شَبّات زاخور وبوريم في مساء الجمعة 27 فبراير 2026، بدأ في التقويم العبري أحد أكثر الأسابيع كثافةً رمزيةً في الوعي الديني اليهودي: شَبّات زاخور، السبت الذي يسبق مباشرة عيد بوريم. وفي اليوم التالي، 28 فبراير، شُنّت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على أهداف داخل إيران. سواء كان هذا التزامن مقصودًا أم لا، فإن دلالته الرمزية في المخيال الديني اليهودي والإنجيلي المتصهين لا يمكن تجاهلها. فشَبّات زاخور هو السبت الذي يُتلى فيه النص التوراتي الآمر بتذكّر عدو إسرائيل القديم: عماليق. الكلمة العبرية «زاخور» (זכור) هي صيغة أمر: تذكَّر. النص الذي يُتلى في هذا السبت (التثنية 25: 17–19) لا يكتفي باستعادة ذاكرة العداء، بل يؤسّس لواجب لاهوتي: محو ذكر عماليق. في الأدبيات التلمودية اللاحقة، جرى ربط عماليق بخصوم تاريخيين لليهود، وأبرزهم هامان، الوزير الفارسي في قصة إستير. وهنا تتشكّل الحلقة الرمزية:عماليق → هامان الفارسي → فارس → إيران المعاصرة. في الشرق الأوسط، لا تتحرّك الجيوش وحدها… بل تتحرّك الذاكرة أيضًا، وحين يلتقي الرمز بالسلاح يصبح التاريخ ساحةً أخرى للمعركة العدو المتجدّد تدور أحداث سفر إستير في الإمبراطورية الفارسية، حيث يخطط هامان لإبادة اليهود، قبل أن تُحبط المؤامرة وتتحول إلى عيد خلاص: بوريم. هذا البناء السردي، النجاة من مؤامرة فارسية لإبادة اليهود، يشكّل أحد أقوى النماذج التفسيرية في الذاكرة اليهودية الجماعية. لذلك، حين تُستدعى إيران في الخطاب السياسي الإسرائيلي المعاصر بوصفها تهديدًا وجوديًا، فإنها لا تُقرأ فقط كدولة خصم، بل كامتداد رمزي لفارس التوراتية. هذه الاستعارة ليست هامشية. فقد أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارًا توظيف صورة عماليق في خطاباته خلال حرب غزة، في محاولة لإطار الصراع ضمن ثنائية الخير/الشر التوراتية. الإنجيليون المسيحيون والتقويم النبوي الرمزية نفسها حاضرة بقوة في اللاهوت السياسي للتيارات الإنجيلية الصهيونية في الولايات المتحدة. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الأعياد اليهودية كتقويم ديني خاص بإسرائيل فحسب، بل كجدولٍ زمني لنبوءات تاريخية. ومنذ بوريم 2025، كثّف قساوسة وحاخامات أمريكيون خطاب “اقتراب تحقق النبوءات”، رابطين المواجهة مع إيران بدورات الأعياد التوراتية. لذلك، فإن وقوع ضربة عسكرية ضد إيران في عطلة شَبّات زاخور — حين يُتلى نص محو عماليق — يُقرأ لدى هذه الأوساط كحدثٍ ذي دلالة لاهوتية، حتى لو لم يكن كذلك في حسابات البنتاغون أو مجلس الحرب الإسرائيلي. أسبوع زاخور… هل يُعاد تمثيل التاريخ في سماء إيران؟ هل التوقيت مقصود؟ لا توجد أدلة علنية على أن صُنّاع القرار العسكريين اختاروا التوقيت بناءً على التقويم الديني. العمليات العسكرية تُحدَّد عادةً بعوامل استخباراتية وعملياتية: جاهزية القوات، حالة الدفاعات، نافذة المفاجأة، والظروف الجوية. لكن في السياسة الرمزية، القصد ليس شرطًا للتأثير. ففي النزاعات المؤدلجة دينيًا، يكفي التزامن الزمني كي يُعاد تأويل الحدث ضمن سرديات مقدسة قائمة سلفًا. وبمجرد أن يحدث ذلك، يصبح الحدث جزءًا من “تاريخ مُعاش” داخل الوعي الجمعي، بغضّ النظر عن نية الفاعلين. من زاخور إلى الجغرافيا لفهم عمق هذا البعد، لا بدّ من العودة إلى عمل المؤرخ اليهودي يوسف حاييم يروشالمي، خاصة كتابه «زاخور». يجادل يروشالمي بأن الهوية اليهودية التاريخية لم تُبنَ أساسًا على التسلسل الزمني للأحداث، بل على الذاكرة الطقسية: تذكّرٌ مُعاد تمثيله دوريًا في الشعائر والنصوص. في هذا النموذج، الماضي ليس مرحلةً منتهية، بل حاضر دائم الاستدعاء. عماليق ليس شعبًا بائدًا، بل نموذجًا متجدّدًا للعدو. وفارس ليست إمبراطورية غابرة، بل رمزًا قابلًا للإسقاط على خصوم معاصرين. حين تُقرأ إيران ضمن هذا الإطار، فإن الصراع معها يكتسب بُعدًا وجوديًا يتجاوز الحسابات الجيوسياسية التقليدية. التاريخ يُكتب بالرموز أيضًا تاريخيًا، لم يكن توظيف الرمزية الدينية في السياسة الشرق أوسطية استثناءً. فقد أشار وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق سيلفان شالوم عام 2003 إلى سقوط بغداد بوصفه تحققًا لنبوءة توراتية عن خراب بابل — مثال مبكر على إسقاط النص المقدّس على حدث جيوسياسي معاصر. هذه الحالات لا تعني أن القرارات تُتخذ لأسباب لاهوتية، بل أن تأويلها يتم داخل أطر لاهوتية راسخة لدى جماعات مؤثرة سياسيًا. قد يكون توقيت الضربات على إيران في شَبّات زاخور مصادفةً عملياتية بحتة. لكن في الوعي الديني لقطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي والإنجيلي الصهيوني، لا تُقرأ الأحداث الكبرى كوقائع عسكرية فحسب، بل كعلامات داخل تاريخ مقدّس مستمر. في هذا المستوى من الإدراك، التزامن يخلق المعنى، والرمز يسبق الاستراتيجية. وهكذا، حتى لو لم تُخطَّط الضربة وفق التقويم العبري، فإن وقوعها في أسبوع زاخور–بوريم كافٍ لإدخالها في سردية أقدم بكثير من الدولة الحديثة: سردية الذاكرة، العدو المتجدّد، والخلاص المتكرر. في الشرق الأوسط، لا يتحرّك التاريخ فقط بالجيوش والتحالفات، بل أيضًا بالنصوص التي لا تُنسى.
لم يعتادوا هكذا مشاهد…قامت تلك المدن على قهر الظروف، الحرارة، الشمس، الماء العذب، الرمال، الرياح…على الشعور بالتفوق، المادي تحديدا.ظنّوا لوهلةٍ أنهم قادرون عليها، حتى بدّدت “لحظةُ حقيقةٍ” غفلةً طالت لزمن.في دول الخليج هناك مفردات لا يعرفها أهلها، نعرفها نحن أهل الشام أكثر من غيرنا لكثرة ما مرّ علينا من حروبٍ وويلات.القدرة على التعامل والتكيّف مع الضغط. القدرة على التبلور، الصقل، والإنتاج وإيجاد الحلول.تربّت أجيالٌ لعقودٍ على ثقافاتٍ استهلاكيةٍ بحتة، على مبادئ التلقّي لا الإنتاج، اهتمامٌ تسطيحيٌّ بآخر صيحات الموضة والابتكار والتكنولوجيا ومظاهر الترف ورفاهية الحياة وملذّاتها.لم تعد قادرًا أن تتخيّل بيتًا في شبه جزيرة العرب بلا مكيّف.نفطٌ ومالٌ وتطاولٌ في البنيان. لهو وأسفارٌ وأبراجٌ وشركاتٌ وأعمالٌ ومهرجاناتٌ ومواسمٌ وتقليدٌ أعمى لغربٍ تافه…اتّكالٌ على “الآخر” لتكريس الحماية والكرسي، انبهارٌ بقوّته وإنجازاته وما هو قادرٌ على القيام به. عقدةُ دونيةٍ تجاه الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، سواء عند الرجال أو النساء. كم أنت كبيرٌ يا ابن الخطاب. نحاول أن نتناسـاك، لكن عظمتك تحاصرنا بقوّةٍ.تورد بعض المصادر التاريخية (كالطبري وابن كثير) أن الخليفة الراشدي عمر كان يقول بمعنى الكلام «لا تُسكنوا الجند في القرى فيضعفوا، ولكن اسكنوهم في مواضع تصلح لمرابطتهم، قريبةٍ من البادية».تُنقل عنه رواياتٌ كثيرةٌ أنه كان يكره أن يعتاد “الرجال” على حياة الحضر لما فيها من لينٍ يضعف الشدّة القتالية للروح الطوّاقة لتغيير البشرية للأحسن، لتحريرها من نير العبودية والاستعباد والاستغلال والشر. لذلك تجلّت هذه العبقرية في تأسيسه الأمصار العسكرية. فالحياة في جوهرها ميدان قتالٍ متواصلٍ بأشكالٍ تختلف باختلاف الأيام والظروف، لكنها في الحقيقة ليست سوى ساحات قتالٍ وصولات وجولاتٍ.لم تكن هذه السياسة مجرد حنينٍ إلى البادية، بل كانت ذات أبعادٍ إنسانيةٍ وعسكريةٍ عميقة، الحفاظ على الصلابة البدنية المرتبطة بحياة الصحراء، منع الذوبان الاجتماعي السريع داخل الشعوب المفتوحة، تسهيل التعبئة السريعة عند الحاجة للمواجهة. كثرت أخطاء العرب وتعقدت علاقاتهم فيما بينهم. لكن مهما يكن من أخطاء سبقت، فالعروبة ليست نسبًا فحسب، بل خُلُقٌ يُختبر ساعة الشدّة.هم قومٌ جعلوا الضيف أمانةً، والعهد دينًا، والكلمة شرفًا.إذا وعدوا صدقوا، وإذا استُنجدوا لبّوا، وإذا أُهينوا انتفضوا كأن الصحراء كلّها قامت معهم.لم تكن بلاغتهم زخرفًا، بل سلاحًا. ولم يكن كرمهم ترفًا، بل هوية. لم تكن شجاعتهم تهوّرًا، بل وعيًا بأن الحياة بلا عزّةٍ لا تستحق.من خيمةٍ في الصحراء خرجت خيرُ أمةٍ علّمت الدنيا أعظم معاني وجودها… الدين.كم هو جميلٌ هذا اليوم الذي تشرق فيه الشمس، من دون أن تكون السماء ملبّدةً بغيوم ظلامٍ تنجلي للمرة الأولى منذ سنين. طال علينا جورها وأدمتنا وأوجعت قلوبنا ودموع حرائرنا…فيه نتغنّى ببيتٍ أصيل، يؤسّس لمرحلةٍ نحلم بها جميعًا: أن نكون على قلب رجلٍ واحد. أن نصنع بأيدينا ما صنعه أسلافنا بإيمانهم وقوتهم.ونقول: تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّرًا وإذا افترقنَ تكسّرت آحادا