لم يعدِ الحديثُ عن اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ في جنوبِ لبنان مجرّد تسريباتٍ إعلاميةٍ أو تقديراتٍ نظرية. في تلّ أبيب، يسودُ بين عددٍ من المراسلين العسكريين الأجانب اعتقادٌ بأنّ الجيشَ الإسرائيليَّ بات مقتنعًا بقدرته على تنفيذ عمليةٍ سريعةٍ تفضي إلى السيطرةِ الكاملة على الشريطِ الحدوديِّ اللبناني وفقَ هذه القراءة، فإنّ الهدفَ لا يقتصرُ على توجيه ضربةٍ موضعية، بل قد يمتدّ إلى تدمير ما تبقّى من مراكزَ سكنيةٍ في قرى الحافةِ الأمامية، ومنعِ السكانِ من العودةِ إليها بشكلٍ نهائي، مع فرضِ انتشارٍ عسكريٍّ دائمٍ في تلك المنطقة. تعزّز هذه الفرضياتُ أوامرَ الإخلاءِ التي طالت 53 بلدةً جنوبية، في خطوةٍ تُقرأ كإجراءٍ احترازيٍّ يتجاوزُ الردَّ التقليديَّ إلى التحضيرِ لسيناريو أوسع. كما تشيرُ مصادرُ إسرائيليةٌ إلى أنّ المؤسسةَ العسكريةَ أبلغت الأميركيين قبل أشهرٍ بأنّها لم تعد ترَى جدوى من آلية «الميكانيزم»، معتبرةً أنّ الحكومةَ اللبنانيةَ والجيشَ اللبنانيَّ غيرُ قادرين على كبحِ جماحِ حزبِ الله أو دفعِه إلى ترتيباتٍ أمنيةٍ مباشرة. أهدافٌ معلنةٌ ومضمرة لا يقتصرُ الحديثُ عن الاجتياحِ البرّيِّ الإسرائيليِّ على مجردِ عمليةٍ عسكريةٍ تقليدية، بل يتجاوزُ ذلك إلى أبعادٍ استراتيجيةٍ وسياسيةٍ عميقة. فإسرائيل، التي تضعُ نصبَ عينيها «القضاءَ على حزبِ الله بشكلٍ كامل»، تسعى من خلال أيّ عمليةٍ بريةٍ إلى تحقيقِ أهدافٍ متعددة. قد تشملُ الأهدافُ إنشاءَ «منطقةٍ آمنة» داخل الأراضي اللبنانية، وهو طرحٌ تحوّل من إطارٍ اقتصاديٍّ سابقٍ إلى مقاربةٍ أمنيةٍ خطيرة، بالإضافة إلى تدميرِ البنى التحتية المتبقية للحزب. كما قد تسعى إسرائيل إلى فرضِ وقائعَ جديدةٍ على الأرض، قد تصل إلى حدّ اتفاقِ سلامٍ وتطبيع، أو على الأقل فرضِ وصايةٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ على جنوبِ لبنان. أيُّ اجتياحٍ برّيٍّ لن يكون مجرّد تقدُّمٍ عسكريٍّ عبر الحدود، بل إعادةُ رسمٍ قسريٍّ لخرائط الجنوب، واختبارًا وجوديًّا لدولةٍ تقف أصلًا على حافة الانهيار تشيرُ المؤشراتُ الميدانية، مثل وجودِ الفرقةِ 91 الإسرائيليةِ على الحدود وتكثيفِ عملياتِ التجنيد، إلى استعداداتٍ متقدمةٍ لعمليةٍ قد تكونُ محدودةً في نطاقها الجغرافي، تستهدفُ التقدمَ جنوبَ نهرِ الليطاني، وتحديدًا من شريطِ كفركلا/المطلة ومنطقةِ المحامص في إصبعِ الجليل. سيفتحُ أيُّ اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ لجنوبِ لبنان البابَ أمام تداعياتٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ خطيرة، ليس فقط على لبنان وإسرائيل، بل على المنطقة بأسرها. عسكريًا، قد تتحولُ المواجهةُ إلى حربٍ شاملة، مع احتمالاتٍ كبيرةٍ لتدخلِ قوى إقليميةٍ أخرى، ما يوسّعُ دائرةَ الصراع. وسيكونُ دورُ الجيشِ اللبنانيِّ حاسمًا في هذه المرحلة، إذ يواجهُ تحدّيًا كبيرًا في حمايةِ سيادةِ البلاد والحفاظِ على استقرارها. سياسيًا، يواجهُ لبنان منعطفًا تاريخيًا. ففي خطوةٍ غير مسبوقة، أعلن رئيسُ الحكومةِ اللبنانية نواف سلام في 2 مارس 2026 «الحظرَ الفوريَّ» لجميع أنشطةِ حزبِ الله العسكريةِ والأمنية، وألزمه بتسليمِ سلاحِه للدولة وحصرِ عملِه في المجالِ السياسي. هذا القرارُ، الذي جاء في ظلّ تصاعدِ التوترات، يعكسُ ضغوطًا دوليةً وإقليميةً كبيرةً على الحكومةِ اللبنانية، ويثيرُ تساؤلاتٍ حول مدى قدرةِ الدولةِ على فرضِ سيادتِها على السلاحِ غير الشرعي. كما أنّ هذا القرارَ قد يؤدي إلى انقساماتٍ داخليةٍ حادةٍ في لبنان، ويزيدُ من خطرِ اندلاعِ «فتنةٍ» داخليةٍ في ظلّ الظروفِ الراهنة. هلِ الاجتياحُ مرجّح؟ ولماذا؟ تتعددُ العواملُ التي تجعلُ من الاجتياحِ البرّيِّ الإسرائيليِّ لجنوبِ لبنان خيارًا مرجّحًا، بل و«حتميًا» في نظر البعض. ففشلُ الحلولِ الدبلوماسيةِ في إبعادِ حزبِ الله عن الحدودِ الإسرائيلية، والرغبةُ الإسرائيليةُ في استغلالِ «الزخم» بعد الاغتيالاتِ الكبرى (مثل اغتيالِ خامنئي)، والضغطُ الداخليُّ الإسرائيليُّ لإعادةِ سكانِ الشمال إلى منازلهم، كلُّها عواملُ تدفعُ باتجاهِ هذا السيناريو. كما أنّ التنسيقَ الأميركي – الإسرائيليَّ المفترضَ للقضاءِ على نفوذِ إيران في المنطقة قد يعطي إسرائيل الضوءَ الأخضرَ للمضيّ قدمًا في هذه العملية. يقفُ لبنان اليوم على مفترقِ طرقٍ تاريخيٍّ قد يغيّرُ وجهَه السياسيَّ والجغرافيَّ. فبين التهديداتِ الإسرائيليةِ المتصاعدة، والقرارِ الحكوميِّ الجريء بحظرِ نشاطِ حزبِ الله العسكري، والتداعياتِ الإقليميةِ والدولية، يبدو أنّ جنوبَ لبنان في عينِ العاصفة. إنّ فهمَ معاني وتداعياتِ أيِّ اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ، وتحليلَ مدى ترجيحِه، يتطلبُ نظرةً شاملةً للواقعِ العسكريِّ والسياسيِّ والإنسانيِّ المعقدِ في المنطقة. ويبقى السؤالُ الأهم: هل ستنجحُ الدبلوماسيةُ في نزعِ فتيلِ الأزمة، أم أنّ المنطقةَ على موعدٍ مع فصلٍ جديدٍ من الصراع؟
في ظلِّ التَّصعيدِ العسكريِّ المتواصلِ في المنطقةِ، والحربِ الدائرةِ حاليًّا بين إيران وخصومِها، عادَ إلى الواجهةِ سؤالٌ بالغُ الحساسيَّةِ في الأوساطِ السياسيَّةِ والاستراتيجيَّةِ: ماذا لو سقطَ النظامُ الإيرانيُّ تحت وطأةِ الضغوطِ العسكريَّةِ والاقتصاديَّةِ المتراكمة؟ فمع اتِّساعِ رقعةِ المواجهةِ وارتفاعِ منسوبِ التوتُّرِ الإقليميِّ، لم يعُدِ الحديثُ عن مستقبلِ النظامِ في طهران مجرَّدَ نقاشٍ نظريٍّ، بل سيناريو يُطرحُ بجدِّيَّةٍ في غرفِ القرارِ ومراكزِ الأبحاث. وإذ تُشكِّلُ إيران لاعبًا محوريًّا في معادلةِ الأمنِ والطاقةِ والصراعاتِ الممتدَّةِ من الخليجِ إلى شرقِ المتوسِّط، فإنَّ أيَّ اهتزازٍ كبيرٍ في بنيتِها السياسيَّةِ قد يُطلقُ سلسلةَ تحوُّلاتٍ دراماتيكيَّةٍ تُعيدُ رسمَ خريطةِ الشرقِ الأوسطِ بأكملِها. الداخلُ الإيراني سقوطُ أيِّ نظامٍ سياسيٍّ مركزيٍّ بحجمِ النظامِ الإيرانيِّ يفتحُ البابَ على عدَّةِ احتمالاتٍ داخليَّة، أبرزُها فراغُ السُّلطة. قد تشهدُ البلادُ مرحلةً انتقاليَّةً مضطربةً، خاصَّةً مع وجودِ مؤسَّساتٍ أمنيَّةٍ وعسكريَّةٍ قويَّةٍ مثل الحرسِ الثوريِّ. صراعُ أجنحةٍ، واحتمالُ تنافسٍ بين التياراتِ الإصلاحيَّةِ والمحافظة، وربَّما بين مراكزِ القوى داخل المؤسَّسةِ العسكريَّة. عودةُ التيارِ الملكيِّ أو المدنيِّ: بعضُ قوى المعارضةِ في الخارجِ تُراهنُ على انتقالٍ نحو نظامٍ مدنيٍّ أو حتّى إحياءٍ رمزيٍّ للتيارِ الملكيِّ، لكنَّ تحقيقَ ذلك على الأرضِ ليس مضمونًا. مخاطرُ التفكُّك: إيران دولةٌ متعدِّدةُ القوميَّات (فرس، أذريُّون، أكراد، عرب، بلوش)، وأيُّ ضعفٍ مركزيٍّ قد يُوقظُ نزعاتٍ انفصاليَّةً في الأطراف. السيناريو الأكثرُ ترجيحًا في المدى القصير ليس الاستقرارَ السريعَ، بل مرحلةُ سيولةٍ سياسيَّةٍ قد تطول. سقوطُ النظامِ الإيرانيِّ إن حدث لن يكونَ حدثًا داخليًّا عابرًا، بل زلزالًا جيوسياسيًّا يُعيدُ رسمَ ميزانِ القوى من مضيقِ هرمز إلى شرقِ المتوسِّط ماذا سيحدثُ للأذرع؟ تمتدُّ شبكةُ نفوذِ طهران عبر عدَّةِ ساحاتٍ، وسقوطُ النظامِ سيؤثِّرُ عليها بدرجاتٍ متفاوتة: لبنان: سيواجهُ حلفاءُ طهران، وعلى رأسِهم حزبُ الله، اختبارًا استراتيجيًّا صعبًا في التمويلِ والدعمِ السياسيِّ. سوريا: الوجودُ الإيرانيُّ العسكريُّ والاستشاريُّ تراجعُ حكمًا بسقوط النظام، ما يُغيِّرُ توازنَ القوى هناك. العراق: الفصائلُ المسلَّحةُ القريبةُ من طهران قد تدخلُ مرحلةَ إعادةِ تموضعٍ أو تنافسٍ داخليٍّ. اليمن: الدَّعمُ للحوثيِّين قد يتأثَّر، لكنَّ الجماعةَ طوَّرت قدراتٍ ذاتيَّةً تجعلُ تأثيرَ الانقطاعِ تدريجيًّا لا فوريًّا. نفوذُ إيران لن يختفي بين ليلةٍ وضُحاها، لكنَّه سيتعرَّضُ لاهتزازٍ عميق. الرابحُ الأكبر من منظورٍ استراتيجيٍّ، قد يُنظرُ في واشنطن وتل أبيب إلى سقوطِ النظامِ الإيرانيِّ كتحوُّلٍ تاريخيٍّ، لكنَّ الصورةَ ليست بهذه البساطة. تراجعُ البرنامجِ النوويِّ الإيرانيِّ أو إعادةُ التفاوضِ عليه، بالإضافةِ إلى إضعافِ شبكةِ الحلفاءِ المسلَّحينَ في المنطقة، وانخفاضُ مستوى التهديدِ الصاروخيِّ بعيدِ المدى. لكنَّ المخاطرَ أيضًا كبيرة: فوضى داخل إيران قد تُهدِّدُ أمنَ مضيقِ هرمز، وفقدانُ طرفٍ مركزيٍّ يمكنُ التفاوضُ معه، والأخطرُ احتمالُ صعودِ قوى أكثرَ تشدُّدًا بدلًا من النظامِ الحالي. المكسبُ ليس مضمونًا، وقد يتحوَّلُ إلى تحدٍّ أمنيٍّ معقَّد. أسواقُ النفطِ والطاقة إيران لاعبٌ مهمٌّ في سوقِ الطاقة، وأيُّ اضطرابٍ كبيرٍ فيها سينعكسُ فورًا على الأسعارِ العالميَّة. في سيناريوهاتِ الطاقةِ يمكنُ أن نشهدَ ارتفاعًا حادًّا في أسعارِ النفطِ إذا تعطَّل الإنتاجُ أو التصدير، واضطرابًا في الملاحةِ في مضيقِ هرمز الذي يمرُّ عبره نحو خُمسِ تجارةِ النفطِ العالميَّة. على المدى البعيد، قد تعودُ إيرانُ المنفتحةُ – إن ظهرت – بقوَّةٍ إلى السوقِ وتزيدُ المعروض. المدى القصير: صدمةٌ وارتفاعُ أسعار.المدى الطويل: يعتمدُ على شكلِ النظامِ الجديد. هل السقوطُ قريبٌ فعلًا؟ على الرغمِ من كثرةِ الحديث، يرى معظمُ الخبراءِ أنَّ النظامَ الإيرانيَّ ما زال يمتلكُ عناصرَ صمودٍ قويَّة، أبرزُها: جهازٌ أمنيٌّ وعسكريٌّ متماسك، خبرةٌ طويلةٌ في احتواءِ الاحتجاجات، شبكةُ تحالفاتٍ داخليَّة، واقتصادُ ظلٍّ يُخفِّفُ أثرَ العقوبات، ومعارضةٌ مشتَّتةٌ في الداخلِ والخارج. سقوطٌ مفاجئٌ وسريعٌ ليس السيناريو الأكثرَ ترجيحًا حاليًّا، لكنَّ الضغوطَ التراكميَّةَ تجعلُ سيناريو التغييرِ التدريجيِّ أو المفاجئِ مطروحًا على المدى الأبعد. سقوطُ النظامِ الإيرانيِّ، إن حدث، لن يكونَ مجرَّدَ تغييرٍ داخليٍّ، بل لحظةً مفصليَّةً قد تُعيدُ تشكيلَ ميزانِ القوى في الشرقِ الأوسطِ لعقودٍ. غيرَ أنَّ التاريخَ يُظهرُ أنَّ انهيارَ الأنظمةِ الكبرى نادرًا ما يُنتجُ انتقالًا سلسًا، وغالبًا ما يفتحُ أبوابَ مرحلةٍ ضبابيَّةٍ مليئةٍ بالمفاجآت. وبين مَن يُراهنُ على الانفراجِ ومَن يخشى الفوضى، يبقى السؤالُ مفتوحًا: هل يكونُ أيُّ تغييرٍ في طهران بدايةَ استقرارٍ جديد… أم شرارةً لمرحلةٍ أكثرَ اضطرابًا في الإقليم؟
لم يكن مقتل علي خامنئي حدثًا إيرانيًا صرفًا يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا الدولة وحدودها، بل زلزالًا في البنية الرمزية والسياسية لمحورٍ كاملٍ امتدّ من طهران إلى ضفاف المتوسط في بيروت، حيث يتجسّد هذا المحور بأوضح صوره عبر حزب الله، بدا الغياب أكثر من فراغٍ قيادي؛ بدا كأنه اختبارٌ قاسٍ لفكرة الاستمرارية نفسها: هل يستطيع التنظيم الذي بنى شرعيته على الولاء العقائدي للمرشد أن يتصرّف كفاعلٍ وطنيٍّ باردِ الحسابات، أم أنه محكومٌ بمنطق الثأر الرمزي الذي لا يقبل الصمت؟ معنى القتال في الأيام التي تلت الصدمة، انشغلت المنطقة بقراءة صمت الضاحية الجنوبية كما تُقرأ خرائط الزلازل: ليس ما يظهر هو الأهم، بل ما يُحتمل أن ينكسر تحت السطح. ذلك أن المساس برأس الهرم في العقيدة السياسية للحزب لا يوازي اغتيال قائدٍ عسكريٍّ أو استهداف بنيةٍ ميدانية؛ إنه مساسٌ بالمرجعية التي تمنح المعنى للقتال نفسه.ومع ذلك، لم يتدفّق الردّ كالسيل. بدا الحزب، على غير ما اعتادت عليه صورته، كمن يقف على حافة قرارٍ تاريخي، يزن فيه بين حدّين قاتلين: تآكل الردع إن سكت، وانفلات الحرب إن تكلّم بالنار. في زمن ما بعد المرشد، لم يعد الخطر قرارَ الحرب، بل سهولةَ الوصول إليها؛ بين شرارةٍ موضعية وانفجارٍ شامل يقف لبنان معلّقًا على حافة الردع المتكسّر على الحدود الجنوبية، حيث تُختبر عادةً نيات الأطراف قبل أن تُعلَن، يتكثّف الاحتمال الأكثر واقعية: حادثٌ أمنيٌّ محدود، بجهةٍ معلومة أو مبهمة، يُنتج الشرارة اللازمة لإعادة تثبيت المعادلات من دون إعلان حرب.هذا النمط، الذي يجمع بين الإنكار الممكن والتصعيد القابل للضبط، يمنح الحزب فرصة الردّ على المسّ الرمزي الذي أصابه، ويمنح إسرائيل هامش المبادرة التدريجية التي تتجنّب المجازفة الشاملة. في هذا الفضاء الرمادي، لا أحد يعترف بأنه بدأ، ولا أحد يستطيع التراجع من دون أن يخسر صورة الردع.ومع ذلك، فإن القراءة الأكثر قلقًا لا تكمن في نية أي طرفٍ للحرب، بل في قابلية المسار نفسه للانزلاق. إذ يكفي، في لحظات ما بعد الاغتيال الكبير، أن تُقرأ إشارةٌ استخبارية على أنها تعبئة، أو حركةٌ لوجستية على أنها استعدادٌ للهجوم، حتى تتقدّم الضربة الاستباقية خطوةً إلى الأمام. نافذة نادرة إسرائيل، التي ترى في ارتباك المركز الإيراني نافذةً نادرة لتقليص التهديد البنيوي الذي يمثّله الحزب، قد تجد في أي مؤشرٍ غير اعتيادي مبرّرًا لعملٍ أوسع من المعتاد. عندها يصبح الردّ من الطرف المقابل مسألة بقاءٍ لا خيارًا، ويغدو التصعيد التراكمي قدرًا لا قرارًا.ومع أن القدرة الصاروخية للحزب ما زالت كافية لإحداث أثرٍ ميدانيٍّ كبير إن اختار الضربة الواسعة، فإن حسابات الداخل اللبناني تكبح هذا الخيار. بلدٌ على حافة الانهيار الشامل لا يحتمل حربًا كلية، وتنظيمٌ يرى نفسه حاميًا لبيئته لا يستطيع تجاهل كلفة الدمار عليها. لذلك يبدو أن المسار الأرجح هو استمرار «حرب الظل» بوتيرةٍ أعلى: اغتيالاتٌ مركّزة، وردودٌ محسوبة، وحوادثُ حدودية تتدحرج ثم تُضبط عند العتبة. غير أن هذا التوازن، الذي يبدو للوهلة الأولى عقلانيًا، يخفي هشاشته؛ فكل جولةٍ تُبقي الشرعية المعنوية على قيد الحياة، لكنها تستنزف الواقع المادي للدولة اللبنانية التي لا تملك رفاهية هذا الصراع الطويل. في المعنى الأعمق، يقف لبنان اليوم عند مفترقٍ بين رمزية الثأر وواقعية البقاء. غياب خامنئي لا يفرض على الحزب الردّ فحسب؛ بل يفرض عليه أيضًا إعادة تعريف علاقته بنفسه: أهو ذراعُ محورٍ يُفترض أن يبرهن استمراريته بالنار، أم فاعلٌ لبنانيٌّ مضطرٌّ إلى مراعاة حدود الدولة التي يعيش فيها؟ ما لم يُحسم هذا السؤال، سيبقى الجنوب مسرحًا لاحتمالاتٍ صغيرةٍ قابلةٍ لأن تكبر، وسيبقى لبنان كلّه معلّقًا بين شرارةٍ موضعية وانفجارٍ شامل. في زمن ما بعد المرشد، لم يعد الخطر قرارَ الحرب، بل سهولةَ الوصول إليها.