في وسط دمشق حديقة صغيرة تسبح في بركتها البطّات. الأطفال يسمّونها «جنينة البط»، والكبار «جنينة السبكي»، فيما تقول اللافتة الرسمية: «حديقة زنوبيا». ثلاثة أسماء لمكان واحد، ولا أحد تقريبًا يعترف بالاسم الذي اختارته السلطة. لعلّ هذه الحديقة تختصر تاريخ الشام أكثر مما تختصره كتب السياسة؛ الناس يحتفظون بما يحبون، والسلطة تغيّر اللافتات، والذاكرة الشعبية تنتصر في النهاية على المراسيم. كان في المكان بستان لعالم دمشقي كبير، تقي الدين السبكي، أحد أبرز قضاة وعلماء بلاد الشام قبل سبعة قرون. اختفى البستان وبقي الاسم، كما بقيت أسماء الرجال الذين صنعوا من دمشق يومها عاصمة للعقل في زمن الانهيار. فعندما سقطت بغداد وهدّد المغول الشرق، لم تكن دمشق مدينة آمنة تمامًا، لكنها تحوّلت إلى ملجأ للعلماء والكتب. جاءت العائلات الهاربة من حرّان وغيرها، وحملت مخطوطاتها على عربات تجرّها الأيدي بعدما نفدت الدواب. ومن بين هؤلاء طفل اسمه أحمد بن تيمية، سيصبح لاحقًا أحد أكثر علماء المدينة إثارة للجدل وتأثيرًا. في دمشق نفسها عاش السبكي، وعاش صدر الدين بن الوكيل، الفقيه والشاعر الذي حفظ ديوان المتنبي في أيام، ووقف في مناظراته أمام ابن تيمية. ثلاثة رجال اختلفوا بشدة، لكنهم لم يحوّلوا الاختلاف إلى حرب إبادة رمزية، ولم يتعاملوا مع خصومهم باعتبارهم خونة أو عملاء أو خارجين من الملّة الوطنية، كما يفعل بعض سياسيي الشام اليوم بكل من لا يصفّق لهم. اختلف ابن تيمية مع الاحتفال السنوي بالمولد النبوي، ورأى أن المحبة لا تحتاج إلى تقليد لم يفعله الصحابة، بينما وقف السبكي في مجلس علم حين سمع أبياتًا في مدح النبي، فوقف معه الحاضرون. كان الخلاف عميقًا، لكنه ظل خلافًا على الفعل لا على كرامة الفاعل، وعلى المنهج لا على حق الإنسان في الوجود. والأطرف أن الشاعر الذي أنشد أبيات المدح كان من المدرسة نفسها التي ينتمي إليها ابن تيمية. أي إن القصيدة عبرت بين المعسكرين بسهولة، بينما يعجز سياسيونا عن عبور شارع واحد من دون حواجز طائفية وحزبية وأمنية. الأكثر دلالة أن السبكي، الذي أمضى عمره يردّ على ابن تيمية، كتب عنه أنه عالم كبير لا يتكرر مثله في الزمان. وحين مات ابن الوكيل، لم يشمت به ابن تيمية، بل ترحّم عليه رغم الخصومة والمناظرة. هؤلاء العلماء لم يكونوا ملائكة، ولم يكونوا متفقين، لكنهم كانوا يعرفون الفرق بين نقد الفكرة وإعدام صاحبها معنويًا. هنا تصبح الحكاية مرآة جارحة للشام المعاصرة، من سوريا إلى لبنان وفلسطين. ففي زمن العلماء، كان الاختلاف يوسّع المعرفة؛ وفي زمن بعض السياسيين، صار الاختلاف يهدد العرش. كان العالم يملك شجاعة الاعتراف بفضل خصمه، بينما يصرّ السياسي على أن فضيلة خصمه الوحيدة هي اختفاؤه. كان العلماء يتنافسون على الحجة، أما ورثة السلطة فيتنافسون على احتكار الطائفة، والقرار، والتمثيل، وحتى تعريف الوطنية. في لبنان، حيث تُدار السياسة غالبًا بمنطق الطوائف المقفلة، وفي فلسطين حيث تحوّل التمثيل إلى امتياز شبه عائلي، وفي سوريا حيث ابتلعت السلطة المجتمع لعقود، تبدو الحاجة إلى أخلاق السبكي وابن تيمية وابن الوكيل أكثر إلحاحًا من الحاجة إلى خطب جديدة عن الوحدة. فالوحدة التي تقوم على إسكات الناس ليست وحدة، والوفاق الذي يشترط موت المعارض ليس وفاقًا، والمرجعية التي لا تحتمل سؤالًا ليست مرجعية، بل غرفة تحكّم. لقد بقيت كلمات ابن الوكيل حيّة حتى لحّنها الرحابنة وغنّتها فيروز ووديع الصافي بعد قرون. أما كثير من الخطب السياسية التي ملأت الساحات، فلم يبقَ منها سوى صدى مكبّرات الصوت. ذلك هو الفارق بين من يكتب للتاريخ ومن يكتب لمحضر اجتماع حزبي. في المساء، تظل البطّات تسبح في بركة «جنينة البط»، غير عابئة باسم اللافتة. وربما كان على سياسيي الشام أن يتعلموا من تلك البركة درسًا بسيطًا: يمكن لمكان واحد أن يحمل ثلاثة أسماء، لكن الوطن لا يحتمل أن يصرّ كل زعيم على أن يكون اسمه وحده هو الوطن
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial المشكلة ليست أن لندن اتخذت إجراءات ضد المستوطنات، بل أنها فعلت ذلك بعد أن استنفدت كل قاموس النفاق الدبلوماسي: «نشعر بالقلق»، «نحث على ضبط النفس»، «نؤكد التزامنا بحل الدولتين»، ثم تصمت بينما يجري تدمير الدولة التي تزعم أنها تؤمن بقيامها. بريطانيا لم تكن تجهل حقيقة الاستيطان، لكنها كانت تفضّل جهلًا انتقائيًا؛ ترى الصاروخ الفلسطيني جريمة، وترى المستوطنة الإسرائيلية «تعقيدًا على الأرض». لقد ظلّت لندن سنوات طويلة تمارس ازدواجية معايير فاضحة: تفرض العقوبات على دول حين تنتهك القانون الدولي، وتلوّح بعزل حكومات حين تتجاوز الحدود، لكنها حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تتحول القوانين إلى نصائح، والاحتلال إلى «نزاع»، والاستيطان إلى «خلاف على الأراضي»، والضحايا الفلسطينيون إلى أرقام في تقارير باردة. كأن القانون الدولي في السياسة البريطانية ليس قاعدة عامة، بل خدمة مميزة لا تشمل إسرائيل. غير أن إسرائيل نفسها ساهمت في إسقاط هذه المسرحية. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية لم تعد تترك لحلفائها الغربيين فرصة الادعاء بأن الاستيطان عابر أو قابل للتجميد أو جزء من تسوية مستقبلية. المشروع بات واضحًا: الأرض للفعل الإسرائيلي، والدولة الفلسطينية للخطاب الغربي، والتهجير للواقع، وحل الدولتين للاستهلاك الإعلامي. وفي كل مرة تتحدث فيها لندن عن السلام، كانت الجرافات الإسرائيلية تقدم ردّها الميداني الأكثر صدقًا. ما تغيّر ليس ضمير بريطانيا، بل كلفة التواطؤ. فقد أصبحت إسرائيل عبئًا متزايدًا على صورتها الدولية، وعلى خطابها الحقوقي، وعلى حزب العمال الذي اكتشف أن فلسطين لم تعد قضية بعيدة في الشرق الأوسط، بل اختبارًا يوميًا لمصداقيته داخل المجتمع البريطاني. الناخب الذي يُطلب منه تصديق دفاع لندن عن حقوق الإنسان في أوكرانيا أو في أماكن أخرى، لم يعد مستعدًا لتجاهل التناقض حين يرى حقوق الفلسطينيين تُعامل باعتبارها استثناءً دائمًا. لقد وصلت ازدواجية المعايير إلى مرحلة لم تعد قابلة للتسويق حتى باللغة الدبلوماسية. كيف يمكن لبريطانيا أن تعاقب روسيا بسبب احتلال أراضٍ أوكرانية، ثم تتردد في التعامل مع منظومة استيطانية إسرائيلية تقوم على الاحتلال والضم والتهجير؟ كيف يمكنها أن تتحدث عن النظام الدولي القائم على القواعد، ثم تسمح لحليفها بأن يتعامل مع هذه القواعد باعتبارها اقتراحات غير ملزمة؟ وأي معنى يبقى للقانون الدولي إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية المعتدي وعلاقته بواشنطن ولندن؟ ومع ذلك، فإن الإجراءات البريطانية لا تعني أن لندن قررت مواجهة إسرائيل، بل إنها تحاول إنقاذ نفسها من صورة الحليف الذي يدافع عن كل شيء مهما بلغ سوءه. إنها تعاقب بعض أدوات الاحتلال، لا الاحتلال نفسه؛ تُضيّق على المستوطنات، لكنها لا تزال تحافظ على بنية التحالف؛ ترفع سقف النقد، لكنها لا تقترب من السقف الذي قد يهدد العلاقة الاستراتيجية. إنها سياسة تقول لإسرائيل: «نحن منزعجون من الطريقة التي تجعليننا نبدو بها»، لا: «نحن نرفض ما تفعلينه بالفلسطينيين». وهنا تكمن المفارقة الأكثر فجاجة: بريطانيا لا تتحرك لأن الفلسطينيين حصلوا أخيرًا على العدالة، بل لأن إسرائيل جعلت الظلم مكلفًا سياسيًا لمن يحميه. لم يصبح الاحتلال أقل وحشية، وإنما أصبح الدفاع عنه أكثر إحراجًا. ولم يتغير ميزان الأخلاق في لندن، بل تغير ميزان الخسائر. إن كانت هذه الخطوة بداية مسار حقيقي، فعليها أن تتجاوز العقوبات الانتقائية إلى مراجعة شاملة للعلاقة مع دولة تجعل من خرق القانون الدولي سياسة دولة. أما إذا كانت مجرد عملية تجميل للوجه البريطاني، فإنها لن تكون سوى محاولة لغسل اليدين من دماء يعرف الجميع كيف وصلت إليهما. فبريطانيا لا تحتاج إلى اكتشاف أن الاستيطان غير قانوني؛ تحتاج إلى تفسير لماذا احتاجت كل هذه السنوات كي تتصرف كما لو أنها تصدق ما تقوله. وفي السياسة الدولية، لا يكفي أن تعاقب الجريمة متأخرًا إذا كنت قد أمضيت عقودًا في حماية مرتكبها من تبعاتها.
skip render: ucaddon_box_testimonial يكفي أن تمنحه صورة لوجهك، وتطلب منه بكل ثقة أن يحوّلك إلى «جيل الثمانينات»، حتى تكتشف بعد ثوانٍ أنك كنت، بحسب الخوارزمية، شخصًا آخر تمامًا؛ شعر كثيف، قميص مفتوح قليلًا، نظارات كبيرة، ألوان أكثر جرأة من ذوقك الحالي، وسيارة في الخلفية تبدو وكأنها تنتظر تصوير فيديو كليب. أما النتيجة العربية شبه المضمونة، فهي أن الشباب يخرجون شبه الشاب خالد، والبنات شبه سميرة سعيد، وكأن الخوارزمية قررت أن تختصر عقدًا كاملًا من التاريخ الاجتماعي والثقافي العربي في نجمين وتسريحة شعر. يبدو أن الذكاء الاصطناعي لا يملك أرشيفًا حقيقيًا للثمانينات بقدر ما يملك «كليشيه» عنها، فبالنسبة إليه، ليست الثمانينات العربية عقدًا زمنيًا معقدًا عاش فيه الناس أزمات وحروبًا وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، وإنما هي تسريحة شعر، وجينز، ونظارات شمسية، وكاسيت، وبعض الألوان الفاقعة، ثم قليل من الشاب خالد وسميرة سعيد لتكتمل الطبخة. هنا تكمن الكوميديا؛ فنحن نطلب من آلة فائقة الذكاء أن تعيدنا إلى الماضي، فترد علينا بماضٍ يصلح لإعلان شامبو. الأكثر طرافة أن كثيرًا ممن يشاركون في هذا الترند لم يعيشوا الثمانينات أصلًا، أو كانوا أطفالًا بالكاد يميّزون بين جهاز الفيديو وجهاز التسجيل، ومع ذلك ها هم اليوم يستعيدون «شبابهم» في عقد لم يكونوا قد وصلوا فيه حتى إلى مرحلة الشباب. لقد منحنا الذكاء الاصطناعي، ببساطة، اختراعًا جديدًا يمكن تسميته «الحنين إلى ذكريات لم نعشها»، وهي ربما إحدى أكثر المفارقات دلالة على علاقتنا الحديثة بالزمن. فنحن لا نستعيد الماضي كما كان، وإنما كما نحب أن نتخيله، ولا نبحث في الصورة عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن نسخة أجمل منها. وهذا ليس تفصيلًا عابرًا، لأن المجتمعات التي تنظر إلى الماضي بهذه الشهية ليست بالضرورة مجتمعات تكره التكنولوجيا، بل ربما تكون مجتمعات تشعر بأن المستقبل أصبح سريعًا ومربكًا ومكلفًا نفسيًا إلى درجة تجعل الماضي يبدو أكثر لطفًا، حتى عندما لا يكون كذلك. نحن نعيش في زمن تستطيع فيه الخوارزميات أن تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وأن تقلّد أصواتنا ووجوهنا، وأن تكتب نيابة عنا، ونستخدم تكنولوجيا المستقبل كي نرتدي الماضي. ولعل أجمل ما في هذه الصور أنها تكشف مقدار الكذب الجميل الذي نحبه في ذاكرتنا، فالثمانينات التي يعيدها الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة الثمانينات التي عاشها الناس فعلًا، وإنما الثمانينات التي قررنا، بعد عقود، أنها كانت أجمل. حتى الوجوه أصبحت خاضعة للحنين الجماعي، لكن الترند يصبح أكثر إثارة عندما نسأل: لماذا نريد أن نبدو أصغر وأقدم في الوقت نفسه؟ ربما لأن الإنسان المعاصر فقد السيطرة على الزمن، وصار يعيش في حاضر سريع لا يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، فيلجأ إلى صورة مصطنعة تمنحه شعورًا بأن هناك زمنًا كان أكثر بطئًا، وأكثر وضوحًا، وأكثر قابلية للفهم. لهذا تبدو المسألة، في جوهرها، أقل ارتباطًا بالثمانينات وأكثر ارتباطًا بالهروب من 2026. فالناس لا يطلبون من الذكاء الاصطناعي أن يعيد إليهم عقدًا زمنيًا بقدر ما يطلبون منه أن يمنحهم استراحة قصيرة من حاضر ثقيل، حتى لو كانت هذه الاستراحة مجرد صورة يظهر فيها أصلع اليوم بشعر كثيف، أو شخص لم يعش الثمانينات أصلًا وهو يتصرف كما لو أنه كان نجم فيديو كليب. ولا بأس في ذلك ما دمنا ندرك أن الصورة لعبة، لأن المشكلة تبدأ عندما نصدّقها ونخلط بين الذاكرة والتجميل. فالذكاء الاصطناعي لا يعيد إلينا الماضي، وإنما يبيعنا نسخة محسّنة منه، نسخة بلا ندوب ولا تفاصيل مزعجة ولا تناقضات، ولهذا تبدو الثمانينات التي يصنعها جميلة إلى هذا الحد، وربما لأنها، في نهاية الأمر، لم تحدث بهذه الطريقة. أما الثمانينات الحقيقية، بكل ما فيها من فوضى وأحلام وخيبات وأزمات، فلا تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي كي نتذكرها، بل تحتاج فقط إلى ذاكرة لا تكذب. لكن، في زمن أصبح فيه كل شيء قابلًا للتعديل، يبدو أن الماضي نفسه لم يعد آمنًا من الفيلتر. وإذا استمر الأمر هكذا، فلا نستغرب غدًا أن نطلب من الذكاء الاصطناعي تحويل صورنا إلى «جيل التسعينات»، فنخرج جميعًا بقمصان فضفاضة وتسريحات أغرب، ويقرر لنا أنه في تلك المرحلة كنا، على الأرجح، جورج وسوف للرجال ونانسي عجرم للنساء.