skip render: ucaddon_box_testimonial لا بأس، تقول لنفسك. فالبرنامج موجود على جهازي، وقد دفعت ثمن الكمبيوتر، ودفعت ثمن البرنامج في وقت سابق، والملفات التي أحتاج إليها موجودة أمامي، فما الذي يمكن أن يمنعني من استخدامه؟ الجواب ببساطة: الشركة. البرنامج موجود فعلًا، لكنه لن يعمل، أو بالأحرى سيذكّرك، بطريقة مهذبة، بأن الملكية التي كنت تظن أنك دفعت ثمنها لم تعد تعني ما كانت تعنيه في السابق. إنه أشبه بموظف حضر إلى مكتبه في موعده، جلس أمامك، شرب قهوته، ثم قرر أن يعلن الإضراب حتى تدفع له راتبه مرة أخرى. في حالتي، تبلغ كلفة هذا «الامتياز» نحو 35 دولارًا شهريًا، سواء أنجزت عشرة مقاطع أو لم أفتح البرنامج طوال الشهر. لا يهم. ففي نهاية الشهر ستصل الفاتورة في موعدها، وإذا قررت أن أقول للشركة: «ليس هذا الشهر»، فإن البرنامج سيبقى جالسًا على جهاز الكمبيوتر بكل برود، موجودًا أمام عيني، لكنه سيضرب عن العمل. وهنا، وسط هذه الحكاية الصغيرة والسخيفة في ظاهرها، تختبئ واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية التي طرأت على حياتنا المعاصرة: لقد توقفنا عن شراء الأشياء، وبدأنا نشتري حق استخدامها. زمن الملكية أتذكر زمنًا كان فيه برنامج الكمبيوتر يأتي داخل علبة صغيرة، وفي داخلها قرص مدمج. تدفع ثمنه مرة واحدة، تأخذه إلى منزلك، تثبّته على جهازك، وتنتهي الحكاية. كان البرنامج ملكك. وقد لا يكون أفضل برنامج في العالم، وربما تأتي بعد سنة نسخة أحدث وأسرع وأكثر ذكاءً، لكن النسخة التي اشتريتها كانت لك، ولا تحتاج إلى بطاقة ائتمانية كي تسمح لك بفتحها في صباح اليوم التالي. كان ذلك، على ما يبدو، زمنًا ساذجًا اقتصاديًا، لأننا كنا نرتكب الخطأ الفادح نفسه مرة بعد أخرى: كنا نبيع الأشياء مرة واحدة ونحصل على ثمنها مرة واحدة، وهو نموذج تجاري يبدو اليوم أقرب إلى العمل الخيري منه إلى الرأسمالية. أما اليوم، فقد اكتشفنا أن بيع الشيء مرة واحدة فكرة غير مربحة بما يكفي، وأن العبقرية الحقيقية تكمن في أن تبيع الإنسان الشيء نفسه مرات لا تنتهي. لماذا تبيعني برنامجًا بمئتي دولار مرة واحدة، بينما تستطيع أن تأخذ مني 35 دولارًا كل شهر؟ ولماذا تبيعني فيلمًا على قرص، بينما تستطيع أن تجعلني أدفع اشتراكًا شهريًا لمشاهدته؟ ولماذا تبيعني لعبة في علبة، بينما يمكنك أن تجعلني أحمّلها من منصتك وأبقى مرتبطًا بحسابك وخوادمك وشروطك؟ ولماذا تبيعني سيارة بكل وظائفها مرة واحدة، بينما يمكنك أن تبيعني السيارة أولًا، ثم تبدأ ببيع وظائفها واحدة تلو الأخرى؟ إنها ليست مؤامرة سرية تجتمع لها الشركات في غرفة مظلمة حول طاولة مستديرة، وإنما هي ببساطة واحدة من أذكى الأفكار التجارية في عصرنا: لماذا تبيع الإنسان شيئًا مرة واحدة إذا كان بإمكانك أن تجعله يدفع مقابل استخدامه إلى الأبد؟ عصر الاشتراكات وهكذا دخلنا عصر الاشتراكات. أصبح هناك اشتراك للبرنامج، واشتراك للموسيقى، واشتراك للأفلام، واشتراك للألعاب، واشتراك للتخزين، واشتراك لخدمة داخل السيارة، واشتراك لميزة في الهاتف، وربما اشتراك في خدمة لم نكن نعرف أصلًا أننا بحاجة إليها قبل أن تخبرنا الشركة بأنها موجودة. والأكثر طرافة أن هذه الاشتراكات لا تضمن لك دائمًا استمرار الشيء الذي تدفع من أجله. فقد تدفع لمنصة بث شهرًا بعد شهر لأن فيها فيلمًا تحبه، ثم تستيقظ ذات صباح وتبحث عنه فلا تجده. اختفى، لا لأنك توقفت عن الدفع، ولا لأنك ارتكبت مخالفة، ولا لأن الفيلم انتهت صلاحيته في منزلك، وإنما لأن الشركة قررت ببساطة أن الفيلم لم يعد موجودًا على منصتها. أنت دفعت، لكنك لم تشترِ الفيلم، بل اشتريت حقًا مؤقتًا في مشاهدته. وعندها تصبح علاقتك بالمحتوى أشبه بعلاقة المستأجر بالشقة: ادفع ما عليك، التزم بالشروط، ولا تسأل كثيرًا عما سيحدث بعد انتهاء العقد. وإذا أردت تشبيهًا سياسيًا أكثر قسوة، فإن اشتراكك في المنصة يصبح أحيانًا مثل مذكرة توقيف نتنياهو الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية: موجودة على الورق، لكن قدرتها على إجبار الواقع على الالتزام بها قصة أخرى. تملك أم تستخدم؟ والمسألة نفسها تنتقل إلى ألعاب الفيديو، حيث شهد عالم الـGamers تحوّلًا واضحًا نحو التوزيع الرقمي، وأعلنت سوني أن إنتاج الأقراص المادية للألعاب الجديدة على أجهزة PlayStation سيتوقف ابتداءً من يناير 2028. قد يبدو الأمر مجرد تطور تقني لا يستحق كل هذا التفكير، لكن القرص يحمل معه فكرة اقتصادية كاملة. كنت تشتري اللعبة، تأخذها إلى بيتك، تلعبها متى شئت، تحتفظ بها، تعيرها لصديقك، وربما تبيعها بعد سنوات. أما في العالم الرقمي، فأنت تشتري، في كثير من الحالات، حق الوصول إليها ضمن منظومة تديرها الشركة. وهنا يظهر الفرق بين أن تملك شيئًا وأن تحصل على إذن لاستخدامه. وهو فرق صغير في اللغة، لكنه هائل في الاقتصاد؛ لأن الملكية تمنحك سلطة على الشيء، بينما يمنحك الإذن حقًا مشروطًا يمكن أن يرتبط بحساب أو منصة أو خادم أو شروط استخدام قابلة للتغيير. حتى السيارة وإذا أردتم دليلًا أكثر عبثية على هذا التحول، فلنذهب إلى السيارات. كنت أظن، بسذاجة رجل يعيش في القرن العشرين، أن شراء سيارة بـ150 ألف جنيه إسترليني يعني أنني اشتريت سيارة بـ150 ألف جنيه إسترليني. لكن يبدو أنني كنت أعيش في زمن مختلف تمامًا. دخلت شركات السيارات إلى عالم الاشتراكات، ومن أشهر الأمثلة تجربة BMW المتعلقة بتدفئة المقاعد، حيث طرحت الشركة، في بعض الأسواق، نموذجًا يتيح استخدام الميزة مقابل رسوم دورية. تخيّل المشهد: أنت تشتري السيارة، تجلس في المقعد، المقعد موجود، ونظام التدفئة موجود، والأسلاك موجودة، وكل شيء موجود، لكن المقعد ينظر إليك وكأنه موظف هجرة في مطار ويسألك: «هل لديك اشتراك؟». تقول له: «لكنني اشتريت السيارة». فيجيبك: «نعم، لكنك لم تشترِ الدفء». قد تبدو المسألة نكتة ممتازة، لكنها تصبح أقل طرافة عندما ندرك أن المنطق نفسه يمكن أن يمتد إلى وظائف أخرى، بحيث لا تعود السيارة مجرد سيارة اشتريتها وانتهى الأمر، بل منصة رقمية تبيعك السيارة أولًا، ثم تبيعك إمكاناتها بالتقسيط الشهري. وسيقول لك أحدهم: إذا كنت قادرًا على دفع 150 ألف جنيه إسترليني لشراء سيارة فاخرة، فما المشكلة في أن تدفع 15 جنيهًا إضافية كل شهر مقابل تدفئة المقاعد؟ وسأقول له إن المشكلة ليست في الـ15 جنيهًا أصلًا، ولا علاقة لها بقدرتي على الدفع، وإنما هي مسألة مبدأ. والله لن أدفعها حتى لو كانت 15 جنيهًا سودانيًا لا إسترلينيًا، لأنني لا أريد أن أشتري شيئًا ثم أكتشف أن جزءًا منه لا يزال مملوكًا للشركة التي باعته لي، ولا أريد أن أشتري السيارة ثم أبدأ بالتفاوض معها كي تسمح لي باستخدام وظيفة موجودة أصلًا داخلها. أنا أريد أن أشتري السيارة، لا أن أشتري حق التفاوض معها. وهذه ربما هي النقطة التي تجعل الأمر أكثر أهمية من مجرد مبلغ صغير يظهر في كشف الحساب المصرفي ثم يختفي. المشكلة أن الرأسمالية الحديثة اكتشفت أن أفضل طريقة لجني المال ليست
تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك». ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها. المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام». والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات. لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله. skip render: ucaddon_material_block_quote ليست المشكلة في الإسلام لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما. وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع. المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟ هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟ الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط. لبنان… المختبر الأكثر فجاجة لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات. ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة. فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا. المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي. وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة. وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟ هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون. لسنا نهرب من أوطاننا بالضرورة… بل من الطريقة التي أُديرت بها أوطاننا لماذا يهاجر الناس؟ المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه. والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ. والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟ لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه. السعادة ليست مالًا فقط لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا. تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة. أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة. لبنان لم ينهَر بسبب الغرب لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان
skip render: ucaddon_box_testimonial هكذا، اكتشفت إدارة دونالد ترمب أن العالم يواجه خطرًا إرهابيًّا جديدًا اسمه «فلسطين أكشن». لم تكن المشكلة حربًا كبرى، ولا جيوشًا تعبر الحدود، ولا دولة تستخدم ترسانتها لقصف المدن، الخطر هذه المرة مجموعة ناشطين قرروا استهداف شركات سلاح مرتبطة بـ«إسرائيل» في بريطانيا. لذلك كان لا بدّ من تدخّل القوة العظمى، عقوبات أميركية، وختم إرهابي، وقلق دولي يكاد يجعل الكوكب ينام على أعصابه. شكرًا واشنطن، لقد أنقذت العالم مرة أخرى. هدى عموري، المؤسِّسة المشاركة للحركة، وصفت القرار بأنه «قمة النفاق». وهي عبارة تبدو قاسية، إلى أن نتذكر أن صاحبتها فلسطينية الأب، عراقية الأم، وبريطانية الجنسية، أي أن تاريخ عائلتها وحده يمرّ من بلدين يعرفان جيدًا كيف يمكن للقوة الأميركية أن تدخل بلدًا باسم الأمن، ثم تترك خلفها سؤالًا اسمه: أين ذهب الأمن؟ قوائم معلّبة لكن واشنطن لا تحب الأسئلة التاريخية، إنها تفضّل القوائم. قائمة للإرهابيين، قائمة للمتطرفين، قائمة للجهات الممنوعة، وقائمة أخرى لمن يستحق العقوبات. أما قائمة الدول التي قصفت واحتلت ودمّرت وأشعلت الحروب، فتبدو دائمًا مفقودة. هنا تكمن روعة السياسة الأميركية: الإرهاب هو فعلٌ إذا ارتكبه خصم، و«دفاع عن النفس» إذا ارتكبه حليف، و«عملية عسكرية» إذا ارتكبته دولة، و«تهديد للأمن الدولي» إذا أزعج شركة سلاح. يا لها من هندسة لغوية مذهلة، حتى الجريمة تستطيع تغيير اسمها بمجرد عبورها المحيط الأطلسي. المفارقة أن بريطانيا نفسها لم تحظر «فلسطين أكشن»، لكن القضية لم تنتهِ عند ختم حكومي. دخلت إلى القضاء، وأصبحت شرعية الحظر وملاءمته وارتباطه بحرية التعبير موضوعًا لمعركة قانونية وسياسية مفتوحة. أما واشنطن، فاختصرت الطريق كله. لماذا نستمع إلى المحكمة إذا كان بإمكاننا إصدار بيان؟ لماذا نناقش معنى الإرهاب إذا كان بإمكاننا وضعه في قائمة؟ ولماذا نسأل من قتل ومن دمّر ومن بدأ الحرب، إذا كان الأسهل أن نبحث عن ناشط نحمّله مسؤولية الفوضى العالمية؟ فلسفة القوة إنها فلسفة القوة حين تتحول إلى قانون، من يملك الصاروخ يملك التعريف، ومن يملك العقوبة يكتب القاموس. لكن قصة هدى عموري أكثر إزعاجًا لواشنطن من قصة «فلسطين أكشن» نفسها. امرأة تحمل في هويتها فلسطين والعراق وبريطانيا، وتذكّر الغرب بأن ضحايا حروبه لا يختفون بمجرد أن تنتهي المؤتمرات الصحفية. قد تستطيع أميركا أن تصنّف حركة، وأن تجمّد حسابات، وأن تطلق عليها ألف وصف، لكنها لا تستطيع أن تضع الذاكرة على قائمة العقوبات. ولذلك ربما كان على وزارة الخزانة الأميركية، قبل أن تفتح قائمة جديدة، أن تفتح كتاب التاريخ. فقد تجد فيه مفاجأة صغيرة:أن بعض الذين يوزّعون اليوم شهادات الإرهاب، كانوا بالأمس يوزّعون القنابل. في عالم كهذا، تصبح المسألة ليست: من هو الإرهابي؟ بل السؤال الأكثر إزعاجًا: من أعطى أميركا حق أن تكون القاضي… وهي أحد أطراف القضية؟ «فلسطين أكشن» (Palestine Action) هي حركة احتجاجية بريطانية تعتمد ما تسميه «العمل المباشر»، وتركّز على شركات وصناعات الأسلحة المرتبطة بإسرائيل. وتقول الحركة في موقعها الرسمي إن هدفها هو إنهاء ما تعتبره تواطؤًا عالميًا مع إسرائيل، وإن استراتيجيتها تقوم على تعطيل أو استهداف منشآت مرتبطة بصناعة السلاح. اشتهرت الحركة باحتجاجات شملت اقتحام منشآت وأعمال تخريب للممتلكات. وفي يوليو/تموز 2025، أعلنت الحكومة البريطانية حظرها بموجب قانون الإرهاب، بعد حادثة اقتحام قاعدة جوية ورشّ طلاء طائرتين عسكريتين، وفق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وانتقدت الأمم المتحدة القرار، معتبرةً أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل أضرار الممتلكات قد يقيّد حرية التعبير والتجمع بصورة غير متناسبة.