على الرغم من تأكيد بلدية صيدا أن “الملعب البلدي” للمدينة ليس ضمن مراكز إيواء النازحين جرّاء الحرب الدائرة حاليًا، تكشف معطيات ميدانية متداولة مشهدًا مغايرًا، يثير أكثر من علامة استفهام حول ما يجري داخل هذا المرفق العام. فبحسب مصادر متابعة ل”البوست”، شوهدت خلال الأيام الأخيرة عائلات نازحة تفترش حرم الملعب البلدي الداخلية بأغراضها، في خطوة توحي بأن المكان بدأ يُستخدم، ولو بصورة غير معلنة، كموقع استضافة أو إيواء خارج الأطر الرسمية المعروفة. وتضيف المعلومات أن أحد المستفيدين من مرفق مستحدث قرب الملعب أدخل عددًا من أقاربه ومعارفه النازحين إلى داخله، على أن عدد الوافدين يسجّل ارتفاعًا تدريجيًا من أسبوع إلى آخر، ما يطرح تساؤلات جدية حول الجهة التي سمحت تبقى البلدية مطالبة بتوضيحٍ، هل تعلم بما يجري في الملعب البلدي أم لا؟ هل تعلم بمئات السيارات المركونة بريبة في المواقف السفلية، دون أن يعلم أصحابها، في زمن المسيرات والاغتيالات؟ إن كانت تعلم، فلماذا الصمت؟ وإن كانت لا تعلم، فتلك مشكلة أكبر.
في مدينةٍ تبيعُ أوهامها بالتقسيط، لم يَعُدِ السؤالُ عن الحبّ هو ما يفتح الأبواب، بل السؤال عن الخرائط: من مع مَن؟ ومن ضدّ مَن؟ ومن يضع قلبه في جيب أيّ محور. كأنّ العاطفة نفسها صارت بحاجة إلى تصريح عبور، أو إلى ختمٍ أيديولوجي قبل أن يُسمح لها بأن تنبض هذا الصباح، في موعدي اليومي مع القهوة، جلستُ كعادتي أراقب العالم وهو يمرّ من أمامي على شكل وجوهٍ مستعجلة وأحاديثٍ مقطوعة. كنت أظنّ أن القهوة لا تزال ملاذًا صغيرًا من ضجيج هذا الكوكب، تلك السلعة التي يُقال إنّها ثاني أكبر تجارة في العالم بعد النفط، وتجارة المزاج والأحلام المؤجّلة. فنجانٌ صغير يشتري لك هدنةً قصيرة من كل شيء… أو هكذا كنّا نظنّ. جلستُ، وجاءت هي. تشبه هذا الزمن أكثر ممّا تشبه نفسها. تعرف الأغاني نفسها التي أعرفها، وتضحك في الأماكن نفسها، وتحمل تلك الخفّة التي توحي لك أنّ العالم لا يزال قابلًا للاحتمال. حتى إنّها، في لحظةٍ غير متوقّعة، غنّت. نعم، غنّت في منتصف الموعد، وكأنّها تريد أن تُقنعني أنّ الحياة لا تزال تحتفظ ببعض البراءة. تحدّثنا عن أشياء كثيرة: عن الفن، عن التفاصيل الصغيرة، عن المستقبل الذي نؤجّله كما نؤجّل دفع الفواتير. كل شيء كان يسير بسلاسة مريبة، كأنّنا نكتب مشهدًا مثاليًا أكثر ممّا نعيشه. لكن هذا الزمن لا يترك مشهدًا يكتمل. الخوف من حرب أهلية لم يعد فكرة بعيدة، بل هاجسًا يوميًا يتسرّب إلى أبسط التفاصيل هناك دائمًا سؤالٌ يقف في الزاوية، ينتظر لحظته ليفسد كل شيء. سؤالٌ صار اليوم بطاقة التعريف الحقيقية لأي إنسان في هذه البلاد. شعرتُ به يقترب، يكبر، يضغط على صدري، حتى لم يَعُد ممكنًا تجاهله. شبكتُ يديّ، رفعتُ رأسي، وخشّنتُ صوتي أكثر ممّا يجب، وسألتها: أنتِ… مع إيران أم مع إسرائيل؟ لم يكن السؤال فضولًا، بل كان خوفًا متنكرًا. خوفٌ من أن أستيقظ في يومٍ ما فأكتشف أنّني أحبّ شخصًا يقف على الضفة الأخرى من حربٍ قد تبدأ في أي لحظة. في لبنان، لا يُطرح هذا السؤال بدافع المعرفة، بل بدافع النجاة. توقّعتُ جوابًا دبلوماسيًا، تلك الجملة الجاهزة التي نحتمي بها جميعًا: “ما إلي بالسياسة”. لكنّها سكتت. ثوانٍ طويلة، ثقيلة، كأنّها استدعاء لذاكرة كاملة من الانقسامات. ثم بدأت تتكلّم، لا كإنسانةٍ في موعد، بل كمن يقرأ بيانًا غير مكتوب. سردية جاهزة، مصقولة، مليئة بالمقارنات والشعارات، كأنّها إعلان طويل لدولةٍ أو مشروعٍ أو خوفٍ أكبر منها ومنّي. عندها، لم أَعُد أسمع الكلمات. كنت أسمع شيئًا آخر: صدى هذا البلد وهو يتشقّق. في لبنان، الانقسام ليس رأيًا، بل قدرٌ معلّق فوق رؤوسنا. سياسي، مذهبي، طائفي، وعنصري أحيانًا. خطوط تماسّ غير مرئية، لكنّها حاضرة في كل مكان: في الشارع، في البيت، في الحبّ نفسه. والخوف الحقيقي ليس من الاختلاف، بل من اللحظة التي يتحوّل فيها هذا الاختلاف إلى شرارة. إلى شيء يشبه ما عرفناه من قبل… أو ما نخشى أن نعرفه مجددًا. الخوف من حربٍ أهلية لم يَعُد فكرة بعيدة، بل هاجسًا يوميًا يتسرّب إلى أبسط التفاصيل. حتى إلى موعدٍ على فنجان قهوة. أوقفتُها. ليس لأنّني امتلكت جوابًا، بل لأنّني لم أَعُد أحتمل السؤال. طلبتُ الحساب. دفعتُ ثمن القهوة، وثمن الوهم القصير الذي عشته، وسلّمتُ عليها وغادرت. مشهدٌ يبدو عاديًا، لكنّه في داخلي كان إعلان انسحاب من شيءٍ أكبر من هذا اللقاء. في الطريق، أدركتُ أنّ المشكلة لم تكن فيها. كانت في هذا الزمن الذي حوّلنا إلى كائنات تبحث عن الأمان في مواقف الآخرين، لا في إنسانيتهم. زمنٌ صارت فيه العلاقات صفقات، والمشاعر استثمارات عالية المخاطر. والأغرب أنّ العالم كله يسير بهذا الاتجاه. سوقٌ ضخم لتجارة الأحلام، حيث تُباع القناعات كما تُباع العقارات. هناك من يؤجّر لك هوية، ويضعك في بيتٍ فكري جاهز، ويتركك تدفع الإيجار من عمرك. بيوت الأجر هذه، في السياسة والفكر، أرباحها تفوق بكثير بيوت الإيجار التقليدية. تُسكنك موقفًا، وتمنحك شعورًا زائفًا بالانتماء، ثم تكتشف أنّك لم تَعُد تملك نفسك. حتى القهوة، تلك التي كانت حيادية كصمت الصباح، لم تسلم. صارت تُشرب على إيقاع الاصطفافات. فنجانك لم يَعُد لك بالكامل؛ هناك دائمًا من يسألك: مع مَن تحتسيه؟ والمفارقة الأكثر مرارة أنّني، ككاتب، أبحث كل يوم عن قصة. لكنّني اليوم لم أجد قصة أكتبها… بل وجدتُ نفسي داخلها. موعدٌ عادي تحوّل إلى مرآة لوطنٍ كامل، وطنٍ يخاف من نفسه أكثر ممّا يخاف من أعدائه. ربّما الدرس الذي خرجتُ به ليس أن أسأل مبكرًا: “أنتِ مع مَن؟”، بل أن أفهم لماذا صرنا عاجزين عن أن نكون مع بعض، ولو للحظة، خارج هذه الخرائط القاسية. لأنّ أخطر ما نعيشه اليوم في لبنان ليس الانقسام بحدّ ذاته، بل اعتيادنا عليه… حتى صار شرطًا لأي علاقة، وأي حلم، وأي فنجان قهوة.
في أزقّة صيدا العريقة، وبين رائحة زهر الليمون الآفلة إلى زوال، ونسمات بحرها الذي لطالما اتّسع للجميع، ثمّة غصّة تخنق أنفاس العائلات الوافدة والمقيمين على حدّ سواء. “عاصمة الجنوب” التي عُرفت بلقب “أمّ الفقير”، تجد نفسها اليوم أمام اختبارٍ قاسٍ بين إرثها في الكرم وبين واقعٍ اقتصادي جعل من “سقف البيت” حلمًا مكلفًا يفوق طاقة البشر. حكاية خلف كلّ بابلم يعد البحث عن شقّة في صيدا مجرّد رحلة لاختيار الأنسب، بل أصبح “رحلة شاقّة” في سوق يغلي. قصص كثيرة تُروى في المقاهي الشعبية وفي صالونات النازحين الذين فرّوا من لهيب الحرب ليصطدموا بلهيب الأسعار.عائلات تفترش الغصّة قبل الأرض، وتفتّش عن غرفة واحدة تؤوي أطفالها، لتُفاجأ بأرقام “فلكية” تُطلب بالدولار الفريش، وكأنّ الأزمة لم تترك في القلوب مكانًا للرأفة.لم تكن صيدا، بمساجدها وكنائسها وتاريخها النضالي، يومًا مكانًا للاستغلال. ومن هنا، يخرج العتاب محبًّا، والدعوة خجولة ولكنّها ملحّة: يا أهلنا في صيدا، وأنتم أهل المروءة، ليكن كرمكم في خفض الأسعار هو “الجهاد” الحقيقي في هذه الأيام.إنّ النازح الذي طرق باب مدينتنا لم يترك بيته ترفًا، بل قهرًا. ولعلّ خفض بدل الإيجار، أو التغاضي عن ربحٍ يسير في هذه الظروف الاستثنائية، هو أسمى أنواع التكافل الاجتماعي. فلنكن نحن السند، ولا نجعل من الحاجة تجارة، فدوام الحال من المحال، وما يبقى هو الأثر الطيّب والذكرى الحسنة. “عين” الدولة و”يد” البلديةفي ظلّ هذا الفلتان، تبرز التساؤلات المشروعة حول دور الجهات الرسمية. فالمواطن، سواء كان صاحبَ ملكٍ أم مستأجرًا، يحتاج إلى سقفٍ قانوني يحميه.ويُنتظر من بلدية صيدا واللجان المحلية أن تلعب دور “الوسيط العادل”، من خلال إحصاء الشقق وتنظيم عقود استثنائية تمنع الاحتكار، وتضع ضوابط أخلاقية وقانونية لأسعار الإيجارات بما يتناسب مع مساحة الشقّة وموقعها.كما أنّ غياب الرقابة الرسمية من وزارة الاقتصاد والقوى الأمنية يفتح الباب أمام “سماسرة الأزمات”. والمطلوب اليوم هو تفعيل الدور الرقابي لمنع استغلال حاجة الناس، واعتبار الرفع الفاحش للأسعار بمثابة “جرم اجتماعي” يستوجب المساءلة.