شهدت منطقة الطريق الجديدة في بيروت اعتصامًا حاشدًا في ساحة الملعب البلدي، دعمًا للموقوفين الإسلاميين والمطالبة بإقرار عفو عام شامل لا يستثني الشيخ أحمد الأسير وموقوفي ملف عبرا، وسط مشاركة أهالي الموقوفين وفاعليات وشخصيات بيروتية. ورفع المعتصمون الصوت رفضًا لأي صيغة عفو “منقوصة”، معتبرين أن القانون، إذا لم يشمل جميع المعنيين بهذا الملف، سيتحوّل من فرصة لمعالجة جرح وطني طويل إلى باب جديد للتمييز والظلم. وخلال الاعتصام، شدّد إمام مسجد سيدنا علي، الشيخ حسن مرعب، على أن المشاركين يتحركون من قلب بيروت للمطالبة بما وصفه بـ“الحق الكامل”، مؤكدًا أن الأهالي لا يطلبون منّة من أحد، بل يريدون إنصاف أبنائهم بعد سنوات طويلة من التوقيف والمعاناة. كما دعا النواب المعنيين، وخصوصًا نواب بيروت والنواب السنّة، إلى الثبات في متابعة الملف وعدم القبول بأي تسوية تُبقي قسمًا من الموقوفين خارج العفو. وأكدت كلمات المعتصمين أن ملف الموقوفين الإسلاميين لم يعد يحتمل المزيد من التسويف السياسي، خصوصًا أن عائلات كثيرة تعيش منذ سنوات على وقع المحاكمات الطويلة والأحكام القاسية، فيما ترى لجان الأهالي أن إقرار عفو شامل يشكل مدخلًا لطيّ صفحة مؤلمة وفتح نقاش وطني أوسع حول العدالة والمصالحة. ويأتي هذا التحرك في ظل عودة ملف الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة اللبنانية، مع تجدد المطالبات بإصدار قانون عفو عام، وهو ملف تعود جذوره إلى أحداث أمنية متعددة.
في هذه الأيام، يبدو المشهد العربي كمن يقف في صالة مطار مترامية، يحدّق في لوحة الوصول منتظرًا سفينة لن تأتي. الجميع يرفع رأسه إلى السماء، فيما الخطر الحقيقي يتسلّل من اليابسة، من الخرائط التي يُعاد رسمها بالنار، ومن العواصم التي تحوّلت إلى غرف عمليات مفتوحة لكل أجهزة العالم. أنا ابن هذه العروبة، بمجدها وانكساراتها، بحنينها وأوجاعها، ومن الطبيعي أن أستنكر أي اعتداء إيراني على ذرّة تراب عربية، أيًّا تكن المبررات والشعارات. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل الرفض المشروع إلى حالة عمى سياسي تجعل إسرائيل تبدو، فجأة، كأنها مراقب محايد أو شريك استقرار في الإقليم. وهنا يكمن الفخ الأكبر. الاشتعال من الداخل الهجمات التي استهدفت الإمارات، بما فيها التهديدات المرتبطة بمحطة براكة النووية، وكذلك الضربات التي طالت السعودية في الأيام الأخيرة، انطلقت مسيّراتها من الأراضي العراقية، ما دفع كثيرين إلى استنتاج تلقائي بأن إيران تقف وحدها خلف المشهد. لكن الشرق الأوسط ليس مسرحًا بسيطًا بهذه الدرجة. فالأرض العراقية نفسها تحوّلت منذ سنوات إلى ساحة اختراق استخباري كثيف، تتداخل فيها أجهزة إقليمية ودولية، وفي مقدّمتها الموساد الإسرائيلي، الذي لم يعد يتحرّك كضيف خفي، بل كصاحب نفوذ يملك شبكات وعلاقات وتقاطعات داخل بيئات أمنية معقّدة. ولو امتلك العرب شجاعة التحقيق الحقيقي، لا التحقيق الموجّه سياسيًا، لوجدوا أن بعض المناطق التي خرجت منها عمليات التخريب تحمل بصمات تتجاوز الرواية الجاهزة، وأن إسرائيل ليست بعيدة عن الاستثمار في الفوضى، ولا عن دفع المنطقة نحو حافة الانفجار الأكبر. فالكيانات التي تعيش على الخوف لا تزدهر إلّا وسط الحرائق. skip render: ucaddon_material_block_quote إسرائيل لا تتحرّك وحدها الخطأ القاتل الذي ما زال كثيرون يرتكبونه هو الاعتقاد بأن إسرائيل تعمل منفردة داخل العالم العربي. هذا لم يعد واقعيًا منذ سنوات. في السابق، اعتمدت تل أبيب على شبكات غربية وأوروبية واسعة لتأمين الاختراقات اللوجستية والأمنية. أمّا اليوم، وبعد تغيّرات سياسية كبرى وتراجع مستويات التعاون التقليدي، فقد ظهر نمط جديد أكثر خطورة: تنسيق أمني عربي ـ إسرائيلي مع بعض الأطراف، تحت عناوين متعددة تبدأ بـ«مواجهة الخطر المشترك» ولا تنتهي عند إعادة تعريف العدو نفسه. وهنا تحديدًا يبدأ الانهيار البطيء لمفهوم الأمن القومي العربي. أمن قومي ممزّق المنطقة العربية تُقطّع اليوم كما تُقطّع الذبيحة، قطعة بعد أخرى، لأن العرب لم يعودوا يملكون تعريفًا موحّدًا للخطر، ولا تصوّرًا مشتركًا لمعنى الأمن القومي. بعض الدول باتت ترى إسرائيل شريكًا استراتيجيًا، فيما لا تزال دول أخرى تعتبرها عدوًا وجوديًا. وبين المعسكرين تضيع البوصلة، ويتحوّل مفهوم “المصير العربي المشترك” إلى مجرّد خطاب احتفالي يُرفع في القمم ويُدفن في غرف المصالح الضيقة. الخطير في الأمر أن هذا الانقسام لا يجري فوق الطاولة فقط، بل داخل بنية الأمن العربي نفسها، حيث تنخر التناقضات الجسد من الداخل، بينما يتوهّم الجميع أن الوقت ما زال متاحًا للمناورة. لكن التاريخ لا ينتظر المترددين. من ينتظر أمنه من واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لا يبني دولة؛ بل يسلّم وطنه بالتقسيط لمن يرسمون الخرائط بالنار كماشة إيران وعقيدة التوسع الإسرائيلية لا أحد يستطيع تبرئة النظام الإيراني من سياسات التمدّد والفوضى الإقليمية. غير أن اختزال الخطر في إيران وحدها يمنح إسرائيل فرصة ذهبية لتقديم نفسها كحليف طبيعي، بينما هي تحمل مشروعًا أخطر وأكثر رسوخًا واستمرارية. إسرائيل ليست مجرد دولة تبحث عن أمنها، بل كيان تحكمه، لدى جزء واسع من يمينه الحاكم، عقيدة توسّع تعتبر المنطقة فضاءً مفتوحًا لإعادة التشكل بالقوة. وما يحدث منذ السابع من أكتوبر ليس مجرد حرب عابرة، بل إعادة هندسة جغرافية ونفسية للإقليم كله. فمنذ ذلك التاريخ، احتلت إسرائيل أكثر من 1127 كيلومترًا مربعًا من الأراضي العربية في غزة والضفة ولبنان وسوريا، وترفض الانسحاب منها، مضيفة ما يقارب 5.3% إلى المساحات الواقعة تحت سيطرتها المباشرة. ولم تعد تتحرّك فقط عند حدود فلسطين التاريخية، بل تمدّدت استخباريًا وعسكريًا حتى عمق العراق، حيث تتصرّف بعقلية المنتصر الذي يرى الإقليم بأسره ساحة نفوذ مشروعة. والأخطر أن هذا السلوك لا يبدو مؤقتًا، بل جزءًا من تصوّر استراتيجي طويل الأمد. اتفاقيات لا تغيّر الجغرافيا قد توقّع الدول اتفاقيات سلام، وقد تتبادل السفارات والابتسامات والرحلات الجوية، لكن الجغرافيا لا تتغيّر بالحبر، ولا تُمحى العقائد التوسّعية بصورة جماعية أمام عدسات الكاميرات. الدولة التي تتجاهل حقيقة إسرائيل الاستراتيجية فقط لأن مسؤولًا عجوزًا وقّع ورقة سلام، إنما ترتكب خطأً قاتلًا بحق أمنها ومستقبل أجيالها وتنميتها المستدامة. فالتاريخ يعلّمنا أن القوى التوسعية لا تتوقف عند حدود الاتفاقيات حين تشعر باختلال موازين القوة. وما بين مطرقة إيران وسندان إسرائيل، يقف الأمن القومي العربي اليوم على حافة هاوية، بلا مشروع جامع، ولا رؤية موحّدة، ولا حتى إدراك حقيقي لطبيعة المرحلة. المأساة ليست فقط في حجم الأخطار، بل في طريقة تعامل العرب معها. هناك من ينتظر أن تنقذه واشنطن، وهناك من يراهن على طهران، وآخرون يظنون أن تل أبيب يمكن أن تتحوّل إلى مظلة استقرار. skip render: ucaddon_box_testimonial
في بلدٍ ينهار فيه كلّ شيء إلّا الأقساط المدرسية، يطلّ علينا العام الدراسي كأنّه فيلم كوميدي أسود: الأهالي يركضون وراء المدارس، والمدارس تركض وراء جيوب الأهالي، والطلاب يركضون وراء مستقبلٍ يختفي مثل “معاش أوّل الشهر”. فاتورة النجاة من الجهل المدارس الخاصة تطالب الأهالي بدفع الأقساط كاملة، وكأنّها تقول لهم: “ادفعوا، أو دعوا أولادكم يتعلّمون من قناة الكرتون”. أمّا الأهالي، المشرّدون بين النزوح والبطالة، فيردّون: “نحن ندفع أقساط الحياة أصلًا: كهرباء، ماء، دواء، بنزين… والآن تريدون دمنا أيضًا؟”. هكذا يتحوّل التعليم إلى سلعة فاخرة، مثل الكافيار، لا يتذوّقها إلّا من يملك حسابًا مصرفيًا في سويسرا أو خزانة ذهب في البيت. شهادة في خبر كان وزارة التربية قرّرت إلغاء الشهادة المتوسطة، وكأنّها تقول للطلاب: “مبروك، أنتم ناجحون بلا امتحان، لكن بلا مستوى أيضًا”. الطلاب فرحوا في البداية، ثم اكتشفوا أنّ إلغاء البريفيه يعني أنّ لا أحد يعرف إن كانوا يفهمون الرياضيات، أم يظنّون أنّ الجذر التربيعي نوع من الخضار. المعلّمون يهمسون: “هكذا نخرّج أجيالًا من حملة شهادات عيان، مثل حملات انتخابية بلا برامج”. أمّا طلاب الثانوية العامة، فالمطلوب منهم أن يدرسوا المنهج كاملًا، بلا مواد اختيارية. الطالب في الجنوب يذاكر الفيزياء تطبيقيًا، ويستطيع التفريق بين جدار صوت، وقصف مدفعي، وغارة جوية، واعتراضات جوية، وانفجارات ثانوية، وكلّ هذا بينما “أم كامل”، الملقّبة بـ“الزنّانة”، تحلّق فوق رأسه. والطالب النازح في بيروت يراجع الكيمياء، وهو يتساءل عن أضرار الفوسفور على تربة الأرض التي أوصاه جدّه بالحفاظ على زيتونها. هكذا يصبح الامتحان أشبه بماراثون في حقل ألغام: من يصل إلى خط النهاية حيًّا، يُعدّ ناجحًا بامتياز. skip render: ucaddon_material_block_quote في غرفة العناية الفائقة المستوى الأكاديمي يتدنّى، والطلاب يخرجون من المدارس وهم يظنّون أنّ “الربيع العربي” اسم فرقة موسيقية. العدالة التعليمية تختفي؛ فالطالب في مدرسة خاصة يحصل على فرص، بينما الطالب في مدرسة رسمية يكتفي بفرصة للهجرة. النتيجة: هجرة العقول، هجرة القلوب، وهجرة كلّ شيء إلّا الأقساط. الجامعات الخاصة تحوّلت إلى مصارف صغيرة، تطلب الأقساط بالدولار الفريش، وكأنّ العلم سلعة تُباع على رفوف السوق السوداء. أمّا الجامعات الرسمية، فهي أشبه بمستشفيات حكومية بلا دواء، قاعاتها فارغة من الرحمة. ختامٌ بلا مسك التعليم في لبنان اليوم يشبه مسرحية هزلية: الأهالي هم الجمهور المرهق، المدارس هي الممثلون الجشعون، والطلاب هم الضحايا الذين يضحكون دون إدراكٍ لشرّ البليّة. لكن خلف الكوميديا السوداء، هناك مأساة حقيقية: جيلٌ كامل مهدّد بأن يكبر بلا علم، بلا أمل، وبلا مستقبل. فهل نحتاج إلى وزارات فيها “تربية” لإنقاذ ما تبقّى من عقل هذا البلد؟