيع أحد أقوى أعضائها أن يفرض على رئيس وفد دولة مراقب غير عضو أن يتحدث عبر شاشة بدلًا من أن يقف في القاعة نفسها. ليست القضية في شكل الخطاب وحده، بل في المعنى الذي يحمله المشهد: حتى حق الضحية في أن تتحدث يمكن أن يصبح خاضعًا لموازين القوة. قانون قوي أمام الضعفاء؟ ما قيمة القرارات إذا كان تنفيذها يتغير عندما تقترب من مصالح الأقوياء؟ وما معنى الحديث عن حماية المدنيين إذا كان المدني يستطيع الحصول على التعاطف الدولي، لكنه لا يحصل بالضرورة على الحماية الدولية؟ الأمم المتحدة لا تعاني نقصًا في النصوص. لديها الميثاق، والقرارات، واللجان، وآليات التحقيق، والمحاكم، والبيانات، والتحذيرات، والمؤتمرات. ما ينقصها هو الحلقة التي تفصل بين إعلان المبدأ وتحويله إلى واقع: القدرة على الفعل. غزة كشفت هذه الهوة بلا رحمة. العالم يرى، ويسمع، ويوثّق، ويناقش، ويدين، ويحذّر، ويطالب، ثم يعود إلى النقطة نفسها. تتحول الكارثة إلى ملف، والملف إلى اجتماع، والاجتماع إلى بيان، والبيان إلى أرشيف، بينما تستمر المأساة خارج قاعات المؤتمرات. مسرح كبير.. وسلطة غائبة المشكلة ليست أن الأمم المتحدة تصنع الحروب، بل أنها تكشف عجز النظام الدولي عندما تصطدم المبادئ بمصالح القوة. عندها يصبح القانون بحاجة إلى توافق، والتوافق بحاجة إلى وقت، والوقت بالنسبة إلى الضحية ليس زمنًا محايدًا؛ فالوقت قد يكون موتًا. لهذا، لا يكفي أن تستعيد الأمم المتحدة ثقة العالم بالكلمات. فالثقة لا تُطلب، بل تُكتسب بالقرارات والالتزامات والنتائج الملموسة. وهذا هو جوهر الأزمة: العالم لا يحتاج إلى مؤسسة تتقن وصف الحرائق، بل إلى مؤسسة تستطيع أن تفعل شيئًا عندما تشتعل. السؤال الذي يطارد القاعة لقد آن الأوان للتوقف عن السؤال: ماذا قالت الأمم المتحدة؟ السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا فعلت؟ فالعالم لا يموت من نقص البيانات، والضحايا لا ينقصهم التعاطف، والتاريخ لن يتذكر عدد الخطب التي أُلقيت بقدر ما سيتذكر عدد الأرواح التي عجز النظام الدولي عن حمايتها. فالأمم المتحدة التي لا تستطيع تحويل القانون إلى حماية ستظل مسرحًا هائلًا للعالم؛ قاعته ممتلئة بالكلمات، لكن سلطته غائبة حين يحتاجها الضحايا.