حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial من بين أكثر تلك التجارب إثارة للجدل تبرز تجربة الحشّاشين، التنظيم النزاري الذي ظهر في أواخر القرن الخامس الهجري، بعد انقسام سياسي وديني داخل الدولة الفاطمية، ليتحول بقيادة حسن الصباح من تيار مذهبي إلى تنظيم سري يمتلك مشروعًا سياسيًا يستخدم العنف المنظم وسيلةً لتغيير موازين القوى. الاغتيال هو الحرب لم يكن الحشّاشون يملكون جيوشًا تضاهي السلاجقة أو الزنكيين أو الأيوبيين، ولذلك ابتكروا معادلة مختلفة: إذا تعذر الانتصار في الحرب المفتوحة، فليكن الاغتيال هو الحرب نفسها. لم يعد الهدف احتلال المدن، بل احتلال عقول الخصوم بالرعب. ولم تعد المعركة على الأرض، بل في النفس، حيث يكفي أن يعلم الوزير أو القائد أن التنظيم قادر على الوصول إليه في أكثر الأماكن تحصينًا حتى يصبح الخوف جزءًا من القرار السياسي. وهكذا تحول الاغتيال من فعل عسكري إلى رسالة سياسية. فالسكين التي كانت تطعن شخصًا واحدًا كانت في الحقيقة تخاطب دولة بأكملها، وتقول إن السلطة، مهما بلغت قوتها، ليست عصية على الاختراق. خطورة الفكرة لم يقتصر الاستهداف على الحكام والقادة العسكريين، بل امتد إلى القضاة والعلماء والفقهاء والمفكرين الذين اعتبرهم التنظيم عقبة أمام شرعيته. هنا تكمن إحدى أخطر سمات التنظيمات العقائدية المسلحة عبر التاريخ، إذ لا ترى خصومها في السلاح وحده، بل في الكلمة أيضًا. فالفقيه الذي يختلف معها قد يصبح أخطر من الجيش الذي يقاتلها، لأن الأفكار هي التي تمنح الشرعية أو تنزعها. ومن اللافت أن الحشّاشين لم يعتمدوا على كثرة العدد، بل على شدة الانضباط العقائدي. فقد أُعدَّ “الفدائي” ليكون مشروع عملية كاملة، يتسلل، ينتظر، يضحي بنفسه إذا لزم الأمر، ويؤمن بأن نجاح المهمة أهم من بقائه حيًا. إنها فلسفة تجعل الفرد أداة في مشروع أكبر، وتذيب الإنسان في التنظيم حتى يصبح وجوده الشخصي تفصيلًا ثانويًا. على الرغم مما أحاط بالحشّاشين من أساطير وروايات متناقضة، فإن المؤكد تاريخيًا أن نفوذهم استمر قرابة قرنين قبل أن تتهاوى قلاعهم أمام المغول في فارس، ثم يُقضى على ما تبقى من نفوذهم في بلاد الشام في عهد الظاهر بيبرس. لكن سقوط القلاع لم يكن نهاية الفكرة، فالأفكار المسلحة قلما تموت بسقوط الحصون، بل تعود بأسماء جديدة، وشعارات مختلفة، وأعلام أخرى. تكرار الأنماط لا ينبغي أن تكون قراءة التاريخ بحثًا عن التطابق بين الماضي والحاضر، بل عن تكرار الأنماط. فكل تنظيم يربط شرعيته بالسلاح أكثر من ربطها بالمؤسسات، ويجعل الولاء العقائدي فوق العقد الوطني، ويحتكر قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة، ويمنح نفسه حق تحديد العدو والصديق، إنما يعيد إنتاج منطق عرفته المنطقة مرارًا بأسماء مختلفة. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل عاد الحشّاشون؟ بل: هل ما زالت البيئة السياسية في الشرق تسمح بولادة نماذج تؤمن بأن القوة المسلحة هي المصدر الأعلى للشرعية؟ وهل تستطيع الدول التي تتعايش طويلًا مع ازدواجية السلطة أن تبني استقرارًا دائمًا، أم أن احتكار الدولة وحدها للقوة يبقى الشرط الأول لأي مشروع وطني؟ التاريخ والتكرار التاريخ لا يكرر الأشخاص، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج الآليات. تتبدل الرايات، وتتغير الشعارات، وتختلف المرجعيات، لكن حين يصبح السلاح هو المرجع الأخير، وحين تُقدَّم العقيدة التنظيمية على الدولة، وحين يُختزل الوطن في مشروع فئة واحدة، فإن التاريخ يهمس بأن الأسماء قد تتغير، أما المنهج فيظل قادرًا على العودة كلما تهيأت له الظروف. الأمم لا تُقاس بعدد التنظيمات التي ولدت فيها، بل بقدرتها على تجاوز مرحلة التنظيمات نحو مرحلة الدولة، الدولة التي لا ينازعها أحد في قرارها، ولا يحتكر فيها أحد تعريف الوطنية، ولا يصبح فيها السلاح لغة السياسة، بل يبقى القانون وحده لغة الجميع. skip render: ucaddon_material_block_quote
skip render: ucaddon_box_testimonial وفي الوقت الذي تسابق فيه الصالونات السياسية والمحافل الدبلوماسية الزمن لفك شيفرات هذا الاتفاق وتحديد أبعاده الاستراتيجية، يعيش الشارع اللبناني على جمر الغليان، حيث تمتزج مشاعر الترقّب بالقلق من القادم، وسط تصاعد نداءات عاجلة من العقلاء تدعو إلى التسلّح بالوعي وضبط النفس، تفاديًا لأي انزلاق قد يطيح بما تبقّى من السلم الأهلي. بنود الاتفاق إذا أردنا تفكيك بنود هذا الاتفاق بعيدًا عن المواربة الدبلوماسية، نجد أنه يقوم في جوهره التنفيذي على هندسة أمنية وميدانية مؤقتة، تُصنَّف في العلوم السياسية كـ«ترتيبات أمر واقع»، وهي صيغة تبتعد تمامًا عن سياق المعاهدات السياسية أو الاعتراف المتبادل، لتقتصر على محاولة إنهاء الأعمال العسكرية وتحقيق استقرار هشّ على جانبي الحدود. يتجلّى هذا الأمر في الالتزام بوقف فوري وشامل لجميع العمليات الحربية والخرقات المتبادلة، يليه انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من الأراضي والمناطق اللبنانية التي توغّلت فيها مؤخرًا، على أن يتقدّم الجيش اللبناني ليتحمّل مسؤولياته كقوة شرعية وحيدة لضبط الأمن وبسط سيادة الدولة، بالتوازي مع تفعيل آليات الرقابة والتنسيق لقوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل»، لضمان خلو منطقة جنوب نهر الليطاني من أي مظاهر مسلحة غير شرعية. غير أن الشقّ الملغوم في هذه المعادلة يكمن في سعي إسرائيل الدؤوب للحصول على ضمانات تتيح لها ما تسميه «حرية الحركة» عند رصد أي تهديد، وهو ما يضع السيادة اللبنانية على المحك. ثوابت لبنانية ورغم الصياغات الفضفاضة والبراغماتية التي صيغت بها هذه الورقة، فإن القراءة الموضوعية لطبيعة الموقف اللبناني تستند إلى ثوابت وطنية وقومية راسخة لا تقبل المساومة أو المناورة، حيث يجمع اللبنانيون، بمختلف طوائفهم، على الرفض المطلق لأي شكل من أشكال التطبيع أو تقديم تنازلات تمسّ بالكرامة السيادية لصالح الجانب الإسرائيلي. وتؤكد أوساط قانونية في بيروت أن ما تم التوقيع عليه ليس «معاهدة سلام»، ولن يكون، بل هو مجرد وثيقة تقنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووقف نزيف الدم، وتأمين انسحاب المعتدي، من دون إعطاء إسرائيل أي شرعية قانونية أو جغرافية في النقاط المتحفّظ عليها. فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يُشترى بعملة التنازل عن استقلال القرار الوطني، وأي بند يحاول منح الاحتلال «حق الرد» أو استباحة الأجواء اللبنانية هو خرق فاضح ومرفوض جملةً وتفصيلًا. غليان الشارع على المقلب الآخر من المشهد السياسي، يبدو الشارع اللبناني اليوم أشبه بمرجل يغلي؛ فالأزمات المتراكمة، الاقتصادية منها والاجتماعية، مضافًا إليها نتائج الحرب والدمار، تركت المواطن في حالة من عدم اليقين. هذا التوتر الميداني والسياسي يضع السلم الأهلي أمام اختبار حقيقي، ما يجعل من «الوعي وضبط النفس» السلاح الأهم في هذه المرحلة الخطيرة. إن الانقسام العمودي في تفسير الاتفاق، بين من يراه انتصارًا للدبلوماسية اللبنانية بانتزاع الانسحاب، ومن يراه تراجعًا أمام الشروط الدولية، قد يتحول في أي لحظة إلى صدام داخلي إذا ما غُذّيت النعرات الطائفية والحزبية. فالخطورة الحقيقية اليوم لم تعد تأتي من الحدود فحسب، بل من الزواريب الداخلية المستعدة للانفجار عند أي شرارة. مسؤولية الإعلام تبرز هنا الحاجة الملحّة إلى التفاف وطني عاقل، ونشر الوعي بضرورة تحييد الاستقرار الداخلي عن التجاذبات السياسية. فضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو تفويت للفرصة على أي محاولة لزعزعة الاستقرار وتمرير مخططات تهدف إلى إدخال البلاد في أتون حرب أهلية جديدة. إن حماية السلم الأهلي وإعادة بناء ما دمّرته الحرب يتطلبان وعيًا شعبيًا كبيرًا يفصل بين المعركة السياسية السيادية المستمرة لحماية الحقوق، وبين حفظ الأمن الداخلي وحياة المواطنين. يقف لبنان اليوم على حافة مرحلة انتقالية بالغة التعقيد والخطورة. إن هذا الاتفاق، بحساباته المعقدة وظروفه الملغومة، لن يكون نهاية المطاف؛ فالصراع مع الجانب الإسرائيلي صراع وجودي وتاريخي لا تلغيه الأوراق والترتيبات الأمنية المؤقتة. أمام هذا الواقع، يبقى الوعي المجتمعي، والتمسّك بالثوابت السيادية، وضبط النفس في الشارع، شبكة الأمان الوحيدة التي تقي لبنان من الانفجار الساحق والضياع في دهاليز الفوضى المستوردة.
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial لبنان الذي صنع أولى المدارس الإعلامية العربية، واحتضن كبار الصحافيين والمذيعين والمخرجين والمنتجين، لا يعاني اليوم من نقص في المواهب، بل من غياب الرؤية. فبين عشرات الشاشات والمنصات التي تتحدث باسم الطوائف والأحزاب والمموّلين، يكاد يغيب الصوت الذي يتحدث باسم الدولة والمجتمع والمصلحة الوطنية الجامعة. ماذا لو فرضت الدولة رسوماً وضريبة خاصة على المحتوى الرقمي الهابط الذي يحقق ملايين المشاهدات والأرباح من دون أي مساهمة حقيقية في التنمية الثقافية أو الاقتصادية؟ ليس بهدف تقييد الحريات، بل بهدف إعادة استثمار جزء من هذه العائدات في بناء إعلام وطني محترف يليق ببلد يمتلك واحدة من أغنى الطاقات الإبداعية في المنطقة. تخيّلوا لو أن هذه الإيرادات خُصصت لصندوق وطني لتطوير تلفزيون لبنان، ولإعادة تأهيل استديوهاته، وتحديث معداته، واستقطاب أفضل الكفاءات الإعلامية والفنية والتقنية. تخيّلوا لو أصبح صانع المحتوى الموهوب، والمخرج المبدع، والصحافي المحترف، والمبرمج المتخصص بالإعلام الرقمي، جزءاً من مشروع وطني كبير، بدلاً من أن يكون أسيراً للمنصات الأجنبية أو للهجرة القسرية بحثاً عن فرصة. والحقيقة التي يعرفها كل من يعمل في القطاع الإعلامي العربي أن لبنان لم يفقد موهبته الإعلامية يوماً، بل فقد قدرته على الاحتفاظ بها. فمعظم القنوات الفضائية العربية الكبرى، من الخليج إلى شمال أفريقيا، تضم في غرف الأخبار والتحرير والإنتاج عشرات اللبنانيين الذين يشغلون مواقع قيادية ومؤثرة. كثير من رؤساء التحرير، ومديري الأخبار، والمنتجين التنفيذيين، والمذيعين، والمراسلين، والمحللين السياسيين، وخبراء الإعلام الرقمي، هم أبناء المدرسة الإعلامية اللبنانية التي بنت سمعتها على مدى عقود. لكن هؤلاء لم يغادروا لأن أوطاناً أخرى كانت أكثر إبداعاً من لبنان، بل لأن دولاً أخرى كانت أكثر قدرة على الاستثمار فيهم. هاجروا حيث الرواتب المجزية، والاستقرار المهني، والبنية التحتية الحديثة، وفرص التطور الوظيفي. وما نشاهده يومياً على الشاشات العربية من وجوه لبنانية لامعة تقدم نشرات الأخبار والبرامج السياسية والاقتصادية والثقافية، ليس إلا دليلاً حياً على أن رأس المال البشري اللبناني ما زال موجوداً، لكنه يعمل لصالح اقتصادات وأسواق إعلامية أخرى. ماذا لو قررت الدولة استعادة جزء من هذا الرأسمال البشري؟ ماذا لو وجد الإعلامي اللبناني نفسه أمام مؤسسة وطنية حديثة توفر له بيئة عمل محترفة وفرصاً توازي ما يجده في الخارج؟ عندها لن يكون استقطاب الكفاءات أمراً مستحيلاً، بل مشروعاً واقعياً يمكن أن يعيد إلى بيروت دورها التاريخي كعاصمة للإعلام العربي. والأمر لا يتوقف عند شاشة تلفزيونية. فالدول التي تفكر بالمستقبل لا تستثمر في الإعلام بوصفه قطاعاً خدمياً فقط، بل بوصفه صناعة كاملة. صناعة تخلق الوظائف وتولّد الإيرادات وتجذب الاستثمارات. ومن هنا، يمكن للبنان أن يذهب أبعد من مجرد تطوير تلفزيون رسمي، نحو إنشاء مدينة إعلامية متكاملة تضم استديوهات إنتاج حديثة، ومراكز تدريب، وشركات مؤثرات بصرية، ومنصات بث رقمية، ومرافق تستقطب القنوات العربية والعالمية لتصوير برامجها وأفلامها وأعمالها الوثائقية من بيروت. وليس في ذلك أي خيال سياسي. فمدن إعلامية مماثلة نجحت في تحويل الإعلام إلى مصدر دخل وطني بمليارات الدولارات، وجعلت من الصناعة الإبداعية أحد أعمدة الاقتصاد الحديث. أما لبنان، الذي يمتلك الموقع الجغرافي والخبرات البشرية والتنوع الثقافي والحرية الإعلامية النسبية، فيملك كل المقومات اللازمة ليكون مركزاً إقليمياً للإنتاج الإعلامي لو توفّرت الإرادة. في تلك اللحظة، لن يكون تلفزيون لبنان مجرد قناة رسمية تبث نشرات الأخبار، بل منصة وطنية لصناعة الرواية اللبنانية. رواية تُعرّف العالم على لبنان الثقافة، لا لبنان الأزمات فقط، وعلى لبنان الإبداع، لا لبنان الانهيار فقط، وعلى لبنان الإنسان، لا لبنان الانقسام فقط. عندها ستتراجع الحاجة إلى إعلام الاصطفافات الضيقة الذي يزرع الحواجز بين اللبنانيين، لأن الدولة ستكون قد قدّمت بديلاً مهنياً قادراً على المنافسة والجذب والتأثير. وعندها أيضاً، ستتحول الأموال التي تذهب اليوم إلى اقتصاد التفاهة والصراخ والابتذال إلى استثمارات في المعرفة والإبداع والهوية الوطنية. وربما تصبح بيروت مجدداً الوجهة الأولى للصحافيين والمراسلين وشركات الإنتاج العربية، لا مدينة يهاجر منها الإعلاميون، بل مدينة يعودون إليها. مدينة تصدّر المحتوى والخبر والخبرة إلى المنطقة، كما كانت تفعل لعقود طويلة، عندما كانت الصحافة العربية تنظر إلى لبنان باعتباره مختبر الأفكار ومنصة الحريات وعاصمة الكلمة الحرة. السؤال الحقيقي ليس إن كان لبنان قادراً على ذلك، بل لماذا لم يفعل ذلك حتى الآن. فبلد أنجب كبار الإعلاميين العرب، وعلّم المنطقة معنى الصحافة الحرة والإنتاج التلفزيوني الراقي، لا يليق به أن يبقى متفرجاً على تراجع دوره فيما تصنع دول أخرى مستقبل الإعلام من حوله. لقد آن الأوان لأن يعود لبنان إلى مكانه الطبيعي: ليس ساحة تتنافس فيها الأصوات المتناحرة، بل منصة تصنع الأفكار والروايات والصور التي تصل إلى العالم كله. وعندما تستعيد الدولة شاشتها الوطنية، قد تكتشف أن الاستثمار في الكلمة والصورة ليس أقل أهمية من الاستثمار في الطرق والمرافئ والمطارات، لأن الأمم تُبنى بالاقتصاد، لكنها تُعرّف نفسها للعالم عبر الإعلام. وربما يكتشف اللبنانيون أن الثروة الحقيقية التي غادرت بلادهم لم تكن النفط ولا الغاز، بل آلاف العقول والكفاءات التي صنعت نجاح الإعلام العربي في الخارج، فيما كانت تنتظر فرصة صغيرة فقط لتصنع النجاح نفسه في وطنها.