في زمنٍ كانت فيه بيروتُ تبحثُ عن فسحةِ ضحكٍ وسطَ التوتّراتِ السياسيّةِ والاجتماعيّة، صعدَ شابٌّ نحيلٌ بوجهٍ طفوليٍّ وشاربينِ كثيفينِ إلى الخشبة، حاملًا اسمًا فنّيًا بسيطًا: شوشو. سرعان ما تحوّل هذا الاسمُ إلى مرادفٍ للمسرحِ نفسه؛ فـ«المسرحُ الوطنيّ» الذي أسّسه صار في ذاكرةِ الناس «مسرحَ شوشو»، والممثّلُ الشابّ غدا أيقونةً لضحكةِ الفقراء وهمومِهم في آنٍ واحد. من أحياء بيروت إلى خشبة التاريخ وُلِدَ حسنُ علاء الدين، المعروف بـ«شوشو»، عام 1939، وتعودُ أصولُ عائلته إلى بلدةِ جون في قضاءِ الشوف، قبل أن يتربّى في أحياءِ بيروتَ الشعبيّة، ولا سيّما منطقةَ البسطة التي شكّلت مسرحَ حياته الأوّل. هناك التقطَ تفاصيلَ الناسِ ولغتَهم، وحوّلها لاحقًا إلى شخصيّاتٍ و«نكاتٍ» حيّةٍ على الخشبة.بدأ طريقَه مع فرقِ الهواة، قبل أن يلتقيَ المخرجَ والكاتبَ محمّد شامل في منتصفِ الستينيّات، فيفتحَ له أبوابَ الإذاعةِ والتلفزيون. ومن كواليسِ البرامجِ الإذاعيّةِ والتلفزيونيّة خرجت جملةُ «كيفك يا شخص؟» لتصبح «كلمةَ السرّ» التي تعرّفَ الناسُ من خلالها إلى الصوتِ الجديدِ القادمِ من قلبِ الشارع. حجرٌ ثقافيّ في قلب بيروت عام 1965، شاركَ شوشو المخرجَ نزار ميقاتي في تأسيسِ «المسرحِ الوطنيّ اللبنانيّ»، في مغامرةٍ بدت حينها ضربًا من الجنون: مسرحٌ يوميّ، يفتحُ أبوابَه للجمهورِ بشكلٍ متواصل، ويقدّمُ عروضًا شعبيّةً بأسعارٍ في متناولِ الطبقةِ الوسطى والفقيرة.تحوّل المسرحُ إلى معلَمٍ ثقافيّ في قلبِ المدينة، فالتذكرةُ إليه كانت أشبهَ بتذكرةِ عبورٍ إلى عالمٍ يعكسُ حياةَ الناسِ بصدق، ويمنحُهم حقَّ الضحكِ على واقعِهم المرّ. لم تكن بيروتُ تعرفُ الاسمَ الرسميّ للمكان بقدرِ ما عرفت صاحبَه؛ يكفي أن يقولَ سائقُ التاكسي «مسرح شوشو» حتّى ينطلقَ بلا سؤال، كأنّه يذهبُ إلى ذاكرةٍ مشتركةٍ لا إلى عنوان.على تلك الخشبة قدّم شوشو عشراتِ المسرحيّاتِ التي مزجتِ الكوميديا بالنقدِ السياسيّ والاجتماعيّ، من بينها مسرحيّةُ «آخ يا بلدنا» التي عُرِضت عام 1973، واعتُبِرَت علامةً فارقةً في تاريخِ المسرحِ اللبنانيّ لحدّةِ نقدِها وجرأتِها في مقاربةِ قضايا الفقرِ والفسادِ والسلطة. ضحكٌ مرّ على وجع بلد لم تكن شخصيّةُ شوشو مجرّد «مهرّج» يُضحكُ الجمهور، بل كانت صورةً مركّبةً للإنسانِ البيروتيّ البسيط: ثيابٌ متواضعة، قبّعةٌ أو طربوش، حركاتٌ غيرُ متناسقة، ولسانٌ ساخرٌ يطلقُ المزاحَ ليكشفَ تناقضاتِ المجتمعِ والسلطة. عبر هذه الشخصيّة، استطاع أن يحوّلَ المسرحَ إلى مساحةِ نقاشٍ حيّةٍ بين الناسِ والواقعِ الذي يعيشونه.كانت عروضُه اليوميّة بمثابةِ نشرةٍ سياسيّةٍ شعبيّة، تتناولُ ارتفاعَ الأسعار، وفسادَ بعضِ المسؤولين، وتهميشَ الطبقاتِ الفقيرة، لكن بلغةِ الضحك لا بلغةِ الشعارات. لذلك أحبَّه الناس، وشعرَ كثيرون أنّه يتكلّمُ بلسانِهم، ويدافعُ عنهم من فوقِ الخشبة. المرضُ والديون هذه المغامرةُ المسرحيّةُ «الانتحاريّة» كانت لها كلفتُها القاسية. فالإصرارُ على مسرحٍ يوميٍّ بأسعارٍ متواضعة، مع ضعفِ الدعمِ الرسميّ وغيابِ البنيةِ الثقافيّةِ المستقرّة، راكمَ على شوشو ديونًا كبيرة. ومع بداياتِ الحربِ الأهليّةِ اللبنانيّة عام 1975، تراجعتِ الحركةُ المسرحيّة، وتفاقمت أزمتُه الماليّةُ والصحّيّةُ في آنٍ واحد.في 23 من تشرين الثاني/نوفمبر 1975، رحلَ شوشو عن 36 عامًا فقط، إثرَ نوبةٍ قلبيّةٍ بحسبِ روايات، تاركًا وراءه مسرحًا مثقلًا بالديون، وجمهورًا مصدومًا برحيلِ من اعتادَ أن يمسحَ عن وجهِه غبارَ الأيّامِ بالضحكة. لقد غلبَه المرضُ والدَّين، لكنّهما لم ينجحا في محوِ أثرِه من وجدانِ اللبنانيّين. من «مسرح شوشو» إلى شاشة غوغل بعد نصفِ قرنٍ على رحيلِه، ما زالت مسرحيّاتُ شوشو تُستعادُ على شاشاتِ التلفزيون ومنصّاتِ التواصل، وما زالت عباراته حاضرةً في ذاكرةِ أجيالٍ لم تعاصرْه. وفي عام 2014، خصّصت شركةُ «غوغل» رسمةً على صفحتِها الرئيسيّة في الذكرى الخامسة والسبعين لميلادِه، لتذكّرَ العالمَ بفنّانٍ لبنانيّ جعلَ من الكوميديا وسيلةً لمقاومةِ القهرِ اليوميّ. رحلَ شوشو فقيرًا كما بدأ، لكنّه تركَ وراءه ثروةً فنّيّةً حقيقيّة، ونموذجًا لمسرحٍ شعبيٍّ ملتزم، ودرسًا في أنّ الضحكَ يمكنُ أن يكونَ أداةَ مقاومة، لا مجرّدَ ترفٍ ترفيهيّ. وفي بلدٍ ما زال يعيشُ الأزماتِ نفسها من فقرٍ وفسادٍ وانقسام، يبدو أنّ صرخةَ شوشو في «آخ يا بلدنا» ما زالت صالحةً لزمنِنا، وأنّ بيروتَ التي عرفت مسرحَه لن تنسى بسهولةٍ من منحَها أجملَ ضحكاتِها في أحلكِ أيّامِها.
أقدَمَ أحدُ المدراءِ العامّين السّابقين في إحدى الإداراتِ شبهِ الرّسميّةِ المُهِمّةِ في البلدِ على شراءِ شقّةٍ لابنتِهِ في بيروت، إثرَ خلافٍ عائليٍّ نشبَ بينها وبينَ أهلِ زوجِها الذينَ كانت تَسكُنُ معهم في إحدى البلداتِ الشّوفيّةِ في الجبل. وبحسبِ مُطَّلعين، فإنَّ البنتَ التي تَنحدِرُ من عائلةٍ بيروتيّةٍ كانت قد تزوَّجَتْ من غيرِ دينِها، ولم تَتَأقْلَمْ مع بيئتِها الجديدةِ، ما دفعَ بوالدِها إلى شراءِ شقّةٍ فخمةٍ لها في منطقةِ الأشرفيّة بلغت قيمتُها أكثرَ من 2 مليونِ دولارٍ، علماً أنَّ الوالدَ حينَ استلمَ مهامَّهُ في الإدارةِ العامّةِ كان موظّفاً براتبٍ عاديٍّ، ولم يكن يُعرَفُ عنه الثراءُ الواضحُ أو امتلاكُ أيِّ نشاطٍ تجاريٍّ كبيرٍ يُبرِّرُ قفزةً ماليّةً بهذا الحجم. لم تَعُدْ هذه القصصُ حالاتٍ فرديّةً تُروى على صفحاتِ الجرائدِ بينَ الحينِ والآخَر، بل باتت نموذجاً للفساد يتكرَّرُ عن كيفيّةِ تَضخُّمِ الثرواتِ في مواقعِ السّلطةِ، في ظلِّ غيابِ أيِّ آليّاتٍ رقابيّةٍ جدّيّةٍ على الذِّمَمِ الماليّةِ. فإلى متى يستمرُّ هذا المسلسلُ المُهين في هذا البلد؟
لم يَكُنْ إبراهيمُ مَزهر قد بلغَ 30 عامًا حين جلسَ على كرسيّ رئاسةِ بلديّةِ بقسطا – “الشَّرحبيل” – قربَ صيدا. لكنّ الشابّ الهادئ، المتصالح مع نفسِهِ، المُتفاهم مع الأهالي، نجح في ما فشل فيه “الكبار”: أن يكون رئيسًا بلديًا بلا استعراض، بلا زعيم فوق رأسه، وبلا “مدرسة” حزبية تُلقّنه ما يقول وما يفعل. النتيجة؟ بلدةٌ تحوّلت إلى “صيدا ثانية”، تضجُّ بالحياة، وبتعدادٍ يتجاوز 13 ألف صيداوي، ونموّ عمرانيّ لا يتوقف. المفاجأة الأكبر جاءت قبل أيّام، حين استطاع مزهر، وبالتعاون مع لجان أهلية محلية فقط، تحقيق ما عجزت عنه أحزاب وتيارات واتحادات ونقابات “مدّعية الشغل”. مشكلة “شُحّ المياه” التي رافقت الشرحبيل لسنوات كانت تُعامَل باستهتار فجّ: وعود، تسويف، تمييع، واستنسابية، كأنّ 13 ألف إنسان يحتاجون معجزة كي يشربوا! لكن “خط الخدمات” الذي سيغذّي المنطقة بالمياه انطلق أخيرًا. ليس بفضل خطابات السياسيين، ولا بفضل الاجتماعات الفارغة التي تُعقَد عندما يضيق الوقت. جاء بفضل رئيس بلدية بقي بين الناس، ولم يكتفِ بمدّهم بـ“بوستات تضامن” أو “جمع توقيعات” لا تُسمن ولا تُغني. على أبواب انتخابات نيابية، سيظهر الانتهازيون ليباركوا ويصفّقوا، وسيرفع البعض شعار: “نحن ضغطنا… نحن تابعنا… نحن طالبنا”.لكن الحقيقة يعرفها الجميع.ما حدث ليس مجرّد إنجاز خدماتي. إنه صفعة كبيرة تُظهر كيف يمكن لرئيس بلدية شاب أن ينجح بلا فزلكات، بلا نفاق، بلا رحلات “تثقيفية” و“هروب”، وبلا صور موسمية.صفعةٌ مؤلمة… لعل صداها يبلغ، ولو صدفة، مونتريال ليستفيق الغافلون.