كان العالم يظن أن لصوص العصر الحديث يحتاجون إلى مسدس وقناع وسيارة للهروب. ثم جاءت التكنولوجيا لتصحّح هذا التصوّر الساذج، لا حاجة إلى مسدس، ولا إلى قناع، ولا حتى إلى الخروج من غرفة النوم. يكفي حاسوب، وبعض المهارة، وباب إلكتروني نسي أحدهم أن يغلقه. وهكذا وجد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي نفسه أمام واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية في عصر الأمن الرقمي: المؤسسة التي تطارد القراصنة وتحقّق في الجرائم الإلكترونية، أصبحت هي نفسها هدفًا لهجوم أدى إلى سرقة بيانات موظفين وعملاء، فيما أعلنت مجموعة «شايني هانترز» أنها حصلت على نحو ثلاثة تيرابايتات من البيانات. ثلاثة تيرابايتات ليست مجرد «ملف كبير». إنها مدينة كاملة من المعلومات. والأكثر طرافة أن المدينة، بحسب ما أُعلن، خرجت من مؤسسة يُفترض أنها تعرف جيدًا كيف تمنع الآخرين من الدخول. اللص يسرق دفتر الشرطة المشكلة ليست في أن مؤسسة ما تعرّضت لاختراق؛ فالهجمات السيبرانية أصبحت جزءًا من واقع المؤسسات والدول والشركات. المشكلة السياسية والأمنية تكمن في المفارقة التي يحملها الحدث: ماذا يحدث عندما تصبح البيانات التي يُفترض أن تحمي أصحابها مادة جاهزة للتداول والابتزاز؟ البيانات المسروقة، بحسب ما عرضته المجموعة، شملت معلومات لآلاف العملاء وبيانات مرتبطة بموظفين حاليين وسابقين، كما ظهرت معلومات تخص مدير المكتب كاش باتيل. وفي المقابل، أقرّ الـ«إف بي آي» بوقوع اختراق وسرقة بيانات، لكنه قال إن مصدر الاختراق ما زال قيد التحقيق. أي إن الشرطة دخلت مرحلة التحقيق المعتادة، لكن هذه المرة كان عليها أن تبدأ التحقيق بالسؤال الذي لا يحب أي جهاز أمني أن يسمعه: من ترك الباب مفتوحًا؟ skip render: ucaddon_material_block_quote ثلاثة تيرابايتات من الإحراج في عالم الأمن التقليدي، كلما زادت الخزائن زادت الحماية. أما في العالم الرقمي، فقد يحدث العكس أحيانًا: كلما زادت البيانات، زادت قيمة المؤسسة بالنسبة إلى المهاجم. ثلاثة تيرابايتات تعني أن اللص الرقمي لا يحمل حقيبة على كتفه، بل يحمل شيئًا أخطر بكثير: نسخة من الذاكرة. وهنا تكمن المشكلة. يمكن تغيير قفل الباب بعد السرقة، لكن لا يمكن تغيير ذاكرة آلاف الأشخاص الذين أصبحت معلوماتهم خارج السيطرة. البيانات المسروقة لا تعود إلى الخادم بمجرد إغلاق الثغرة؛ لقد خرجت، وبدأت حياة جديدة في أماكن لا تعرف المؤسسة أين تقع. القرصان لا يحتاج إلى دبابة الحروب القديمة كانت تحتاج إلى جنود. الحروب الرقمية تحتاج إلى ثغرة. كان اقتحام مؤسسة أمنية يتطلب في الماضي شبكة من العملاء والوثائق المزورة والمركبات السرية. أما اليوم، فقد يستطيع شخص بعيد آلاف الكيلومترات أن يدخل إلى نظام معلوماتي، ينسخ ما يريد، ثم يترك خلفه سؤالًا محرجًا أكثر من أي قنبلة: كيف حدث ذلك؟ والأخطر أن البيانات يمكن أن تتحول إلى سلاح بعد سرقتها. ليست قيمتها في بيعها فقط، وإنما في استخدامها للضغط والابتزاز وكشف العلاقات ونقاط الضعف. وهنا تصبح المعلومة المسروقة أشبه برصاصة لا تحتاج إلى إطلاقها فورًا. يكفي أن يعرف صاحبها أنها موجودة. في الحرب الرقمية، ثغرة واحدة قد تكون أقوى من دبابة الأمن الذي يتحول إلى سلعة المفارقة الأكبر أن مجموعة القرصنة قالت إن الهجوم جاء ردًا على بيان نشره المكتب ضدها، وهددت بإتاحة البيانات في حال عدم إزالة ما اعتبرته معلومات مضللة. هكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى سوق غريبة: مؤسسة أمنية تنشر بيانًا، ومجموعة قرصنة ترد باختراق، ثم تلوّح بالبيانات كأنها فاتورة مستحقة الدفع. لم تعد المواجهة بين الدولة والقرصان مجرد مطاردة قانونية. إنها حرب على النفوذ، حيث يمكن للبيانات أن تصبح وسيلة للردع، والابتزاز، والتشهير، وحتى إعادة كتابة ميزان القوة. الذكاء الاصطناعي يدخل الحفلة والسؤال الذي يطل من خلف المشهد هو الذكاء الاصطناعي. لا توجد، في هذه الواقعة، أدلة منشورة تثبت أن الذكاء الاصطناعي كان أداة الاختراق، لكن مجرد طرح السؤال يكشف حجم التحول الذي يعيشه العالم. فالأداة التي تُستخدم لبناء أنظمة أكثر ذكاءً يمكن أن تُستخدم أيضًا لتسريع الهجوم عليها. وبذلك يصبح سباق التكنولوجيا غريبًا إلى حد العبث: نبني آلة لحماية النظام، ثم نبني آلة أخرى لمحاولة خداعها. انتهى زمن الخزائن المشكلة الحقيقية ليست في ثلاثة تيرابايتات، بل في الفكرة التي تقف خلفها. لقد انتهى زمن الخزائن الحديدية التي تستطيع الدولة أن تحصي مفاتيحها. اليوم توجد خزائن بلا أبواب، ومفاتيح بلا أقفال، وملفات تستطيع أن تعبر نصف العالم في ثوانٍ. ولذلك فإن الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني أن تمنع الآخرين من الدخول فقط، بل أن تفترض دائمًا أنهم سيحاولون الدخول، وأن تعرف ماذا سيحدث إذا نجحوا. فالقرصان لا يحتاج إلى احتلال المؤسسة. يكفيه أن يسرق ذاكرتها. skip render: ucaddon_box_testimonial
يبدو أن بلدية صيدا قرّرت أن تجعل من كل تفصيل يومي مناسبة جديدة لإحراج نفسها والمدينة معًا، في سلسلة من الممارسات التي بات من الصعب وصفها بالعثرات العابرة، بعدما تحوّلت إلى نمط متكرر من الرعونة وسوء الإدارة. آخر فصول هذه الملهاة، فاتورة غداء لوفد من «الضيوف» زار المدينة مؤخرًا، بعدما كانت البلدية قد تكفّلت بالدعوة، ثم قرّرت لاحقًا أن تتنصّل من الدفع بحجج واهية، تاركةً صاحب المطعم يلاحق مستحقاته، وصورة صيدا تتحمّل كلفة إحراج كان يمكن تفاديه ببساطة وبعدما طال انتظار الفاتورة، علمت «البوست» أن أحد رجال الأعمال الصيداويين المعروفين بالعمل في الشأن العام تدخّل ودفع المبلغ من ماله الخاص، نيابةً عن بلدية لم تجد حرجًا في أن يتكفّل مواطن بما كان يفترض أن يكون من أبسط التزاماتها الأكثر إثارة للاستغراب أن أكثر من 15 عضوًا من المجلس البلدي كانوا بين الحاضرين الـ63 الذين تناولوا الغداء، فيما البلدية نفسها هي الجهة الداعية، ومع ذلك لم يجد المجلس البلدي حرجاً في أن يدفع أحد بالنيابة عنه!
أحيانًا لا تكشف السينما ما يحدث في الحرب بقدر ما تكشف ما تخشاه السلطة من الحرب. وفي لحظة نادرة انقلبت فيها الشاشة إلى مرآة، لم يكن أكثر ما أثار الغضب في إسرائيل هو ما تقوله غزة، بل ما يقوله إسرائيليون عن غزة. في البندقية، وقف الجمهور نحو خمس وعشرين دقيقة مصفّقًا لفيلم «نازا»، قبل أن تمنحه لجنة التحكيم الخاصة جائزتها. وفي إسرائيل، لم يكن الرد تصفيقًا مضادًا، بل اتهامات بالخيانة وتهديدًا بسحب الجنسية من مخرجيه، يوفال أبراهام وراحيل تسور. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ماذا يحدث عندما تصبح الكاميرا أخطر من البندقية؟ دخول المنطقة المحرّمة «نازا» فيلم وثائقي إسرائيلي صُوِّر سرًّا خلال ثلاث سنوات، ويستند إلى شهادات 24 من الجنود والضباط والعناصر السابقين في المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. يتناول أنظمة الاستهداف وآليات اتخاذ القرار في الحرب على غزة، ويضع أمام المشاهد سؤالًا يتجاوز أرقام الضحايا: كيف يمكن أن تتحول حياة المدني إلى رقم محسوب مسبقًا داخل منظومة الحرب؟ حتى اسم الفيلم مستمد من مصطلح عسكري إسرائيلي يشير إلى الخسائر المدنية المتوقعة في الضربة. لكن قوة «نازا» لا تكمن فقط فيما يقوله، بل في مَن يقول. فالفيلم لا يأتي من خارج الصورة الإسرائيلية، بل من داخلها. إسرائيليون يتحدثون عن المؤسسة الإسرائيلية، وعن الحرب الإسرائيلية، وعن الثمن الذي دفعه الفلسطينيون تحت سماء غزة. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: إذا جاءت الشهادة من الداخل، فهل يصبح إنكارها دفاعًا عن الدولة، أم دفاعًا عن رواية الدولة؟ skip render: ucaddon_material_block_quote المواطنة امتحانًا للرواية بعد الجائزة، وصف وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار الفيلم بأنه «وضيع»، واتهم مخرجيه بالخيانة، وتحدث عن التحرك لسحب جنسيتهما. ثم تصاعدت المواجهة السياسية مع طرح تشريعات تستهدف، وفق الخطاب المعلن عنها، مَن يُتهم بتشويه سمعة الجنود الإسرائيليين، وصولًا إلى سحب الجنسية في حالات معينة. المسألة هنا تتجاوز وزيرًا غاضبًا وفيلمًا مثيرًا للجدل. إنها تمس السؤال القديم حول حدود السلطة على الحقيقة. فالرقابة تقول للمثقف: لا تعرض ما لا نريد رؤيته. أما التهديد بسحب الجنسية فيقول للمواطن: لم تعد واحدًا منا لأنك رأيت بلدك بعين مختلفة. وحين تصبح المواطنة مشروطة بحدود الرواية الرسمية، لا يعود السؤال: من أنت؟ بل: ماذا يُسمح لك أن تقول؟ الدولة التي تخشى ذاكرتها ليست أخطر وظيفة للفيلم أن يكشف جريمة، بل أن يمنع الجريمة من التحول إلى رواية منسية. الخبر يموت في دورة الأخبار، أما الفيلم فيبقى. يعيد الصورة أمام أجيال لم تكن حاضرة حين وقعت الأحداث، ويحفظ الشهادة من التلف، ويحوّلها إلى وثيقة، والوثيقة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال لا يمكن إغلاقه بقرار سياسي. ولهذا يصبح الصراع على «نازا» صراعًا على مَن يملك حق كتابة المستقبل: مَن يملك الطائرات والسلاح، أم مَن يملك القدرة على رواية ما فعلته تلك الطائرات؟ وثمة دلالة أخرى لا تقل أهمية. فـ«نازا» ليس الفيلم الذي فاز بالأوسكار؛ مخرجاه كانا ضمن فريق «لا أرض أخرى»، الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025. أما «نازا» فنال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عام 2026. أي إن الأمر ليس صوتين عابرين في هامش السينما الإسرائيلية، بل امتداد لمسار سينمائي يفتح الملفات التي تفضّل السلطة أن تبقى مغلقة. وهنا تكمن حساسية المشهد: العالم لم يشاهد فلسطين فقط من خلال عيون الفلسطينيين، بل شاهد إسرائيليين يروون ما يحدث للفلسطينيين، ثم صفق لهم. التصفيق تهمة في عالم طبيعي، تكون الجائزة مناسبة لمناقشة الفيلم. لكن حين تتحول الجائزة إلى قرينة اتهام، تنتقل المعركة من الشاشة إلى هوية صاحبها. قد تستطيع السلطة منع فيلم، وملاحقة مخرج، وتهديد صحافي، ومحاصرة صورة. لكنها لا تستطيع استدعاء جمهور البندقية إلى غرفة تحقيق. فالسينما لا تحتاج إلى جيش كي تعبر الحدود. يكفيها أن تجعل إنسانًا واحدًا يرى ما لم يكن يريد أن يراه. وربما لهذا كان «نازا» أكثر إزعاجًا من أي خطاب سياسي: لأنه لا يسأل العالم فقط ماذا حدث في غزة، بل يضع الإسرائيلي أمام سؤال أشد قسوة: ماذا فعلنا نحن؟ ذلك السؤال هو جوهر الحكاية. skip render: ucaddon_box_testimonial