لاحظت أوساطٌ صيداويةٌ متابعةٌ انكفاءَ إحدى كبرى الجمعيات الأهلية والاجتماعية في صيدا عن العمل الإغاثي للنازحين، على الرغم من الإمكانيات المالية الضخمة التي تتمتع بها، بحيث لم يُسجَّل لها أي حضور أو دور في مساندة المدينة وأهلها، كما النازحين، على تجاوز المعاناة التي يمرّون بها. وبحسب مطّلعين، فإن هذا الأمر جاء عن سابق تصميم من قبل رئيس الجمعية، كقرارٍ متخذ أبلغ للمعنيين بالأمر، إذ لا يريد أي رابط بينه وبين موضوع المقاومة والحرب الدائرة حالياً قد يؤثر لاحقًا على أعماله واستثماراته لاسيما خارج لبنان. تكريس لمفهوم “أن رأس المال جبان” مهما بلغ عِظمه، فلا قضية له ولا مبدأ.
مع إقرار قانون الإيجارات غير السكنية لعام 2025، والذي يطوي صفحة العقود القديمة ويفرض زيادات تدريجية وصولًا إلى تحريرها، ظنّ المالكون القدامى أن ساعة تصحيح الظلم المزمن قد حانت أخيرًا، ولو متأخرة. وكان يُفترض أن تكون أوقاف صيدا في طليعة المستفيدين من هذا التحول، بحكم امتلاكها عددًا واسعًا من العقارات الخاضعة منذ سنوات طويلة لنظام الإيجارات القديمة. لكن ما كان يفترض أن يتحول إلى فرصة جدية لتحسين واردات الأوقاف وأوضاعها المالية، يبدو اليوم مهددًا بأن ينقلب إلى خسارة جديدة، بفعل سوء التقدير والارتباك في إدارة الملف. وبحسب معلومات حصلت عليها “البوست” من مصادر متابعة، فإن القيمين على هذا الملف لم ينجحوا حتى الآن في تكريس آلية تقييم علمية وشفافة تضمن رفع الإيرادات بصورة عادلة، من دون الوقوع في شبهة الإجحاف بحق المستأجرين أو التفريط بحقوق الوقف. وهذا الخلل لا يهدد فقط بضياع فرصة مالية نادرة، بل يفتح الباب أيضًا أمام مزيد من الالتباس والاعتراضات والتساؤلات المشروعة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن لجنة من “أوقاف صيدا” يرأسها المفتي/مدير الأوقاف، عمدت إلى تعيين لجنة تضم خبيرًا لتقدير بدلات الإيجارات الجديدة، وذلك بعد استبعاد الخبير الذي كان مطروحًا سابقًا لهذه المهمة، وهو خبير يُشهد له بالعلم والاندفاع العملي الذي ينسجم مع متطلبات المرحلة. صحيح أن الخبير الجديد يحظى بسمعة صيداوية جيدة من حيث النزاهة والخبرة، إلا أن ضخامة هذا الملف وحساسيته، وموضوع العمر، وما يفترض أن يحكمه من معايير الشفافية والعدالة والالتزام بالأصول القانونية، تفرض مقاربة أكثر توازنًا واحترافًا، تقوم على الاستعانة بأكثر من خبير، لا على حصر الملف بتقدير واحد، مهما كانت صفات صاحبه. فملف بهذا الحجم لا يُدار بمنطق الحد الأدنى من المعالجة. الأكثر إثارة للتساؤل، وفق المعلومات نفسها، أن المستوجبات المالية التي طلبها الخبير الجديد تبلغ ثلاثة أضعاف ما كان متفقًا عليه مع الخبير الذي جرى استبعاده. وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي تستوجب توضيحًا مسؤولًا: لماذا جرى هذا التبديل؟ وما المبرر المالي والإداري والقانوني الذي يفسّر القفزة في الكلفة؟ ولأن الحديث هنا لا يدور حول أملاك عادية، بل حول أوقاف تعود إلى أجداد بذلوا الغالي والنفيس نصرةً للدين وخدمةً للفقراء والمحتاجين، فإن التعامل مع هذا الملف لا يجوز أن يبقى أسير الارتجال أو الحسابات الضيقة. وفي هذا الإطار، حاولت “البوست” التواصل مع المفتي سليم سوسان للوقوف على رأيه فيما يثار صيداويا حول الموضوع، لكن ذلك لم يُكتب له النجاح! لذا المطلوب فورا، إدارة على مستوى المسؤولية، وحرفية على مستوى الأمانة، وشفافية تُطمئن الناس إلى أن حقوق الوقف لن تُهدر، وأن كل ذي حق سيحصل على حقه كاملًا، بلا استنسابية ولا تخبّط ولا تسويات ملتبسة.
لم يَعُدِ السؤالُ في الحروب الحديثة: ماذا تُخفي؟ بل: ما الذي تتركه خلفك من دون أن تُدرك؟ في زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّات على الحدس البشري، لم تعد السرّيةُ مسألةَ إخفاءٍ مُحكَم، بل إدارةَ آثارٍ لا يمكن محوُها بالكامل المنشآتُ العسكريّةُ تحت الأرض، التي مثّلت لعقودٍ ذروةَ التحصينِ الاستراتيجي، بدأت تفقد ميزتَها الأساسيّة: القدرةَ على الاختفاء. ليس لأنّ العيونَ في السماء أصبحت ترى أعمق، بل لأنّ العقولَ الاصطناعيّةَ تعلّمت كيف تُفكّك المشهد، وكيف تربط بين تفاصيلَ صغيرةٍ لتبنيَ منها صورةً كاملة. العمق الذي يتحوّل عبئًا قامت فلسفةُ التحصينِ العميق على فكرةٍ بسيطة: كلّما ابتعدتَ عن السطح، اقتربتَ من الأمان. داخل الجبال، حيث الصمتُ والكتلةُ الصخريّةُ الهائلة، وُلدت منظوماتٌ كاملةٌ من الأنفاقِ والمنشآتِ المصمَّمة لتنجوَ من أيّ ضربة. لكنّ العمق، على قسوته، لا يمحو الأثر. فكلُّ نشاطٍ بشري، مهما كان معزولًا، يترك بصمتَه. ومع تطوّر أدواتِ التحليل، لم يَعُدِ العمقُ يحجب الحقيقة، بل يؤخّر ظهورَها فقط. في قلبِ أيِّ منشأةٍ نشطةٍ تحت الأرض، هناك طاقةٌ تُستهلك، وهواءٌ يُضخّ، وآلاتٌ تعمل بلا توقّف. هذه الدورةُ المستمرّةُ تولّد حرارة، والحرارةُ بطبيعتها لا تُحبّ الأسر. تتسلّل عبر طبقاتِ الصخور، ببطءٍ ولكن بثبات، حتى تصل إلى السطح كإشارةٍ ضعيفة، لكنّها عنيدة. ما تغيّر ليس وجودَ هذه الإشارة، بل القدرةَ على قراءتها. الخوارزميّاتُ الحديثة لا تكتفي بلقطةٍ حراريّةٍ عابرة، بل تبني تاريخًا زمنيًّا كاملًا، تُقارن، وتُحلّل، وتبحث عن الاستثناء داخل النمط. وعندما تظهر بقعةٌ دافئةٌ في منطقةٍ يُفترض أن تكون باردةً تمامًا، فإنّ الصمتَ الحراريّ يتحوّل إلى اعترافٍ غير مباشرٍ بوجودِ ما تحت السطح. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليل البصمات أو إعادة تشكيلها؛ فالأرض نفسها لم تعد حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءته اتصالاتٌ تهمس في الفراغ إذا كانت الحرارةُ تكشف الأثرَ الفيزيائي، فإنّ الاتصالاتَ تكشف الإيقاعَ الداخليّ للحياة. لا يمكن لأيّ منشأة، مهما بلغت درجةُ عزلها، أن تعمل في فراغٍ تام. هناك دائمًا بياناتٌ تتحرّك، وأوامرُ تُنقل، وإشاراتٌ تعبر الفضاء. في الأماكنِ النائية، حيث يغيب الضجيجُ البشري، تصبح أبسطُ إشارةٍ حدثًا غير عادي. الخوارزميّاتُ لا تحتاج إلى فهمِ مضمون الاتصال، بل تُراقب سلوكَه: تكرارَه، وتوقيتَه، وتمركزَه. وحين يتكرّر النمطُ في نقطةٍ معزولة، يصبح الصمتُ نفسه دليلًا، ويغدو الفراغُ مسرحًا لإشاراتٍ لا يمكن تجاهلُها. الجيولوجيا… الذاكرةُ التي لا تنسى لكنّ أكثرَ ما يغيّر قواعدَ اللعبة هو أنّ الأرضَ نفسها أصبحت جزءًا من التحقيق. فاختيارُ موقعٍ تحت الأرض ليس قرارًا عشوائيًّا؛ إنّه رهينٌ بطبيعةِ الصخور، وبمرونتِها، وبقدرتِها على التحمّل. غير أنّ الحفر، مهما كان دقيقًا، يعيد تشكيلَ ما حوله. تتحرّك الكتلةُ الصخريّة، وتتغيّر أنماطُ تصريفِ المياه، وتظهر فروقاتٌ دقيقةٌ في سطح الأرض، وربّما يتبدّل الغطاءُ النباتيّ بشكلٍ خافت. هذه التغيّراتُ لا تُرى بالعين، لكنّها تُلتقط عبر الزمن. الخوارزميّاتُ تقرأ هذه التحوّلات كما تُقرأ المخطوطاتُ القديمة، حرفًا حرفًا، وطبقةً فوق طبقة. وفي بعض الحالات، تصبح الأرضُ نفسها جهازَ استشعار، حيث تُفسَّر الاهتزازاتُ الدقيقةُ على أنّها أثرٌ لنشاطٍ داخليٍّ لا يُرى. الخوارزميات التي تسمع همس الأرض عالمٌ بلا أعماقٍ آمنة كلُّ إشارةٍ بمفردها قد تبدو قابلةً للتأويل: حرارةٌ هنا، وإشارةٌ هناك، وتغيّرٌ طفيفٌ في التضاريس. لكن حين تتقاطع هذه الخيوط، تختفي المساحةُ الرماديّة. ما كان احتمالًا يصبح نمطًا، وما كان نمطًا يتحوّل إلى استنتاج. القوّةُ الحقيقيّةُ تكمن في هذا الدمج، في تحويلِ التفاصيلِ الصغيرة إلى قصّةٍ كاملة. لم يَعُدِ الكشفُ يعتمد على دليلٍ واحدٍ حاسم، بل على تراكمِ قرائنَ لا يمكن تجاهلُها مجتمعةً. ما يتكشّف اليوم يتجاوز مسألةَ منشآتٍ بعينها. نحن أمام تحوّلٍ في جوهرِ التفكيرِ العسكري. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليلِ البصمات أو إعادةِ تشكيلها. لم تَعُدِ الجبالُ حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءتُه. في هذا العالم، تصبح الأرضُ شفّافةً لمن يعرف كيف يسألُها. وتتحوّل الحربُ إلى معركةِ تفسير: من يقرأ الإشاراتِ أوّلًا، ومن ينجح في تضليلِ قراءتِها. لم تَعُدِ المواجهةُ بين من يرى ومن يختبئ، بل بين من يفهم ومن يترك أثرًا. التحدّي لم يَعُد بناءَ منشأةٍ لا تُرى، بل بناءَ واقعٍ لا يمكن تفكيكُه. وفي زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّاتُ على الحدس، قد لا يكون السؤال: أين تُخفي قوّتَك؟ بل: هل تستطيع إقناعَ من يقرأ الأرض… أنّك لم تترك شيئًا خلفك؟