في اليوم العالمي للمتحف، لا يبدو المتحف الوطني في بيروت مجرد مبنى ثقافي يضم آثارًا قديمة، بل يبدو أشبه بذاكرة لبنان الحجرية، وبالشاهد الصامت على قدرة هذا البلد على النجاة من الحروب والانقسامات، والعودة دائمًا إلى سؤال الهوية والجذور. افتُتح المتحف الوطني رسميًا عام 1942، بعدما بدأت مجموعته بالتكوّن بعد الحرب العالمية الأولى، ليصبح لاحقًا المتحف الأثري الأبرز في لبنان، والحاضن الأساسي لجزء كبير من الذاكرة الحضارية للبلاد. وتضم مجموعته آلاف القطع الأثرية التي تعود إلى مراحل مختلفة، من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالفينيقيين والرومان والبيزنطيين، وصولًا إلى العصور الإسلامية والوسيطة. أهمية المتحف لا تأتي فقط من القطع التي يعرضها، بل من الفكرة التي يمثلها. فهو يقول، بلغة الآثار، إن لبنان ليس لحظة سياسية عابرة، ولا أزمة دائمة، بل أرض تعاقبت عليها حضارات، وتركت في جباله وسواحله ومدنه شواهد على التفاعل بين الشرق والغرب، بين البحر والداخل، وبين التجارة والفن والعبادة والحياة اليومية. رمزية المتحف ازدادت عمقًا خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فقد وقع المبنى على خط التماس، وتعرّض لأضرار كبيرة، لكن كثيرًا من مقتنياته نجا بفضل إجراءات حماية استثنائية، من بينها تغليف بعض القطع وإخفاؤها داخل هياكل إسمنتية. كأن المتحف، مثل لبنان نفسه، حوصر بالنار، لكنه لم يفقد ذاكرته. وبعد سنوات طويلة من الإغلاق والترميم، عاد المتحف إلى الحياة تدريجيًا، ثم شكّل افتتاح الطابق السفلي بعد أكثر من 40 عامًا من إغلاقه محطة رمزية إضافية، إذ خُصص لعرض مجموعة جنائزية أثرية تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الحقبة العثمانية. اليوم، تبدو زيارة المتحف الوطني فعلًا ثقافيًا ووطنيًا في آن واحد. فالدخول إلى قاعاته ليس جولة بين تماثيل ونواويس ولوحات فسيفساء فحسب، بل عبور في طبقات الزمن اللبناني، حيث يظهر لبنان أوسع من طوائفه، وأعمق من أزماته، وأقدم من خرائط النفوذ التي تتبدل فوقه. في زمن تتعرض فيه الذاكرة للتشويه، وتكاد السياسة تختصر الوطن بصراعاتها اليومية، يأتي المتحف الوطني ليذكّر اللبنانيين بأن ما يجمعهم أقدم بكثير مما يفرقهم. إنه ليس مكانًا لحفظ الماضي فقط، بل مساحة لاستعادة معنى الدولة والهوية والثقافة، ومختبر رمزي لفكرة أن الشعوب التي تصون ذاكرتها تملك فرصة أفضل لحماية مستقبلها.
أعلنت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة الرسمية لهذا العام، في خطوة وصفت بأنها تأتي مراعاة للظروف التربوية والضغوط التي يواجهها الطلاب والمدارس جراء العدوان الاسرائيلي، على أن يُعتمد بدلًا منها نظام يقوم على العلامات المدرسية وامتحان داخلي تنظمه كل مدرسة.وأكدت كرامي، خلال مؤتمر صحافي، أنّ القرار لا يعني إسقاط التقييم أو التساهل في المستوى التعليمي، بل اعتماد صيغة بديلة تسمح بإنهاء العام الدراسي بأقل قدر ممكن من الخسائر، مع الحفاظ على الحد الأدنى من المعايير الأكاديمية. وبذلك، تنتقل مسؤولية التقييم في الشهادة المتوسطة، ولو استثنائيًا، إلى المدارس، ما يضعها أمام تحدي ضمان العدالة والشفافية في احتساب العلامات وتنظيم الامتحانات الداخلية.أما في ما يتعلق بامتحانات الشهادة الثانوية العامة، فأوضحت الوزيرة أنّ الوزارة اتخذت “قرارًا صعبًا” بتقليص الدروس المطلوبة، نافية في الوقت نفسه اعتماد المواد الاختيارية، ومؤكدة أنّ الامتحانات ستبقى شاملة للمواد المقررة، لكن ضمن برنامج مخفف.وأشارت الوزيرة إلى أنّ النسبة الأكبر من التقليص طالت مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط عن الطلاب من دون المساس الكامل ببنية الامتحانات الرسمية. ولفتت إلى أنّ الوزارة قررت اعتماد 3 دورات متتالية للامتحانات الرسمية، على أن يكون لكل طالب الحق في التقدم إلى دورتين متتاليتين، معتبرة أنّ هذا الإجراء جاء مراعاة للأوضاع النفسية والتربوية والاجتماعية التي يمر بها الطلاب.ويعكس هذا القرار محاولة من وزارة التربية لإيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على رمزية الامتحانات الرسمية، خصوصًا في الشهادة الثانوية، وبين الاعتراف بواقع تعليمي غير طبيعي فرضته الأزمات المتراكمة. فإلغاء “البريفيه” يفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل هذه الشهادة وجدواها، فيما يشكّل تخفيف برنامج الثانوية واعتماد 3 دورات رسالة واضحة بأن الوزارة تدرك حجم القلق الذي يعيشه الطلاب وأهاليهم.لكن التحدي الأكبر لن يكون في إعلان القرار، بل في تطبيقه. فاعتماد العلامات المدرسية والامتحانات الداخلية يتطلب رقابة جدية حتى لا تتحول الفوارق بين المدارس إلى ظلم إضافي بين الطلاب. كما أنّ تنظيم 3 دورات للشهادة الثانوية يحتاج إلى إدارة دقيقة، كي لا يتحول التسهيل إلى إرباك إداري وتربوي جديد.وبين الإلغاء والتقليص وتعدد الدورات، يبدو أنّ العام الدراسي الحالي يُختتم بصيغة استثنائية، عنوانها الأساسي: إنقاذ الممكن، ولو على حساب الصيغة التقليدية للامتحانات الرسمية. Exams 4
لم نتدخّل في موضوع قانون العفو العام منذ البداية، لأننا اعتبرنا أنّ العمل يجري على صياغة قانون وطني جامع، يفتح صفحة جديدة بين اللبنانيين، لا قانونًا يُفصَّل على قياس أشخاص معيّنين أو حالات محدّدة. لكن الخطير اليوم هو أن يتحوّل الاستثناء داخل هذا القانون إلى استهداف مباشر لفئة بعينها، بما يجعله يبدو كأنه موجّه ضد طائفة كاملة، وهذا أمر لا يمكن القبول به. فقانون العفو العام، كما يُطرح، يشمل جرائم مخدرات وجنايات ومبعدين، فكيف يمكن استثناء مجموعة دفعت أثمانًا باهظة خلال المرحلة الماضية، وعانت من ممارسات بات يعرفها الجميع، من أداء المحكمة العسكرية إلى طريقة إدارة الملفات الأمنية والقضائية في تلك المرحلة؟ هذه الفئة تعرّضت للظلم خلال سنوات طويلة، وظُلِمت أيضًا في مسار المحاكمات، واليوم تُظلَم مجددًا عند إقرار القانون، وكأن المطلوب إبقاء هذا الجرح مفتوحًا بلا أي معالجة وطنية حقيقية. skip render: ucaddon_material_block_quote الهدف الأساسي من أي قانون عفو ليس تبرئة الأخطاء، بل معالجة آثار مرحلة كاملة، وخلق فرصة لإعادة لمّ الشمل الوطني، وتخفيف الاحتقان، وإقفال ملفات خلّفت انقسامات عميقة داخل المجتمع اللبناني. لذلك، من الخطأ تصوير النقاش كأنه مواجهة بين المؤسسة العسكرية وطائفة بعينها، أو الإيحاء بأن السُنّة ضد الجيش أو الجيش ضد السُنّة، وهذا كلام مرفوض وغير صحيح. المطلوب اليوم تبديد هذا الالتباس بالكامل، والالتفاف حول المؤسسة العسكرية، خصوصًا في ظل الدور الوطني الكبير المنتظر منها في المرحلة المقبلة، لأن الجيش يبقى مؤسسة جامعة لكل اللبنانيين، وليس طرفًا في أي انقسام داخلي. ثم إنّ السؤال المشروع يبقى قائمًا: إذا كان قد تم الإفراج عن إخوة سوريين محكومين في القضايا نفسها المرتبطة بـ«الموقوفين الإسلاميين»، فكيف يمكن تبرير استمرار استثناء اللبنانيين من أي معالجة قانونية عادلة ومتوازنة؟ إنّ هذا القانون، إذا أُقرّ بروحية وطنية حقيقية، يمكن أن يساهم في تضميد جرح كبير عانت منه طرابلس وصيدا، كما عانت منه بيئات واسعة داخل الطائفة السُنّية لسنوات طويلة. حين يتحوّل الاستثناء إلى استهداف… قانون العفو أمام اختبار العدالة skip render: ucaddon_box_testimonial