فصلٌ جديد من مسلسل الغباء والفضائح التي تمتهن بلدية صيدا اختراعها بشكل متواصل. نجم هذه المرّة: ملف كنس النفايات في المدينة. إذ علمت صحيفة «البوست» من مصادر اقتصادية مطّلعة أن «هيئة الشراء العام» أبدت اعتراضها على العقد الذي رست عليه المناقصة بين بلدية صيدا وشركة NTCC لكنس النفايات من المدينة، فيما تقدّمت، مرّة جديدة، شركة تُدعى «بروجكت»، لا تظهر إلا غبّ الطلب لاستكمال العدد، ما يضع الجميع أمام مأزق ستزداد حدّته في الأيام المقبلة، إن لم تسارع البلدية إلى اتخاذ الإجراءات والتدابير التي تكفل نظافة الشوارع والأحياء، في زمن تضجّ فيه المدينة بالنزوح والوافدين. ويبدو أن قيمة العقد، التي بلغت نحو 719 آلاف دولار على فترة عام، قد أثارت حفيظة المعنيين في الهيئة، الذين رفضوا العقد لضخامة المبلغ، وجرى تعيين خبير للتحقّق من الرقم المضخّم. علماً أن مصادر ذات باع في هذا الملف أكدت لـ«البوست» أن الرقم الفعلي لا يتجاوز 320 ألف دولار، في حدّه الأقصى، قياساً إلى ما كان يُدفع في السنوات السابقة. فمن يتحمّل مسؤولية الهدر في المال العام؟ وإلى أي جيوب سيذهب فائض المبالغ المضخّمة؟ وإذا كان الصندوق البلدي ممتلئاً، كما يُقال، بالأموال، فلماذا لا تبادر البلدية إلى توظيف أكثر من 80 صيداوياً بنظام الساعة في أعمال الكنس والتنظيف، فتوفّر على نفسها أكثر من 350 ألف دولار، وتخلق أكثر من 100 فرصة عمل جديدة؟ فصيدا وأهلها أحقّ بهذه الأموال، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة. لو كان فيكم رجلٌ غيورٌ ومسؤول…
في أقلّ من شهر، تتكرّر فصول المسلسل نفسه، من دون أن يحرّك أحدٌ ساكناً. أراضي مدينة صيدا تُباع “للغرباء” و”المريبين” على أعين أهلها العاجزين عن اتخاذ موقف منقذ لما تبقّى من أرضٍ وتاريخٍ ومجتمعٍ وناس. فقد علمت صحيفة «البوست» من مصادر عقارية متابعة، أن تاجراً عقارياً بات معروفاً بشراهة الشراء لأراضي المدينة، وبمبالغ يطرحها لا يقدر أحد على منافستها، قام بشراء عقارين، عبارة عن أرضين على «بولفار الدكتور نزيه البزري»، بقيمة إجمالية فاقت الـ17 مليون دولار لكليهما. ويأتي ذلك في وقتٍ تزداد فيه مشاريعه في التفريخ المهول، ما يطرح المزيد من علامات الاستفهام حوله، وحول الجهة التي تقف وراءه، من دون أن يغيّر ذلك من واقع الأمور على الأرض شيئاً.
في أحد شوارع الصين، توقّف المارّة أمام مشهد بدا وكأنّه خرج لتوّه من رواية خيال علمي. كائنٌ معدنيّ ينحني بخضوع، يمدّ يديه نحو الناس، ويطلب المساعدة المالية. لم يكن عجوزاً أنهكته الحياة، ولا فقيراً لفظه سوق العمل، بل روبوتاً متطوّراً يتقن فنّ التوسّل بإتقان يكاد يحرج البشر أنفسهم. كان المشهد صادماً بما يكفي لإثارة الدهشة، لكنه حمل مفاجأة أخرى أكثر غرابة. فالروبوت لم يكتفِ بوضع طبق صغير لاستقبال العملات النقدية، بل جهّز نفسه أيضاً للعصر الرقمي. إلى جانب الطبق وُضعت ورقة تحمل رمز استجابة سريعاً (QR Code)، وكأن الرسالة تقول للمارّة: «حتى الفقر أصبح يدعم الدفع الإلكتروني». في البداية، اعتقد كثيرون أنهم أمام أول متسوّل آلي في التاريخ، وأن الذكاء الاصطناعي بدأ ينافس البشر حتى في أكثر المهن هامشية. لكن الحقيقة كانت أقل مأساوية وأكثر ذكاءً. فقد تبيّن أن المشهد برمّته لم يكن سوى حملة دعائية مبتكرة صمّمها مطوّرو الروبوت لاستعراض قدراته الاستثنائية على تقليد الحركات البشرية والتفاعل مع البيئة المحيطة بدرجة مذهلة من الواقعية. ومع ذلك، فإن نهاية القصة لم تُنهِ الأسئلة التي أثارتها. فالروبوت الذي تظاهر بالتسوّل نجح في تحقيق ما فشلت فيه مئات الإعلانات التقليدية. لقد أجبر الناس على التوقّف، والتحديق، والتفكير، والتصوير، والنقاش. وفي عالم أصبحت فيه انتباهات البشر سلعة نادرة، ربما كان هذا الإنجاز أكثر أهمية من أي قدرة تقنية أخرى. skip render: ucaddon_material_block_quote تبدو الحادثة طريفة للوهلة الأولى، لكنها تكشف تحوّلاً أعمق من مجرّد حيلة تسويقية. فنحن نعيش زمناً لم تعد فيه الآلات تكتفي بتنفيذ الأوامر أو حمل الأوزان أو إجراء الحسابات. إنها تتعلّم الآن كيف تستدرج مشاعرنا، وكيف تجذب تعاطفنا، وكيف تحاكي ضعفنا الإنساني نفسه. قبل سنوات، كانت المخاوف تتركّز حول الروبوتات التي قد تستولي على وظائف عمّال المصانع. ثم انتقلت المخاوف إلى المبرمجين والمحاسبين والمترجمين والصحافيين. أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تتمكّن الآلات من تقليد السلوك البشري إلى درجة تجعلنا ننسى للحظات أنها ليست بشراً؟ المفارقة الساخرة أن الروبوت المتسوّل لم يكن بحاجة فعلاً إلى المال، بينما يزداد عدد البشر الذين قد يحتاجون إليه بسبب الروبوتات نفسها. فمع كل قفزة جديدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتّسع دائرة القلق بشأن مستقبل الوظائف. صحيح أن التاريخ يعلّمنا أن كل ثورة صناعية ألغت بعض المهن وخلقت أخرى، لكن ما يميّز الثورة الحالية أنها لا تستهدف العضلات فقط، بل العقل أيضاً. إنها لا تنافس العامل في المصنع فحسب، بل تنافس الكاتب والمصمّم والمحامي والمستشار وحتى الفنان. وربما لهذا السبب أثار ذلك الروبوت الصغير كل هذا الاهتمام. فالناس لم يكونوا ينظرون إلى آلة تنحني طلباً للنقود، بل كانوا ينظرون إلى مرآة تعكس مخاوفهم من المستقبل. مستقبلٌ قد يصبح فيه التمييز بين الإنسان والآلة أكثر صعوبة من أي وقت مضى. skip render: ucaddon_box_testimonial