وكأنّ النازحين من الجنوب لا يكفيهم ما يعيشونه من مآسٍ وظروف قاسية، حتى تُضاف إلى معاناتهم اليوم معاناة من نوع آخر، تتمثل في صراع “رخيص” تخوضه بعض الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية، متاجرةً بهم لحسابات سياسية ضيقة، ولهثًا وراء صورة تعود على أصحابها بمزيد من التمويل والاستثمار في الوجع الإنساني. في هذا السياق، علمت جريدة “البوست” من مصادر صيداوية متابعة أنّ إحدى الجمعيات، التي لا يُعرف لها تاريخ يُذكر في العمل الإغاثي والإنساني، أقدمت قبل أيام على منع بعض المبادرين من توزيع “ثياب العيد” على الأطفال النازحين في أحد مراكز الإيواء، تحت ذريعة: “نحن لا نريد أي مساعدات من هذا الطرف”، علمًا أنّ الجهة المانحة هي جمعية مرخّصة قانونيًا منذ أكثر من 20 عامًا، ولا تُعرف عنها أي خلفية سياسية أو طائفية. ما جرى لا يمكن وضعه إلا في خانة الانحدار الأخلاقي في التعامل مع مأساة الناس، حين يصبح الطفل النازح نفسه مادةً للنكايات، وتتحول المساعدات إلى أدوات فرز واستبعاد وتسجيل نقاط. إنه زمن السعدنات والنكايات الولادية، حين تضيق بعض الجهات على الناس في ضيقتهم، وتحرمهم حتى من أبسط حقوق التضامن الإنساني والوطني.
بين شخصيته الصدامية، وبنية القرار في واشنطن، وكوابح الداخل والخارج… لماذا يبقى السيناريو النووي ممكنًا نظريًا، ومرعبًا استراتيجيًا، لكنه ليس الخيار الأرجح؟ في الحروب الكبرى، لا تبدأ الكارثة حين تقع فقط، بل حين تصبح قابلة للتخيّل. من هنا، لا يبدو السؤال عمّا إذا كان دونالد ترامب قد يستعمل السلاح النووي ضد إيران مجرد مبالغة سياسية أو خيالًا سوداويًا، بل سؤالًا يفرض نفسه كلما ارتفع منسوب التصعيد، واتسعت الحرب، واقترب الخطاب الأميركي من حدود التدمير الشامل. السؤال هنا ليس تقنيًا فقط، ولا قانونيًا فقط، بل سياسي ونفسي واستراتيجي في آن. هل يستطيع رئيس أميركي مثل ترامب أن يذهب إلى هذا الحد؟ وهل تسمح شخصيته بذلك؟ وهل تسمح له بنية النظام الأميركي أصلًا؟ ثم، قبل ذلك كله، ما الذي يعنيه أن تُكسر، للمرة الأولى منذ 1945، القاعدة التي حكمت العالم النووي: السلاح موجود للردع، لا للاستعمال؟ الجواب المعقّد يبدأ من حقيقة بسيطة وخطيرة: نعم، من حيث المبدأ، يستطيع الرئيس الأميركي أن يأمر باستخدام السلاح النووي، لأن السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة ما تزال تمنح الرئيس صلاحية واسعة جدًا في هذا المجال، فيما لا تعتمد العقيدة النووية الأميركية مبدأ “عدم البدء بالاستخدام”، بل تُبقي الباب مفتوحًا في “ظروف قصوى”. لكن ما هو ممكن على الورق ليس بالضرورة مرجّحًا في الواقع. فبين الإمكانية النظرية والقرار الفعلي تقف شبكة كثيفة من الحسابات العسكرية والسياسية والأخلاقية، فضلًا عن الخوف من أن يتحول أي استخدام نووي، ولو كان “محدودًا”، إلى لحظة انهيار تاريخية للنظام الدولي كله. الخطير في ترامب ليس فقط ما قد يفعله، بل أنه من القلائل الذين يجعلون العالم يصدق أن المستحيل قد يصبح مطروحًا على الطاولة رجل يهوى حافة الهاوية تكمن خصوصية هذا السؤال في أن صاحبه ليس رئيسًا أميركيًا تقليديًا. فترامب، في جوهر سلوكه السياسي، ليس ابن المدرسة الكلاسيكية في إدارة الأزمات، بل ابن الصدمة والتهويل ورفع السقف إلى أقصى حد ممكن. هو رئيس يحب أن يجعل خصومه، وحلفاءه، وحتى مؤسساته، في حال قلق دائم: هل ما يقوله مجرد ضغط؟ أم أنه مستعد فعلًا للذهاب أبعد مما يتوقع الجميع؟ هنا تحديدًا تكمن خطورته. فالرجل بنى جزءًا كبيرًا من صورته على فكرة أنه لا يتصرف وفق القواعد المألوفة، وأنه مستعد لفعل ما لا يجرؤ عليه غيره. وحين يقترن هذا النمط الشخصي بصلاحية نووية واسعة، يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن أن يتحول التهويل إلى قرار؟ المؤشرات السياسية الأخيرة لا تسمح بالاستهانة بالسؤال. فقد استخدم ترامب لغة تهديد قصوى تجاه إيران، ولوّح بضربات مدمّرة على بنى حيوية إذا استمرت المواجهة أو أُغلق مضيق هرمز. وهذا النوع من الخطاب لا يعني تلقائيًا أن الخيار النووي مطروح بجدية كقرار جاهز، لكنه يعني أن الرجل يتعمد دائمًا دفع الخصم إلى تخيّل الأسوأ. ما الذي يمنعه؟ هنا تبدأ البرودة الاستراتيجية. فالنووي ليس صاروخًا أكبر فقط، ولا غارة أشد تدميرًا فقط، بل انتقال كامل إلى عالم آخر. أي استخدام لهذا السلاح لن يكون مجرد ضربة لإيران، بل ضربة لفكرة الردع نفسها، ولشرعية الولايات المتحدة، ولما تبقى من نظام منع الانتشار النووي في العالم. الولايات المتحدة تعرف أنها، مهما امتلكت من تفوق عسكري، لا تستطيع التعامل مع الضربة النووية كحدث معزول. فإذا استُخدم هذا السلاح ضد إيران، فإن النتيجة لن تكون فقط تدمير هدف عسكري أو منشأة شديدة التحصين، بل فتح الباب أمام سلسلة ارتدادات قد تشمل انفجارًا إقليميًا واسعًا، وانهيارًا في أسواق الطاقة، وتسارعًا عالميًا في سباق التسلح النووي، وتراجعًا هائلًا في قدرة واشنطن على مطالبة الآخرين بعدم امتلاك القنبلة. بمعنى أوضح: إذا استعملت أميركا السلاح النووي ضد دولة غير مصنفة نوويًا فعليًا، فإن الرسالة التي ستلتقطها عواصم كثيرة في العالم ستكون قاسية وواضحة: من لا يملك الردع النووي، يبقى معرضًا لأن يُكسر بالسلاح النووي. وهذه، وحدها، كافية لإغراق العالم في مرحلة جديدة من الفوضى. الداخل الأميركي ليس ساحة مضمونة ثمة وهم شائع يقول إن رئيسًا مثل ترامب، إذا قرر، يذهب إلى النهاية بلا حساب. هذا غير دقيق. صحيح أن شخصيته صدامية، وصحيح أن صلاحياته واسعة، لكن القرار النووي لا يُتخذ في فراغ. هناك مؤسسات عسكرية، وأجهزة أمنية، وحسابات انتخابية، وانقسامات حزبية، ورأي عام، وتحالفات خارجية، وكلها تدخل دفعة واحدة على خط القرار عندما يقترب من العتبة النووية. والأهم أن الحرب على إيران نفسها، في شكلها التقليدي، ليست ملفًا سهلًا داخل الولايات المتحدة. التقارير الأخيرة تظهر وجود اعتراضات على التمويل الإضافي للحرب، وتوترات داخلية حتى في البيئة الجمهورية، وقلقًا من التورط في مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط. فإذا كانت الحرب التقليدية تثير هذا القدر من الحرج والانقسام، فإن الانتقال إلى النووي سيحوّل الانقسام إلى صدمة وطنية وسياسية من العيار الثقيل. لذلك، فإن أحد أهم كوابح ترامب ليس القانون فقط، بل الكلفة. فهو قد يهوى صورة الرجل الذي لا يتراجع، لكنه يعرف أيضًا أن الضربة النووية ليست عرض قوة انتخابي، بل مقامرة قد تبتلع رئاسته نفسها وتحوّل “الحزم” إلى وصمة تاريخية. متى يصبح السيناريو أكثر خطورة؟ يبقى الاحتمال النووي ضعيفًا، لكنه لا يهبط إلى الصفر. وتكمن الخطورة في ظروف محددة قد تجعل الفكرة تنتقل من خانة التهويل إلى خانة النقاش الجدي داخل غرف القرار. أول هذه الظروف أن تفشل الضربات التقليدية في حسم المواجهة، وأن تبقى البنية الصلبة في إيران صامدة، سواء في المجال النووي أو الصاروخي أو القيادي. ثانيها أن تتعرض القوات الأميركية، أو القواعد الكبرى، أو مصالح حيوية لحلفاء واشنطن، لضربة كبيرة تحدث صدمة سياسية داخل أميركا. وثالثها أن يقتنع ترامب، أو من يدفعه، بأن ضربة نووية “محدودة” قد تنهي الحرب بسرعة وتعيد تثبيت الردع من دون الحاجة إلى غزو أو استنزاف طويل. لكن هذه الفرضية نفسها تخفي أكبر أكاذيب الحروب النووية: لا توجد ضربة نووية “محدودة” بالمعنى السياسي. قد تكون محدودة تقنيًا، وقد تكون منخفضة العائد نسبيًا، لكن أثرها السياسي والنفسي والأخلاقي سيكون بلا سقف. فالعالم لن يسأل عن عدد الكيلوطنات، بل عن الحقيقة الأهم: أميركا كسرت المحظور. وإذا فعلها… ماذا بعد؟ إذا وقع المحظور، فإن الشرق الأوسط سيدخل فورًا مرحلة ما بعد كل شيء. إيران ستتعامل مع الحدث بوصفه حرب إبادة سياسية، لا مجرد تصعيد عسكري. وهذا يعني أن الرد لن يُقاس فقط بحجم الخسائر الميدانية، بل بطبيعة الحرب الجديدة: استهداف شامل للمصالح الأميركية، انفجار مسارح المنطقة، توسيع الاشتباك عبر الحلفاء، وتحويل كل بنية حيوية مرتبطة بواشنطن في الإقليم إلى هدف محتمل. ثم يأتي الاقتصاد العالمي. يكفي أن يكون مضيق هرمز مهددًا أصلًا حتى ترتجف الأسواق. أما إذا ترافقت الحرب مع استخدام نووي، فإن العالم لن يكون أمام أزمة نفط فقط، بل أمام أزمة ثقة بالنظام الدولي كله: الشحن، التأمين، الطاقة، الأسواق المالية، سلاسل الإمداد، كلها ستدخل
في لبنان، يبدو أنّ الحرب لم تعد فقط تهديدًا خارجيًا، بل تحوّلت إلى مظلّة داخلية لتمرير خيارات بالغة الحساسية. أحدث هذه الخيارات جاء في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 5 آذار/مارس 2026، حيث أُجيز إطلاق خدمات الإنترنت الفضائي عبر شركة Starlink بشكل فوري، متجاوزًا مسارًا قانونيًا وأمنيًا يُفترض أن يكون شرطًا مسبقًا لا تفصيلًا مؤجّلًا. الطوارئ لفرض الوقائع القرار لم يأتِ في لحظة عادية. بالتزامن، كانت إسرائيل تنذر نحو ربع سكان لبنان بإخلاء مناطقهم، في تصعيد غير مسبوق. هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام استجابة تقنية لحالة طارئة، أم أمام استغلالٍ للحظة الحرب لفرض وقائع يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية؟ينصّ القرار على السماح ببيع الخدمة فورًا قبل استكمال البنية الرقابية والأمنية، وتحديدًا قبل إنشاء مركز التحكّم الأمني الموجود أصلًا خارج لبنان. كما يتجاوز القرار الهيئات التنظيمية المختصة، مثل الهيئة المنظّمة للاتصالات، ويُرحّل الموافقات الأمنية إلى مرحلة لاحقة، في سابقة إدارية تطرح علامات استفهام حول مفهوم “الدولة المؤجّلة”.ويترافق ذلك مع توسيع نطاق الاستخدام ليشمل جهات حكومية وسفارات ومنظمات غير حكومية، بعدما كان محصورًا سابقًا ضمن إطار تجريبي ضيّق، من دون أن يقترن هذا التوسّع بأي تحديد لسقف الأجهزة أو توزيعها الجغرافي، ما يفتح الباب أمام انتشار غير مضبوط لشبكة موازية. كسر السلسلة لفهم خطورة المسألة، لا بدّ من تفكيك المسارين القائمين. في النموذج التقليدي، تمرّ بيانات المستخدم عبر مزوّد الخدمة المحلي، ثم عبر الشبكة الوطنية التي تديرها الدولة، وصولًا إلى البوابات الدولية. هذه السلسلة تتيح للدولة، عبر وزارة الاتصالات ومؤسسة أوجيرو، مراقبة الحركة الرقمية، وتطبيق القرارات القضائية، وإدارة الأمن السيبراني.في المقابل، يقلب الإنترنت الفضائي هذه المعادلة رأسًا على عقب، إذ ينتقل الاتصال مباشرة من المستخدم إلى القمر الصناعي، ومنه إلى محطة أرضية خارج لبنان، قبل أن يصل إلى الإنترنت العالمي. النتيجة هي مسار بيانات لا يمرّ بالبنية التحتية اللبنانية إطلاقًا، ما يعني عمليًا نشوء “إنترنت خارج الشبكة الوطنية”، أي شبكة رديفة مركز رقابتها خارج البلد، وجزء من حركة البيانات فيها خارج السيطرة التقنية للدولة. سيادة تتآكل تدريجيًا هذا التحوّل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مسألة سيادية بامتياز. فالقرار الصادر في آذار/مارس 2026 هو تعديل لقرار سابق صدر في أيلول/سبتمبر 2025، كان قد أثار مخاوف جدية، لأنه سمح بالاتصال المباشر بالأقمار الصناعية وتشغيل شبكة خارج البنية الوطنية، في ظل غياب إشراف سيادي فعلي، ونقل مركز التحكّم الأمني إلى خارج الولاية القضائية اللبنانية.غير أنّ التعديل الجديد يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يكتفي بتكريس هذه الثغرات، بل يسمح باستخدام الخدمة قبل إنشاء أي نظام رقابي فعلي، ما ينقل الإشكالية من موقع الرقابة إلى غيابها الكامل، ولو مؤقتًا.والمفارقة أنّ هذا المسار ليس جديدًا. خلال حرب 2024، طُرح إدخال ستارلينك تحت عنوان “خطة طوارئ” لضمان استمرارية الإنترنت، لكنه سقط آنذاك أمام اعتراضات قانونية وأمنية تتعلّق بغياب المسار التنظيمي وبمتطلبات الرقابة والتنصّت الشرعي.اليوم، يعود المنطق نفسه تقريبًا، إذ يبدأ القرار تحت عنوان الاستثناء، على أن تتم التسوية لاحقًا، من دون وجود خطة مُعلنة لإدارة طوارئ الاتصالات تحدد الأولويات والبدائل وشروط الأداء والمساءلة. غير أنّ التجربة اللبنانية تُظهر أنّ “لاحقًا” غالبًا ما تبقى مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى. السيادة الرقمية في جوهره، لا يدور النقاش حول رفض التكنولوجيا أو القبول بها، بل حول كيفية إدخالها. الإنترنت الفضائي قد يكون ضرورة في ظروف الانهيار أو الحرب، لكنه يتحوّل إلى ثغرة استراتيجية عندما يُعتمد من دون إطار سيادي واضح. فالدولة التي لا ترى بياناتها لا تستطيع تنظيمها، ولا حمايتها، ولا حتى فهم اتجاهاتها.لبنان اليوم أمام مفترق دقيق، حيث يتداخل الأمني بالتقني، والسيادي بالإجرائي. إمّا أن ينجح في تطوير نموذج يوازن بين الابتكار والسيادة، أو أن ينزلق تدريجيًا نحو واقع شبكي مزدوج، تفقد فيه الدولة قدرتها على الضبط لصالح بنى اتصالية خارجة عن نطاقها. الصمت كقرار سيادي تمرير قرارات بهذا الحجم في ظل الحرب قد يبدو مبرّرًا تحت عنوان “الضرورة”، لكنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة، حيث تتحوّل الطوارئ إلى أداة حكم. وبينما تتآكل الحدود الجغرافية تحت ضغط الصراع، تبدو الحدود الرقمية للبنان وكأنها تُعاد صياغتها بصمت. والصمت، في هذه الحالة، ليس حيادًا، بل خيارٌ سياديّ بحدّ ذاته.