لن يكون مؤتمر «آبل» في التاسع من سبتمبر/أيلول مجرد مناسبة للكشف عن آيفون جديد، بل اختبارًا مبكرًا لشركة تدخل مرحلة مختلفة في تاريخها. فالمؤتمر هو الأول للرئيس التنفيذي الجديد جون تيرنوس بعد انتقال تيم كوك إلى رئاسة مجلس الإدارة، وهو يأتي في لحظة لم يعد فيها السؤال الأساسي: ماذا ستضع «آبل» داخل الهاتف المقبل؟ بل: هل تستطيع الشركة أن تعيد تعريف الهاتف نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي؟ على مدى نحو 15 عامًا، نجح كوك في تحويل «آبل» إلى إمبراطورية اقتصادية أكثر تنوعًا وأوسع نفوذًا، ورفع قيمتها السوقية إلى مستويات هائلة، ووسّع حضور الخدمات والأجهزة داخل منظومة مغلقة جعلت المستخدم لا يشتري منتجًا واحدًا بقدر ما يدخل عالمًا متكاملًا يصعب عليه مغادرته. لكن هذا النجاح يخفي تحديًا جديدًا؛ فالتكنولوجيا لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها التي اعتادت عليها «آبل»، والذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر العلاقة بين الإنسان والجهاز، بينما تبدو الشركة مطالبة باللحاق بسباق تقوده شركات أخرى منذ سنوات. هنا تأتي أهمية تيرنوس؛ فالرجل ليس غريبًا عن قلب الشركة. لقد أمضى أكثر من 25 عامًا داخلها، وكان مسؤولًا عن هندسة الأجهزة التي صنعت جانبًا كبيرًا من نجاح آيفون وآيباد وماك وآبل ووتش وإيربودز. لكن اختيار مهندس للأجهزة لقيادة «آبل» في عصر الذكاء الاصطناعي يحمل مفارقة واضحة: هل تستطيع خبرة العتاد أن تقود شركة تواجه معركة أصبحت البرمجيات والذكاء الاصطناعي فيها أكثر أهمية من شكل الجهاز؟ آيفون الأغلى… والأقل اعتيادًا المؤتمر المقبل يحمل تغييرًا في استراتيجية إطلاق آيفون نفسها. فبدلًا من طرح الطراز القياسي في الخريف كما جرت العادة، تشير التوقعات إلى تأجيل آيفون 18 القياسي إلى ربيع العام المقبل، فيما تركز «آبل» على آيفون 18 برو وبرو ماكس، إلى جانب هاتف «آيفون ألترا» القابل للطي، في أول دخول للشركة إلى سوق الهواتف القابلة للطي. وهذا التحول ليس تفصيلًا تسويقيًا. فالآيفون القياسي كان الأكثر مبيعًا، إذ تصدّر آيفون 17 مبيعات الهواتف عالميًا خلال الربع الثاني من 2026، كما تصدّر آيفون 16 الفترة نفسها من العام السابق. ولذلك، فإن تأجيل الطراز الذي يشتريه العدد الأكبر من المستخدمين يعني أن «آبل» تراهن على الفئات الأعلى سعرًا وهوامش الربح الأكبر. ومن المتوقع أن يبدأ سعر آيفون 18 برو عند نحو 1199 دولارًا، وبرو ماكس عند 1299 دولارًا أو أكثر، بينما قد يتجاوز الهاتف القابل للطي حاجز 2000 دولار. وبذلك لا تقدم «آبل» هاتفًا جديدًا فقط، بل تختبر أيضًا حدود استعداد المستهلك لدفع ثمن أعلى في سوق أصبحت فيه الهواتف الذكية أكثر نضجًا وأقل قدرة على إبهار المستخدم بالقفزات السنوية التقليدية. skip render: ucaddon_material_block_quote الهاتف القابل للطي ليس مجرد شاشة أهمية «آيفون ألترا» لا تكمن فقط في أنه قابل للطي، وإنما في أنه يكشف عن محاولة «آبل» دخول فئة ظلت لسنوات ملعبًا لشركات منافسة، خصوصًا سامسونغ. ومن المتوقع أن يجمع الهاتف بين شاشة داخلية تقارب 7.8 بوصات وشاشة خارجية أصغر، مع تصميم بالغ النحافة، فيما تشير التوقعات إلى الاستغناء عن Face ID لمصلحة بصمة الإصبع. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع «آبل» صناعة هاتف قابل للطي؟ فهذه التكنولوجيا موجودة منذ سنوات. السؤال هو: هل تستطيع أن تجعله منتجًا جماهيريًا يحمل معنى جديدًا للآيفون؟ إذا نجحت، فقد تكون أمامها فئة جديدة تعيد تنشيط سوق الهواتف الراقية. وإذا فشلت، فقد تتحول إلى مجرد محاولة متأخرة للحاق بمنافسين سبقوها إلى السوق. الذكاء الاصطناعي هو الامتحان الحقيقي لكن كل هذه الأجهزة قد تكون أقل أهمية من «سيري». فالذكاء الاصطناعي هو المعركة التي ستحدد موقع «آبل» في السنوات المقبلة، وهنا تحديدًا لا تبدو الصورة مريحة تمامًا. الشركة أعلنت عن «سيري» أكثر ذكاءً، قادرة على فهم السياق الشخصي للمستخدم، والتعامل مع الرسائل والصور والبريد ومحتوى الشاشة، وتنفيذ إجراءات داخل التطبيقات. لكن بعض هذه المزايا لن يكون متاحًا فورًا، كما أن «سيري» الجديدة لن تدعم العربية في البداية. وهذه نقطة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفصيلًا تقنيًا. فالمشكلة بالنسبة إلى «آبل» أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية يمكن إطلاقها لاحقًا؛ لقد أصبح طبقة جديدة فوق التكنولوجيا كلها. والمستخدم بدأ يتوقع من هاتفه أن يفهمه، لا أن ينفذ أوامره فقط. إذا كانت «آبل» قد بنت قوتها على التكامل بين الجهاز والنظام والخدمات، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون الفرصة الأكبر لتوسيع هذا التكامل، لكنه قد يصبح أيضًا نقطة ضعفها إذا سبقها الآخرون في تحويل الهاتف إلى مساعد حقيقي يتنبأ باحتياجات المستخدم وينفذها بدلًا منه. من اقتصاد الآيفون إلى اقتصاد المنظومة تظل قوة «آبل» الأساسية ضخمة. لديها قاعدة مستخدمين هائلة، ونظام تشغيل مغلق ومتكامل، ومتجر تطبيقات، وخدمات، وأجهزة مترابطة، وعلامة تجارية تستطيع بيع المنتج بسعر أعلى من معظم المنافسين. لكن هذه القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى قيد. فكلما كانت المنظومة مغلقة، أصبح التغيير أصعب، وكلما كان المستخدم معتادًا على تجربة مستقرة، أصبح إقناعه بقفزة تكنولوجية جذرية أكثر تعقيدًا. ولهذا، فإن تيرنوس لا يرث شركة فاشلة، بل يرث شركة ناجحة جدًا تواجه مشكلة النجاح نفسه: كيف تغيّر نموذجًا أثبت نجاحه من دون أن تدمره؟ قد يكون آيفون 18 الأغلى، لكن السؤال الحقيقي هو: هل سيكون الأكثر ضرورة؟ آبل أمام لحظة تاريخية من السهل النظر إلى مؤتمر التاسع من سبتمبر باعتباره حفلة أخرى لإطلاق آيفون وساعة وسماعات جديدة. لكن القراءة الأعمق تقول إن «آبل» تدخل اختبارًا أكبر بكثير. فالشركة تغيّر القيادة، وتغيّر استراتيجية إطلاق الآيفون، وتدخل سوق الهواتف القابلة للطي، وتحاول اللحاق بالذكاء الاصطناعي، وترفع الأسعار في وقت يواجه فيه المستهلك العالمي ضغوطًا اقتصادية متزايدة. ولهذا، فإن السؤال الذي سيخرج من المؤتمر ليس فقط: كم يبلغ سعر آيفون 18؟ بل: هل ما زالت «آبل» قادرة على صناعة المستقبل، أم أنها أصبحت بارعة في تحسين الماضي؟ كان تيم كوك سيد مرحلة التوسع والكفاءة وتحويل الابتكار إلى إمبراطورية مالية. أما جون تيرنوس، فيبدو أنه سيدخل مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة يتعين فيها على «آبل» أن تثبت أن التفاحة لا تزال قادرة على مفاجأة العالم. ففي سوق التكنولوجيا، لا يكفي أن تكون الأكبر، عليك أن تكون أول من يجعل المستقبل يبدو ضروريًا.
لم تعد تلة علي الطاهر مجرد موقع عسكري في جنوب لبنان. ما جرى ويجري حولها يفتح ملفًّا أكبر بكثير من تلة وأنفاق ومقاتلين؛ ملف الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، ومن يملك قرار الحرب والسلم على أرضها. أعلنت إسرائيل أنها فرضت «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، وقال جيشها إنه «طهّر» بنى تحت الأرض نسبها إلى حزب الله، فيما تحدثت الرواية الإسرائيلية عن شبكة عسكرية تحت الأرض تضم مواقع قيادة ومنشآت قتالية. وتقول إسرائيل أيضًا إن هذه البنية جرى بناؤها على مدى سنوات، وبتمويل وتخطيط إيرانيين. لكن حتى لو وضعنا الرواية الإسرائيلية جانبًا، يبقى السؤال الذي لا يستطيع لبنان الهروب منه: كيف أصبحت في جنوب بلد عربي بنية عسكرية استراتيجية بهذا الحجم، بينما الدولة اللبنانية نفسها ليست صاحبة القرار العسكري الوحيد؟ هنا تكمن خطورة علي الطاهر. إيران في الخلفية ولبنان في الواجهة لسنوات طويلة، لم يكن نفوذ إيران في لبنان مجرد علاقة سياسية مع حليف محلي. لقد تحوّل، عبر حزب الله، إلى نفوذ استراتيجي يمتد من التمويل والتسليح إلى بناء القدرات العسكرية وتحديد وظيفة الجنوب في معادلة إقليمية أوسع. وإذا صحت الرواية الإسرائيلية بشأن الدور الإيراني في إنشاء بنية علي الطاهر، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة: هل نحن أمام سلاح لبناني وظيفته الدفاع عن لبنان، أم أمام جزء من منظومة إقليمية تُدار حساباتها من خارج لبنان؟ إيران ليست هي التي تدفع ثمن الحرب عندما تُقصف قرية في الجنوب. وليست هي التي تعيد بناء منزل دُمّر. وليست هي التي تبحث عن مدرسة آمنة لأطفالها عندما يتحول الجنوب إلى منطقة عسكرية؛ اللبناني هو من يدفع الثمن. لهذا، فإن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يعني تحويل لبنان إلى منصة دائمة لصراعات الآخرين. skip render: ucaddon_material_block_quote اختبار مختلف لطالما قدّم حزب الله سلاحه باعتباره ضرورة لمواجهة إسرائيل، وربط وجوده بمعادلة الردع وحماية الجنوب، لكن التطورات الميدانية تفرض سؤالًا أكثر قسوة: إذا كان السلاح هو الذي يحمي الجنوب، فلماذا أصبح الجنوب نفسه مسرحًا دائمًا للحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي؟ وإذا كانت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الردع، فماذا يعني سقوط مواقع استراتيجية وكشف منشآت تحت الأرض أمام الجيش الإسرائيلي؟ هذه ليست أسئلة لتسجيل نقاط سياسية على حزب الله، وإنما أسئلة عن جدوى استراتيجية كاملة. فالردع الذي لا يمنع الحرب، والسلاح الذي لا يحمي السكان، والمعادلة التي تجعل الدولة عاجزة عن التحكم بقرار الحرب، تحتاج جميعها إلى مراجعة. ولا يكفي القول إن إسرائيل هي المعتدي، وهو توصيف لا يلغي حق لبنان في الدفاع عن نفسه، لأن السؤال المقابل يبقى قائمًا: كيف يدافع لبنان عن نفسه إذا لم يكن قرار الدفاع لبنانيًا؟ الغائب الذي يجب أن يعود هنا يعود الجيش اللبناني إلى قلب المعادلة. ليس المطلوب من الجيش أن يكون مجرد قوة تنتشر بعد انتهاء المعارك، أو مؤسسة تُستدعى عندما تحتاج الأطراف إلى غطاء رسمي. المطلوب أن يكون صاحب الدور المركزي في حماية الحدود والسيادة والأمن الوطني. الدولة التي لا تحتكر قرار السلاح لا تستطيع أن تحتكر قرار الحرب. والدولة التي لا تملك كامل أدوات الدفاع عن حدودها ستظل مضطرة إلى التفاوض على سيادتها بين قوة مسلحة داخلية وقوة عسكرية إسرائيلية على الحدود، بينما يبقى المجتمع اللبناني عالقًا بينهما. هذه هي المفارقة التي تجعل علي الطاهر أكثر من قصة عسكرية. فبينما تتقاتل القوى على المرتفعات، تنخفض الدولة اللبنانية أكثر فأكثر عن مستوى الأرض التي يُفترض أن تكون صاحبة السيادة عليها. وإسرائيل ليست بريئة من معادلة الفوضى، لكن استعادة سيادة الدولة اللبنانية لا تعني منح إسرائيل شيكًا مفتوحًا. فالقول إن وجود سلاح خارج الدولة يمثل مشكلة لبنانية حقيقية لا يعني قبول الاحتلال أو العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. إسرائيل نفسها تستفيد من وجود سلاح حزب الله لتقديم نفسها بوصفها دولة تواجه تهديدًا دائمًا على حدودها. وكلما اتسعت البنية العسكرية للحزب، اتسعت معها الذريعة الإسرائيلية لضرب لبنان. وهكذا تنشأ الحلقة الجهنمية: حزب الله يقول إن السلاح ضروري بسبب إسرائيل، وإسرائيل تقول إن وجود السلاح يبرر عملياتها، ولبنان الرسمي يجد نفسه بين الطرفين. ومن يدفع الثمن؟ لبنان. علي الطاهر ليست معركة تلة؛ إنها معركة لبنان على سيادته نهاية مرحلة أم بداية مواجهة جديدة؟ السيطرة الإسرائيلية المعلنة على علي الطاهر لا تعني بالضرورة نهاية حزب الله عسكريًا، كما أن تدمير منشأة أو نفق لا يعني انتهاء قدرته على إعادة بناء شبكاته. لكنها قد تعني شيئًا أكثر أهمية: أن معادلة الجنوب القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وإذا تحولت إسرائيل إلى الاحتفاظ بمواقع داخل الجنوب، وربطت الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فإن لبنان سيكون أمام خطر جديد: أن يتحول سلاح الحزب، الذي قيل إنه وُجد لمنع الاحتلال، إلى أحد العوامل التي يستخدمها الاحتلال لتبرير بقائه. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. السلاح الذي حمل شعار تحرير الأرض قد يصبح، في نظر خصومه، سببًا لاستمرار احتلالها. ولذلك، فإن مستقبل الجنوب لن يُحسم فقط في الميدان. سيُحسم في بيروت، في قرار الدولة، في علاقة الجيش بالسلاح، وفي قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها. وفي سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من مرحلة «المقاومة نيابة عن الدولة» إلى مرحلة «الدولة التي تمتلك حق المقاومة والدفاع وتحتكر قرارهما»؟ أمام لحظة الحقيقة قد تختلف القوى اللبنانية حول حزب الله، وحول إيران، وحول إسرائيل، وحول مفهوم المقاومة. لكن هناك حقيقة يصعب الالتفاف عليها: لا يمكن بناء دولة ذات سيادة بجيشين وقرارين وحسابين للحرب والسلم. إذا أراد حزب الله حماية لبنان، فعليه أن يكون جزءًا من استراتيجية دفاعية تقررها الدولة. وإذا أرادت إيران الحفاظ على نفوذها في لبنان، فعليها أن تدرك أن لبنان ليس قاعدة متقدمة في أي مواجهة إقليمية. وإذا أرادت إسرائيل أمنًا دائمًا على حدودها، فلن تحصل عليه بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عمليات مفتوحة. أما الجيش اللبناني، فعليه أن يستعيد دوره الطبيعي: جيش الدولة، لا جيش التسويات. skip render: ucaddon_box_testimonial
تُمثّل هوليوود، منذ نشأتها، ذراعًا أيديولوجية بالغة الأثر في صياغة الوعي الجمعي العالمي، وإعادة رسم التاريخ وفقًا لمصالح القوى المهيمنة على صناعة الإنتاج السينمائي والسياسي في الولايات المتحدة. في قلب هذه المنظومة المعقّدة، برز جيل من صنّاع السينما الذين أتقنوا لعبة «الأجندة الليبرالية» والدفاع الصاخب عن قضايا حقوق الإنسان حول العالم، مقدّمين أنفسهم كأوصياء أخلاقيين على الضمير الإنساني، وعلى رأس هذا الجيل يتربّع النجم والمخرج والمنتج الأميركي جورج كلوني. بطل من ورق لفترة طويلة، احتفت المنصات والمجتمعات العربية والنامية بكلوني كبطل إنساني، نتيجةً لمواقفه في بعض الصراعات الإفريقية، أو لزواجه من المحامية الحقوقية ذات الأصول العربية أمل علم الدين. إلا أن القراءة التفكيكية العميقة لمسيرته السينمائية، ومواقفه الجيوسياسية، وتصريحاته الأخيرة في مهرجان البندقية السينمائي، تكشف عن حقيقة مغايرة تمامًا؛ فنحن لسنا أمام ناشط حقوقي مستقل، بل أمام «صهيوني ناعم» يرتدي قناع الليبرالية لخدمة منظومة هوليوود الاستعمارية، وتوظيف قضايا المظلومية التاريخية لشرعنة سياسات الاحتلال وتقسيم الدول العربية. تاريخيًا، هناك نقاش نقدي مستمر قاده مفكرون كبار مثل إدوارد سعيد في تفكيكه للمركزية الغربية، والمؤرخ نورمان فينكلشتاين في كتابه الأيقوني «صناعة الهولوكوست»، حيث يوضح هذا الفكر النقدي كيف تم تحويل الإبادة الجماعية لليهود على يد النازية من مأساة إنسانية تاريخية إلى «صناعة» تهدف إلى حظر نقد الصهيونية وإسرائيل، وتوفير حصانة أخلاقية دائمة للاحتلال الإسرائيلي، عبر تذكير الغرب والشرق بـ«الذنب الجماعي» تجاه اليهود. skip render: ucaddon_material_block_quote لائحة الصناعة الهولوكوستية ولم يكن جورج كلوني غائبًا عن هذه الصناعة، بل كان مساهمًا بارزًا فيها من خلف الكاميرا وأمامها، مكمّلًا مسيرة أفلام كلاسيكية ترويجية مثل Exodus (1960) وSchindler’s List (1993). ويتجلّى هذا التوظيف الأيديولوجي في فيلمه «رجال الآثار» (The Monuments Men – 2014)، الذي قام بكتابته وإخراجه وإنتاجه وبطولته، متناولًا قصة فرقة من الحلفاء تسعى لإنقاذ التحف الفنية والمقتنيات الثمينة التي نهبها النازيون، حيث يركّز العمل بشكل مكثّف وغير متناسب على إعادة الممتلكات إلى الضحايا اليهود، ليساهم في ترسيخ مفهوم «فرادة المعاناة اليهودية»، وتوجيه الوعي الجمعي الغربي نحو استمرار التعاطف المالي والأخلاقي مع الحركة الصهيونية. هذا البعد الفكري يتقاطع تمامًا مع بطولته لفيلم «الألماني الصالح» (The Good German – 2006)، الذي أعاد صياغة مشهد الدمار وجرائم النازية في بيئة سوداوية تعزّز السردية التقليدية التي تؤكد الذنب الأوروبي/الألماني الجماعي، وهو ذاته الذنب التاريخي الذي استغلّته الحركة الصهيونية ولوبياتها لعقود طويلة لانتزاع الدعم السياسي والمالي غير المشروط لإسرائيل، وتحويل التعويضات الألمانية إلى ميزانيات تسليح لجيش الاحتلال لقمع الشعب الفلسطيني. ملف السودان ولا تقتصر صهيونية كلوني المقنّعة بالليبرالية على الشاشة الفضية، بل امتدت لتصبح أداة تنفيذية في السياسة الخارجية الأميركية الموجّهة ضد العالم العربي. ويبرز ملف السودان كشاهد ملك على كيفية استخدام كلوني لـ«العمل الإنساني» كغطاء لتنفيذ مخططات جغرافية تخدم أمن إسرائيل المطلق. فمن الناحية الاستراتيجية، تقع خطة تقسيم السودان وفصله عن عمقه العربي والإسلامي في قلب الاستراتيجية الصهيونية القديمة، والمعروفة بـ«مشروع برنارد لويس» لتفتيت الدول العربية الكبرى، و«وثيقة يينون» التي رأت في إضعاف وتفتيت مصر والعراق والسودان ضرورة حتمية لضمان الهيمنة الإسرائيلية. وقد أسهم كلوني في هذا المشروع عبر هندسة إعلامية شرسة ركّزت على تصوير النزاع في السودان على أنه صراع ديني وعرقي حتمي بين «شمال عربي مسلم ظالم ومضطهد» و«جنوب مسيحي وإفريقي مظلوم»، وهي قراءة سطحية موجّهة نزعت عن الصراع أبعاده الاقتصادية والقبلية المعقّدة، وشرعنت فكرة الانفصال دوليًا كحل وحيد وأخلاقي للأزمة. ولم يتوقف الأمر عند الخطاب الإعلامي، بل أسّس كلوني عام 2010 مشروع القمر الصناعي الحارس (Satellite Sentinel Project)، بالتعاون مع الناشط الأميركي جون بريندرغاست، مستخدمًا الأقمار الصناعية التجارية لمراقبة الحدود بين شمال السودان وجنوبه، وهو مشروع لم يكن عملًا إنسانيًا بريئًا لحماية المدنيين، بل كان أداة استخباراتية غربية مكشوفة تحت غطاء مدني، هدفت إلى تأمين عملية الاستفتاء، ورسم الحدود الجديدة لدولة جنوب السودان، والضغط على حكومة الخرطوم لضمان انتزاع الآبار النفطية لصالح الشركات الغربية، وحرمان الدولة السودانية من مواردها الأساسية. هذه الحملة الصاخبة حول السودان جمعت تحالفًا نادرًا يكشف طبيعة الأجندة المشتركة، حيث التقت النخبة الليبرالية في هوليوود، المقرّبة من الحزب الديمقراطي واللوبي الإسرائيلي، مع اليمين المسيحي المتطرف «الإنجيليين الصهاينة» في أميركا، والذين ضغطوا معًا بقوة على الإدارات الأميركية المتعاقبة لدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وهو توافق لم يكن ليحدث إلا لأن الهدف النهائي يخدم مصلحة استراتيجية صهيونية عليا، تتمثل في إضعاف الدولة السودانية وتأمين حليف جديد لإسرائيل في منطقة حوض النيل، لإطباق الحصار على الأمن القومي العربي. وفور إعلان استقلال جنوب السودان عام 2011 — والذي احتفل به كلوني كإنجاز شخصي — سقط القناع عن المخطط، إذ كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة وفتحت فيها سفارة، وقام رئيس جنوب السودان سيلفا كير بزيارة فورية إلى تل أبيب لتقديم الشكر لقادة الاحتلال على دعمهم التاريخي للحركة الانفصالية منذ ستينيات القرن الماضي، ليتحوّل جنوب السودان إلى قاعدة نفوذ أمني وعسكري واستخباراتي لإسرائيل في العمق الإفريقي. أما الفضيحة الأخلاقية لكلوني، فتمثّلت في انسحابه التدريجي التام من المشهد فور إتمام التقسيم؛ حيث غرق جنوب السودان سريعًا في حرب أهلية طاحنة ودموية بين قبيلتي الدينكا والنوير، أدت إلى مجاعات فظيعة وجرائم تطهير عرقي ارتكبها القادة ذاتهم الذين دعمهم كلوني وصوّرهم كأبطال حرية، مما أثبت للنقاد أن دور كلوني الإنساني انتهى بمجرد تحقيق الأجندة السياسية والجغرافية المتمثّلة في تفتيت وحدة السودان. الليبرالية الهوليوودية ترفع صوتها أمام المظالم البعيدة، ثم تخفضه عندما تصبح إسرائيل في قفص الاتهام جامع التبرعات لا يمكن فهم هذه المواقف بمعزل عن شبكة المصالح المالية والسياسية التي تربط جورج كلوني بالمنظومة الحاكمة في هوليوود وواشنطن؛ فيُعتبر كلوني أحد أكبر وأبرز جامعي التبرعات للحزب الديمقراطي الأميركي، وهو الحزب الذي يمثّل الوجه الناعم والشريك الأساسي في حماية وضمان التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي. ويتشارك كلوني في هذه الأنشطة وحفلات جمع التبرعات المليونية مع أقطاب الإنتاج في هوليوود المعروفين بولائهم المطلق للمشروع الصهيوني، مثل المخرج ستيفن سبيلبرغ والمنتج جيفري كاتزنبرغ، وهو تحالف عضوي يضمن أن تظل السينما والسياسة تدوران في الفلك الأيديولوجي نفسه، حيث يُمنع تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بأمن إسرائيل وشرعيتها الأخلاقية. وتظهر هنا ازدواجية المعايير الصارخة؛ ففي حين يملأ كلوني الدنيا صخبًا دفاعًا عن ضحايا الحروب في إفريقيا، ويطالب بفرض عقوبات دولية وتدخلات عسكرية، يتّسم موقفه تجاه فلسطين بالصمت المطبق والتحييد التام. هذا الصمت ليس عفويًا، بل هو التزام واعٍ بـ«حدود النقد المسموح به» داخل هوليوود؛ ففي هذه البيئة، يُسمح لك بنقد أي نظام، أو رئيس، أو مجزرة في العالم، باستثناء الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، لأن ثمن ذلك هو الإقصاء التام من شبكات الإنتاج والتمويل والجوائز. داعم لروفالو؟ وتجلّت هذه الصهيونية الناعمة والذكاء الالتفافي لكلوني مؤخرًا في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول 2026، حيث سارع