بين شخصيته الصدامية، وبنية القرار في واشنطن، وكوابح الداخل والخارج… لماذا يبقى السيناريو النووي ممكنًا نظريًا، ومرعبًا استراتيجيًا، لكنه ليس الخيار الأرجح؟ في الحروب الكبرى، لا تبدأ الكارثة حين تقع فقط، بل حين تصبح قابلة للتخيّل. من هنا، لا يبدو السؤال عمّا إذا كان دونالد ترامب قد يستعمل السلاح النووي ضد إيران مجرد مبالغة سياسية أو خيالًا سوداويًا، بل سؤالًا يفرض نفسه كلما ارتفع منسوب التصعيد، واتسعت الحرب، واقترب الخطاب الأميركي من حدود التدمير الشامل. السؤال هنا ليس تقنيًا فقط، ولا قانونيًا فقط، بل سياسي ونفسي واستراتيجي في آن. هل يستطيع رئيس أميركي مثل ترامب أن يذهب إلى هذا الحد؟ وهل تسمح شخصيته بذلك؟ وهل تسمح له بنية النظام الأميركي أصلًا؟ ثم، قبل ذلك كله، ما الذي يعنيه أن تُكسر، للمرة الأولى منذ 1945، القاعدة التي حكمت العالم النووي: السلاح موجود للردع، لا للاستعمال؟ الجواب المعقّد يبدأ من حقيقة بسيطة وخطيرة: نعم، من حيث المبدأ، يستطيع الرئيس الأميركي أن يأمر باستخدام السلاح النووي، لأن السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة ما تزال تمنح الرئيس صلاحية واسعة جدًا في هذا المجال، فيما لا تعتمد العقيدة النووية الأميركية مبدأ “عدم البدء بالاستخدام”، بل تُبقي الباب مفتوحًا في “ظروف قصوى”. لكن ما هو ممكن على الورق ليس بالضرورة مرجّحًا في الواقع. فبين الإمكانية النظرية والقرار الفعلي تقف شبكة كثيفة من الحسابات العسكرية والسياسية والأخلاقية، فضلًا عن الخوف من أن يتحول أي استخدام نووي، ولو كان “محدودًا”، إلى لحظة انهيار تاريخية للنظام الدولي كله. الخطير في ترامب ليس فقط ما قد يفعله، بل أنه من القلائل الذين يجعلون العالم يصدق أن المستحيل قد يصبح مطروحًا على الطاولة رجل يهوى حافة الهاوية تكمن خصوصية هذا السؤال في أن صاحبه ليس رئيسًا أميركيًا تقليديًا. فترامب، في جوهر سلوكه السياسي، ليس ابن المدرسة الكلاسيكية في إدارة الأزمات، بل ابن الصدمة والتهويل ورفع السقف إلى أقصى حد ممكن. هو رئيس يحب أن يجعل خصومه، وحلفاءه، وحتى مؤسساته، في حال قلق دائم: هل ما يقوله مجرد ضغط؟ أم أنه مستعد فعلًا للذهاب أبعد مما يتوقع الجميع؟ هنا تحديدًا تكمن خطورته. فالرجل بنى جزءًا كبيرًا من صورته على فكرة أنه لا يتصرف وفق القواعد المألوفة، وأنه مستعد لفعل ما لا يجرؤ عليه غيره. وحين يقترن هذا النمط الشخصي بصلاحية نووية واسعة، يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن أن يتحول التهويل إلى قرار؟ المؤشرات السياسية الأخيرة لا تسمح بالاستهانة بالسؤال. فقد استخدم ترامب لغة تهديد قصوى تجاه إيران، ولوّح بضربات مدمّرة على بنى حيوية إذا استمرت المواجهة أو أُغلق مضيق هرمز. وهذا النوع من الخطاب لا يعني تلقائيًا أن الخيار النووي مطروح بجدية كقرار جاهز، لكنه يعني أن الرجل يتعمد دائمًا دفع الخصم إلى تخيّل الأسوأ. ما الذي يمنعه؟ هنا تبدأ البرودة الاستراتيجية. فالنووي ليس صاروخًا أكبر فقط، ولا غارة أشد تدميرًا فقط، بل انتقال كامل إلى عالم آخر. أي استخدام لهذا السلاح لن يكون مجرد ضربة لإيران، بل ضربة لفكرة الردع نفسها، ولشرعية الولايات المتحدة، ولما تبقى من نظام منع الانتشار النووي في العالم. الولايات المتحدة تعرف أنها، مهما امتلكت من تفوق عسكري، لا تستطيع التعامل مع الضربة النووية كحدث معزول. فإذا استُخدم هذا السلاح ضد إيران، فإن النتيجة لن تكون فقط تدمير هدف عسكري أو منشأة شديدة التحصين، بل فتح الباب أمام سلسلة ارتدادات قد تشمل انفجارًا إقليميًا واسعًا، وانهيارًا في أسواق الطاقة، وتسارعًا عالميًا في سباق التسلح النووي، وتراجعًا هائلًا في قدرة واشنطن على مطالبة الآخرين بعدم امتلاك القنبلة. بمعنى أوضح: إذا استعملت أميركا السلاح النووي ضد دولة غير مصنفة نوويًا فعليًا، فإن الرسالة التي ستلتقطها عواصم كثيرة في العالم ستكون قاسية وواضحة: من لا يملك الردع النووي، يبقى معرضًا لأن يُكسر بالسلاح النووي. وهذه، وحدها، كافية لإغراق العالم في مرحلة جديدة من الفوضى. الداخل الأميركي ليس ساحة مضمونة ثمة وهم شائع يقول إن رئيسًا مثل ترامب، إذا قرر، يذهب إلى النهاية بلا حساب. هذا غير دقيق. صحيح أن شخصيته صدامية، وصحيح أن صلاحياته واسعة، لكن القرار النووي لا يُتخذ في فراغ. هناك مؤسسات عسكرية، وأجهزة أمنية، وحسابات انتخابية، وانقسامات حزبية، ورأي عام، وتحالفات خارجية، وكلها تدخل دفعة واحدة على خط القرار عندما يقترب من العتبة النووية. والأهم أن الحرب على إيران نفسها، في شكلها التقليدي، ليست ملفًا سهلًا داخل الولايات المتحدة. التقارير الأخيرة تظهر وجود اعتراضات على التمويل الإضافي للحرب، وتوترات داخلية حتى في البيئة الجمهورية، وقلقًا من التورط في مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط. فإذا كانت الحرب التقليدية تثير هذا القدر من الحرج والانقسام، فإن الانتقال إلى النووي سيحوّل الانقسام إلى صدمة وطنية وسياسية من العيار الثقيل. لذلك، فإن أحد أهم كوابح ترامب ليس القانون فقط، بل الكلفة. فهو قد يهوى صورة الرجل الذي لا يتراجع، لكنه يعرف أيضًا أن الضربة النووية ليست عرض قوة انتخابي، بل مقامرة قد تبتلع رئاسته نفسها وتحوّل “الحزم” إلى وصمة تاريخية. متى يصبح السيناريو أكثر خطورة؟ يبقى الاحتمال النووي ضعيفًا، لكنه لا يهبط إلى الصفر. وتكمن الخطورة في ظروف محددة قد تجعل الفكرة تنتقل من خانة التهويل إلى خانة النقاش الجدي داخل غرف القرار. أول هذه الظروف أن تفشل الضربات التقليدية في حسم المواجهة، وأن تبقى البنية الصلبة في إيران صامدة، سواء في المجال النووي أو الصاروخي أو القيادي. ثانيها أن تتعرض القوات الأميركية، أو القواعد الكبرى، أو مصالح حيوية لحلفاء واشنطن، لضربة كبيرة تحدث صدمة سياسية داخل أميركا. وثالثها أن يقتنع ترامب، أو من يدفعه، بأن ضربة نووية “محدودة” قد تنهي الحرب بسرعة وتعيد تثبيت الردع من دون الحاجة إلى غزو أو استنزاف طويل. لكن هذه الفرضية نفسها تخفي أكبر أكاذيب الحروب النووية: لا توجد ضربة نووية “محدودة” بالمعنى السياسي. قد تكون محدودة تقنيًا، وقد تكون منخفضة العائد نسبيًا، لكن أثرها السياسي والنفسي والأخلاقي سيكون بلا سقف. فالعالم لن يسأل عن عدد الكيلوطنات، بل عن الحقيقة الأهم: أميركا كسرت المحظور. وإذا فعلها… ماذا بعد؟ إذا وقع المحظور، فإن الشرق الأوسط سيدخل فورًا مرحلة ما بعد كل شيء. إيران ستتعامل مع الحدث بوصفه حرب إبادة سياسية، لا مجرد تصعيد عسكري. وهذا يعني أن الرد لن يُقاس فقط بحجم الخسائر الميدانية، بل بطبيعة الحرب الجديدة: استهداف شامل للمصالح الأميركية، انفجار مسارح المنطقة، توسيع الاشتباك عبر الحلفاء، وتحويل كل بنية حيوية مرتبطة بواشنطن في الإقليم إلى هدف محتمل. ثم يأتي الاقتصاد العالمي. يكفي أن يكون مضيق هرمز مهددًا أصلًا حتى ترتجف الأسواق. أما إذا ترافقت الحرب مع استخدام نووي، فإن العالم لن يكون أمام أزمة نفط فقط، بل أمام أزمة ثقة بالنظام الدولي كله: الشحن، التأمين، الطاقة، الأسواق المالية، سلاسل الإمداد، كلها ستدخل
في الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز، تستقر قاعدة غير مكتوبة: من يمرّ لا يملك، ومن يسيطر يتحكّم. هذه المعادلة حكمت لعقود سلوك إيران، التي احتفظت بورقة المضيق، تلوّح بإغلاقه كلما أرادت رفع كلفة المواجهة، وتستخدمه أداةَ ردع تُرهق الأسواق العالمية. غير أن اندلاع الحرب الأخيرة يوحي بأن القاعدة تتعرّض لإعادة صياغة. في واشنطن، تبدو إدارة دونالد ترامب أقلّ ميلاً إلى الاكتفاء بإعادة فتح الممر، وأكثر اندفاعًا نحو إعادة تعريفه على نحو دائم. الإشارات الأولية، التي كشف بعضها المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو، تتجاوز هدف “تأمين الملاحة” إلى مشروع أوسع: خفض المخاطر على المدى الطويل عبر تفكيك مصادر التهديد. المؤشرات العملياتية تتحدث عن مسار متعدد المراحل: تحييد القدرات الإيرانية القادرة على استهداف السفن، إزالة الألغام، وضرب البنى التي تمكّن من تعطيل المرور. لكن المرحلة الأكثر حسمًا تكمن في فرض واقع ميداني جديد يعيد توزيع عناصر القوة داخل المضيق نفسه. هنا يبرز العامل الحاسم: الانتشار البحري السريع والقابل للمناورة، مع وحدات جاهزة للإنزال والهجوم. وفق تقديرات مسؤولين حاليين وسابقين، تتحول الجزر إلى مفتاح المعادلة. قشم وكيش وهرمز قد تبدو نقاطًا صغيرة على الخريطة، لكنها تمثل عقدًا عسكرية متقدمة: منصات صاروخية، وبنى بحرية، وشبكات من الأنفاق والزوارق السريعة. والسيطرة عليها لا تعني فقط تأمين الممر، بل امتلاك ورقة ضغط استراتيجية في قلبه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فجزيرة خارك، شريان تصدير النفط الإيراني، تدخل ضمن الحسابات. وبين خيار التدمير وخيار السيطرة المحكمة، يبدو أن السيناريو الأرجح هو فرض قبضة ميدانية تضع طهران في موقع دفاعي خانق. مع ذلك، لا يمكن تجاهل كلفة هذا التحول. فأي اقتراب مباشر من الأراضي الإيرانية قد يُفسَّر بوصفه تصعيدًا غير مسبوق، وقد يستدعي ردودًا خارج الأنماط التقليدية. وهنا تحديدًا يقف المضيق على حافة معادلة جديدة: لم يعد مجرد ممر مائي، بل اختبارًا مفتوحًا لمن يملك قرار الطاقة في العالم.
شهد مسرح العمليات في الصراع بين حزب الله وإسرائيل تطوراً نوعياً مع استهداف منشأة اتصالات فضائية حساسة تقع قرب مدينة بيت شيمش في وادي إيلا، على مسافة تقارب 25 كيلومتراً غرب القدس المحتلة الضربة، التي نُفذت بصاروخ دقيق من طراز «نصر-2»، حملت دلالات تتجاوز الأثر المادي المباشر للعملية، لتدخل في إطار الحرب على البنى التحتية الاستراتيجية التي تشكّل العمود الفقري لمنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية. يشكّل الموقع المستهدف إحدى أبرز محطات الربط الأرضية للأقمار الصناعية في إسرائيل، وتديره شركة الاتصالات الفضائية الأوروبية «إس إي إس». وتضم المنشأة شبكة واسعة من الهوائيات الأرضية، يبلغ عددها نحو 95 هوائياً بأحجام مختلفة، تُستخدم لربط الأقمار الصناعية بشبكات الاتصالات الأرضية المدنية والعسكرية. لم تعد الحرب على المواقع فقط، بل على الأعصاب التي تُدير الدولة وتُشغّل جبهتها العسكرية مستوى جديد وتكتسب هذه المنشأة أهميتها من دورها في إدارة تدفق البيانات عبر منظومة أقمار الاتصالات الإسرائيلية، بما فيها أقمار «عاموس» التي توفر خدمات الاتصالات الاستراتيجية والتجارية على حد سواء، إضافة إلى دورها في دعم منظومات الاتصالات العسكرية عبر الأقمار الصناعية المرتبطة بشعبة الاتصالات في الجيش الإسرائيلي. إن استهداف هذه العقدة الاتصالية لا يمكن قراءته بوصفه ضربة تكتيكية محدودة، بل هو مؤشر على انتقال الصراع إلى مستوى استهداف البنى التحتية المعلوماتية التي تعتمد عليها العمليات العسكرية الحديثة. فشبكات الاتصالات الفضائية تشكّل، في العقيدة العسكرية المعاصرة، جزءاً أساسياً من منظومة القيادة والسيطرة والاستطلاع، كما تمثل قناة رئيسية لتمرير المعلومات العملياتية والاستخبارية بين الوحدات المنتشرة في الميدان ومراكز القيادة. وتزداد أهمية هذه الضربة إذا ما أُخذ في الاعتبار البعد الجغرافي للعملية. فالموقع يقع على مسافة تقارب 155 كيلومتراً من الشريط الحدودي مع لبنان، وهذه المسافة تضع الهدف خارج نطاق الاشتباك التقليدي لراجمات الصواريخ غير الموجهة، ما يعني أن إصابته تتطلب منظومة نارية قادرة على العمل في عمق جغرافي كبير، مع مستوى مقبول من الدقة. تطور القدرات الصاروخية الصاروخ الذي أعلن حزب الله استخدامه في هذه العملية هو «نصر-2»، وهو تطوير لصاروخ «إم-302» المعروف باسم «خيبر». وقد ظهر هذا الصاروخ في بدايته عام 2004 كسلاح راجمي غير موجه، بمدى يقارب 100 كيلومتر، وكان يعتمد على نمط القصف المساحي مع هامش خطأ مرتفع نسبياً، ما يجعله أقرب إلى سلاح إشباع ناري منه إلى وسيلة استهداف دقيقة. غير أن برامج التطوير التي قادتها مؤسسات البحث العسكري في سوريا أدخلت تعديلات جوهرية على هذا الصاروخ خلال السنوات اللاحقة. فقد جرى العمل على تحسين خصائص الطيران والاستقرار الديناميكي، كما أضيفت منظومة توجيه تعتمد على الملاحة بالقصور الذاتي، بما يسمح ببرمجة إحداثيات الهدف قبل الإطلاق وتصحيح المسار أثناء الطيران. هذه التحسينات التقنية رفعت مدى الصاروخ إلى أكثر من 160 كيلومتراً، كما خفّضت هامش الخطأ بشكل ملحوظ مقارنة بالنسخ الأولى. وبذلك انتقل السلاح من فئة الصواريخ غير الموجهة إلى فئة الصواريخ شبه الدقيقة، وهو تحول يفتح المجال أمام استهداف منشآت حساسة في العمق الاستراتيجي، بدلاً من الاكتفاء بالقصف المساحي. البعد الصناعي والتكنولوجي يرتبط تطوير هذا الصاروخ ببرامج المجمع الصناعي العسكري السوري، ولا سيما مراكز الأبحاث التابعة لمؤسسة البحوث العلمية العسكرية. وقد جرى تصنيع النسخ الأولى في منشآت تقع في منطقة السفيرة قرب مدينة حلب، ضمن ما عُرف بـ«المشروع 702»، الذي تولى تطوير عدد من أنظمة الصواريخ التكتيكية. غير أن هذا البرنامج تعرض لضربات إسرائيلية متكررة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها عملية إنزال عسكرية استهدفت منشأة تحت الأرض في مصياف، بهدف تعطيل خطوط الإنتاج الخاصة بالصواريخ الدقيقة. وقد أظهرت الصور التي التُقطت داخل الموقع مكونات صناعية مرتبطة بمحركات الصواريخ، إضافة إلى معدات خلط الوقود الصلب المستخدمة في تصنيع محركات الدفع. الحرب الخفية على العقول العلمية ضمن هذا السياق، برز اسم العالم السوري الدكتور المهندس عزيز إسبر، الذي اغتيل عام 2018 في عملية نُسبت إلى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. وكان إسبر أحد أبرز العقول العلمية في برنامج تطوير الصواريخ السورية، وقد تلقى تعليمه في المدرسة العليا للطيران والفضاء في مدينة تولوز الفرنسية، حيث حصل على درجة الماجستير في الميكانيك، ثم الدكتوراه في ميكانيكا الموائع. وبعد عودته إلى سوريا، تولى مواقع علمية متقدمة داخل مراكز الأبحاث الدفاعية، إلى أن أصبح مديراً لمركز الأبحاث في مصياف، حيث ارتبط اسمه ببرامج تطوير الصواريخ التكتيكية وتحسين دقتها. وقد اعتُبر اغتياله جزءاً من حرب الظل التي هدفت إلى إبطاء أو تعطيل نقل التكنولوجيا الصاروخية المتقدمة إلى حلفاء سوريا في المنطقة. قراءة في الدلالات الاستراتيجية من منظور عسكري تحليلي، تعكس هذه العملية انتقال الصراع تدريجياً من نمط القصف الكثيف إلى نمط الاستهداف النوعي للبنى التحتية الحساسة. فإصابة عقدة اتصالات فضائية في عمق إسرائيل تعني أن معادلة الردع لم تعد محصورة في استهداف القواعد العسكرية القريبة من الحدود، بل باتت تشمل البنية التحتية التكنولوجية التي تعتمد عليها الدولة في إدارة عملياتها العسكرية والاقتصادية. كما تكشف العملية عن تطور في مفهوم استخدام القوة الصاروخية لدى الفاعلين غير الدولتيين، حيث يجري توظيف الصواريخ بعيدة المدى في إطار عمليات دقيقة نسبياً تستهدف نقاطاً ذات قيمة استراتيجية عالية. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الحرب على البنية التحتية المعلوماتية في الصراعات الحديثة، حيث يمكن لتعطيل شبكات الاتصالات والبيانات أن يؤثر في فعالية القيادة والسيطرة بقدر ما تفعله الضربات المباشرة ضد الوحدات العسكرية. وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن استهداف محطة الاتصالات الفضائية قرب بيت شيمش يمثل نموذجاً لما قد يشهده الصراع في المنطقة خلال السنوات المقبلة، حيث تتحول البنى التحتية التكنولوجية إلى ساحات مواجهة مركزية في حرب تتزايد فيها أهمية الدقة والقدرة على إصابة العقد الاستراتيجية في العمق الجغرافي للخصم.