الحرب في الشرق الأوسط لم تعد تجري في الشرق الأوسط وحده. فإذا كانت إسرائيل قد أمضت سنوات وهي تطارد خطوط الإمداد الإيرانية بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، فإن أحد أكثر هذه المسارات حساسية قد ابتعد شمالًا عن ساحات المواجهة التقليدية، واتجه نحو بحر قزوين. للمرة الأولى تقريبًا، يصبح السؤال الإسرائيلي ليس فقط: كيف نقطع الطريق الإيراني؟ بل: كيف نقطع طريقًا قد يمر فوق مصالح روسية مباشرة؟ بحر مختلف في سوريا والعراق، كانت المعادلة مختلفة. قافلة يمكن قصفها، مستودع يمكن تدميره، منشأة يمكن استهدافها، وسفينة يمكن اعتراضها. أما قزوين فليس المتوسط ولا البحر الأحمر. إنه بحر مغلق تحيط به خمس دول، تتداخل فوقه وتحت مياهه حسابات روسيا وإيران وأذربيجان وغيرها، وتصبح فيه أي حركة عسكرية جزءًا من معادلة أكبر بكثير من المواجهة الإسرائيلية ـ الإيرانية. إسرائيل تعرف كيف تقطع طريقًا إيرانيًا عندما يكون الطريق مكشوفًا. لكن ماذا يحدث عندما ينتقل الطريق من سماء الشرق الأوسط إلى مياه قزوين؟ هنا تتغير قواعد اللعبة؛ لأن ضرب خط إمداد إيراني في قزوين لا يعني بالضرورة ضرب إيران وحدها. قد يعني الاقتراب من مصالح روسية، والتعامل مع سفن روسية، والتحرك في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى موسكو وطهران وباكو. بعبارة أخرى: الطريق الذي يربط إيران بروسيا قد يحوّل الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني من حرب على الإمداد إلى مشكلة مع موسكو. الشريان الشمالي للشرق الأوسط المفارقة أن ما يبدو بعيدًا على الخريطة عن الشرق الأوسط قد يكون مرتبطًا مباشرة بموازين القوى داخله. فإيران لا تحتاج فقط إلى نقل السلاح إلى حلفائها في المنطقة، بل تحتاج أيضًا إلى تأمين شبكة اقتصادية وصناعية ولوجستية تربطها بشمالها وبروسيا. ومع تزايد أهمية الممرات التي تربط البلدين، يصبح بحر قزوين جزءًا من معركة أوسع حول قدرة إيران على الحركة والمناورة والحفاظ على شبكاتها. هنا يصبح السؤال الإسرائيلي أكثر تعقيدًا: هل يمكن قطع شريان إيراني من دون الاصطدام بالشرايين الروسية التي تمر عبره؟ المشكلة ليست عسكرية فقط، بل سياسية وجغرافية أيضًا. فالضربة الجوية، حتى لو أمكن تصورها نظريًا، تتحرك داخل بيئة جوية شديدة الحساسية. والاعتراض البحري المباشر لا يشبه ما يمكن تنفيذه في المتوسط أو البحر الأحمر. أما التخريب، الذي قد يبدو الخيار الأقل كلفة عسكريًا، فقد يتحول إلى الخيار الأعلى كلفة سياسيًا إذا كانت السفينة روسية أو كانت العملية تجري في منطقة مرتبطة مباشرة بالمصالح الروسية. skip render: ucaddon_material_block_quote أذربيجان عند نقطة التقاطع وهنا تدخل أذربيجان إلى المشهد، لا باعتبارها متهمة بتنفيذ عملية محددة، ولا باعتبار أن هناك دليلًا علنيًا يثبت استعدادها لتوفير منصة لأي عمل تخريبي، وإنما لأنها تقع عند واحدة من أكثر نقاط التقاطع حساسية في هذه الخريطة. العلاقة العسكرية والأمنية بين باكو وتل أبيب معروفة، كما أن أذربيجان حافظت في الوقت نفسه على علاقات مع موسكو وطهران. ولذلك فإن أي حادث غامض يستهدف سفينة روسية في قزوين، إذا وقع، لن يبقى حادثًا محليًا طويلًا. ستبدأ فورًا لعبة الاتهامات والشكوك، وستكون باكو، بحكم موقعها وعلاقاتها، واحدة من الأسماء التي ستظهر في الحسابات السياسية. وهنا تكمن المعضلة الأذربيجانية: كيف تحافظ على شراكتها مع إسرائيل من دون أن تتحول إلى ساحة احتكاك بين إسرائيل وإيران، أو إلى مشكلة مباشرة مع روسيا؟ إنها معادلة دقيقة؛ لأن باكو تستطيع أن تكون شريكًا استراتيجيًا لتل أبيب، لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا. وإيران جارتها، وروسيا قوة محيطة بها، وقزوين ليس بحرًا يمكن لأي طرف أن يتعامل معه باعتباره فراغًا جغرافيًا. من قزوين إلى غزة قد يبدو بحر قزوين بعيدًا عن غزة إلى درجة يصعب معها وضعهما في الجملة نفسها. لكن خرائط الحروب الحديثة لا تُرسم بالمسافات وحدها؛ تُرسم بخطوط الإمداد والممرات البحرية ومصالح الدول وقدرة كل طرف على إبقاء الحرب في حدودها أو دفعها إلى جغرافيا جديدة. ما يحدث في غزة هو الوجه الأكثر وضوحًا للصراع، أما قزوين فقد يكون أحد أعمق مساراته الخلفية. فبينما تُقاس الحرب في غزة بالصواريخ والأنفاق والحدود والمعابر، تُقاس في قزوين بالسفن والموانئ والممرات التجارية والعلاقة بين إيران وروسيا. وما يجمع الطرفين أن المعركة لم تعد تدور فقط حول مكان إطلاق النار، بل حول القدرة على استمرار الحرب وإمدادها وتمويلها وإعادة تشكيل موازين القوة من خلف خطوطها المباشرة. لهذا فإن قزوين ليس بعيدًا عن غزة كما يبدو على الخريطة. غزة هي واجهة الصراع، وقزوين أحد مساراته الخلفية. كل خط إمداد جديد تفتحه إيران شمالًا يفرض على إسرائيل جغرافيا أصعب وإذا كانت إسرائيل قد حاولت في الشرق الأوسط قطع الطرق التي تصل إيران بحلفائها، فإن انتقال جزء من هذه الشبكات شمالًا يعني أن الحرب نفسها بدأت تفرض عليها جغرافيا أوسع: جغرافيا تمتد من شواطئ غزة إلى المياه المغلقة لقزوين، ومن طهران إلى موسكو، مرورًا بباكو. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد تستطيع إسرائيل أن تجعل غزة ساحة حرب، وقد تستطيع الضغط على طرق الإمداد في الشرق الأوسط، لكن كلما اتجهت شمالًا لملاحقة الشريان الإيراني، اقتربت من لاعب لا تستطيع تجاهله: روسيا. ومن ثم، فإن المسافة بين غزة وقزوين ليست آلاف الكيلومترات فحسب؛ إنها المسافة بين حرب يمكن محاولة حصرها في ساحاتها، وحرب قد يصبح توسيعها أسهل من احتوائها. skip render: ucaddon_box_testimonial
في السياسة تُقال عبارة مألوفة: «المعرفة قوة». وهي صحيحة إلى حدٍّ بعيد. فالمعلومة تمنح صاحبها قدرة على الفهم، والفهم يمنحه قدرة على التأثير، والتأثير يفتح باب القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى وسيلة للنفوذ فقط. في المنطق القرآني، المعرفة ليست امتيازًا بلا تبعة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. أي إن ما نسمعه ونراه وندركه لا يبقى خارج دائرة المحاسبة. ماذا نفعل؟ سياسيًا، تختصر هذه الآية سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا نفعل بما نعرف؟ هذا السؤال أكثر أهمية من كمية المعلومات التي نملكها، لأن السياسة لا تُقاس فقط بقدرة المسؤول على قراءة الوقائع، بل بقدرته على تحويل هذه القراءة إلى قرار يخدم الناس ويحصّن الدولة. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى جانب أساسي من تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ففي جوهر مشروعه، لم تكن معرفة العالم ترفًا، ولم يكن الانفتاح على الخارج خروجًا من لبنان، بل محاولة لوضع لبنان داخل حركة العالم. كانت الفكرة تقوم على أن بلدًا صغيرًا ومفتوحًا مثل لبنان لا يستطيع أن يبني مستقبله بعقل منغلق، ولا أن يحمي مصالحه من دون أن يفهم الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية والتحولات الإقليمية. المعرفة هنا لم تكن هدفًا بحدّ ذاتها، بل مدخلًا إلى الفعل: تعليم، إعمار، علاقات، استثمار، مؤسسات، وفرص. وهذا هو الفارق بين من يستخدم المعرفة لكي يتفوّق على خصمه، ومن يستخدمها لكي يبني. في الحياة السياسية اللبنانية، كثيرًا ما تُستهلك المعرفة في الصراع: من يعرف أكثر عن خصمه؟ من يمتلك معلومات أدق؟ من يستطيع أن يحرجه أو يحاصره أو يسبقه بخطوة؟ لكن الدولة لا تُبنى بهذه العقلية وحدها. الدولة تحتاج إلى معرفة من نوع آخر: معرفة حاجات الناس، وتحولات المجتمع، وأرقام الاقتصاد، ونقاط ضعف الإدارة، واتجاهات العالم، وموقع لبنان داخل كل ذلك. من دون هذه المعرفة تصبح السياسة ارتجالًا، ومن دون المسؤولية تصبح المعرفة نفسها انتهازية. skip render: ucaddon_material_block_quote استعادة الإرث لهذا، فإن استعادة الإرث الحريري لا ينبغي أن تقتصر على استحضار الاسم أو الحنين إلى مرحلة سياسية بعينها، بل على استعادة منهج في التفكير: أن تعرف الواقع قبل أن تتحدث عنه، وأن تفهم التحولات قبل أن تتخذ موقفًا منها، وأن تضع المصلحة العامة قبل استخدام المعلومة في الصراع. هذه مسؤولية تنطبق على كل عمل سياسي، لكنها تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تيار المستقبل، إذا أراد أن يعيد تعريف دوره انطلاقًا من إرثه السياسي والفكري. المطلوب ليس فقط خطابًا يعرف ماذا يريد الناس أن يسمعوا، بل عقل سياسي يعرف ماذا يحتاج البلد أن يفعل. الفرق كبير بين السؤالين؛ الأول ينتج شعبوية، والثاني قد ينتج دولة. لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفهم. لا يحتاج فقط إلى من يصف أزماته، بل إلى من يعرف كيف يقرأ أسبابها وتداخلاتها، ثم يقدّم خيارات قابلة للحياة. حين تصبح المعرفة تكليفًا، تبدأ السياسة بالخروج من منطق النفوذ إلى منطق الخدمة ولهذا، قد يكون أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في السياسة اللبنانية اليوم هو الانتقال من: «ماذا نعرف لكي نغلب؟» إلى: «ماذا نعرف لكي نخدم؟». في السؤال الأول، المعرفة سلاح، وفي الثاني، المعرفة أمانة. وربما هنا يكمن أحد الفروق الأساسية بين السياسي ورجل الدولة. السياسي قد يعرف كيف يستخدم اللحظة. أما رجل الدولة، فعليه أن يعرف كيف يقرأ ما بعدها. وهذا، في أحد أعمق معانيه، ما يجعل المعرفة مسؤولية لا امتيازًا. فالمشكلة ليست أن نعرف أقل، بل أن نعرف، ثم نتصرف كأننا لا نعرف. skip render: ucaddon_box_testimonial
أعزَّ الله عزَّ الدين القسّام ونسله، وأذلَّ إسرائيل وزبانيتها أينما ثُقِفوا. لا مجال هنا للتأويل أو الاجتهاد. الأمر قطعيّ ونهائيّ، لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والظروف، ولا مجال للمزايدة والشعبوية. لكن أن يؤول قطاع حيوي وأساسي كقطاع الكهرباء، في مدينة هي العاصمة الثالثة للبلد، ليقع في يد جهة بعينها معروفة الميول السياسية والحزبية بشكل واضح للجميع، فعندها تصبح المسألة مسألة أمن قومي، لا عبث فيها ولا سكوت عنها بحجّة الغباء أو قِصر النظر. تتحفنا بلدية صيدا، بين الحين والآخر، بصورة وخبر لتقول إن المنطقة الفلانية من المدينة باتت بحوزة صاحب المولّد الفلاني… لا أستثني أحدًا من أصحاب المولّدات الخاصة قديمهم وجديدهم، على فظاعة ما اقترفوه بحق المواطنين على مدى سنين، لكن قليل من «الفطنة» وبُعد النظر… وحتى لو كانت الخطوة تتمثّل بنقل امتياز توليد الكهرباء من المولّدات الخاصة من شخص إلى آخر، من الغباء حُكمًا، بغضّ النظر عن الظروف التفصيلية، أن تتمركز الغالبية العظمى بيد شخصين معروفين في المدينة ومحسوبين على «حركة المقاومة الإسلامية» حماس. ليس في الأمر تهمة، بل تنبيه مشروع، ففي زمن العربدة والطغيان الإسرائيلي، ما الذي يمنع مسيّرة أو صاروخًا من تفجير مولّد بحجّة أن صاحبه ينتمي إلى حماس؟ ماذا لو قُصفت كل المولّدات التي باتت لأشخاص مؤيدين للحركة تحت هذه الحجّة؟ عندها تدخل المدينة في ظلام دامس من الصعب الخروج منه. لا تحتاج آلة الحرب الإسرائيلية إلى ذريعة، يكفيها أن تتابع صفحة البلدية على فايسبوك، لكن من السذاجة أن نمنحها سببًا، وألّا نرى أبعد من أنوفنا، وألّا ندرك أبعاد خطوات قد تجرّ الويلات على البلدية نفسها وأعضائها، وتاليًا على صيدا برمتها، بحجج لا تنتهي عند الأميركيين والإسرائيليين تحت عنوان شماعة «الإرهاب». المطلوب اليوم من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في المدينة تدارك الأمر قبل حصول ما لا تُحمد عقباه. الطاقة ليست تيارًا كهربائيًا أو مادة سائلة، إنها شريان حياة آلاف الناس، ولا يجب أن تكون محتكرة بيد شخص، مهما حسنت نواياه. هل خلت المدينة من أصحاب أموال ومستثمرين لا غبار عليهم، بالطبع لا…