skip render: ucaddon_box_testimonial هنا تستطيع الأمم المتحدة أن تصوغ الحزن بأكثر اللغات أناقة، لكنها تواجه السؤال الأصعب حين يصبح المطلوب ليس وصف الجريمة، بل إيقافها. تنعقد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة تحت شعار «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تنجز للجميع»، وكأن المؤسسة تدرك أن أزمتها لم تعد أزمة صورة، بل أزمة قدرة على إقناع العالم بأن القانون الدولي قادر فعلًا على حماية الإنسان. فلسطين.. الاختبار الذي لا يمكن إخفاؤه ولعل فلسطين هي الاختبار الأكثر قسوة لهذه الأزمة. فهي حاضرة في جدول الأعمال والخطب والبيانات، وفي مفردات السلام والقانون الدولي، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود هذا النظام الدولي. فقد رفضت الولايات المتحدة، للسنة الثانية، منح محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة حضوريًا في الجمعية العامة، قبل أن تصوّت الجمعية بأغلبية ساحقة للسماح له بإلقاء كلمة مسجلة. وهنا تنكشف الصفعة الحقيقية: المؤسسة التي يُفترض أن تكون فضاءً دوليًا جامعًا، يستطيع أحد أقوى أعضائها أن يفرض على رئيس وفد دولة مراقب غير عضو أن يتحدث عبر شاشة بدلًا من أن يقف في القاعة نفسها. ليست القضية في شكل الخطاب وحده، بل في المعنى الذي يحمله المشهد: حتى حق الضحية في أن تتحدث يمكن أن يصبح خاضعًا لموازين القوة. قانون قوي أمام الضعفاء؟ ما قيمة القرارات إذا كان تنفيذها يتغير عندما تقترب من مصالح الأقوياء؟ وما معنى الحديث عن حماية المدنيين إذا كان المدني يستطيع الحصول على التعاطف الدولي، لكنه لا يحصل بالضرورة على الحماية الدولية؟ الأمم المتحدة لا تعاني نقصًا في النصوص. لديها الميثاق، والقرارات، واللجان، وآليات التحقيق، والمحاكم، والبيانات، والتحذيرات، والمؤتمرات. ما ينقصها هو الحلقة التي تفصل بين إعلان المبدأ وتحويله إلى واقع: القدرة على الفعل. غزة كشفت هذه الهوة بلا رحمة. العالم يرى، ويسمع، ويوثّق، ويناقش، ويدين، ويحذّر، ويطالب، ثم يعود إلى النقطة نفسها. تتحول الكارثة إلى ملف، والملف إلى اجتماع، والاجتماع إلى بيان، والبيان إلى أرشيف، بينما تستمر المأساة خارج قاعات المؤتمرات. مسرح كبير.. وسلطة غائبة المشكلة ليست أن الأمم المتحدة تصنع الحروب، بل أنها تكشف عجز النظام الدولي عندما تصطدم المبادئ بمصالح القوة. عندها يصبح القانون بحاجة إلى توافق، والتوافق بحاجة إلى وقت، والوقت بالنسبة إلى الضحية ليس زمنًا محايدًا؛ فالوقت قد يكون موتًا. لهذا، لا يكفي أن تستعيد الأمم المتحدة ثقة العالم بالكلمات. فالثقة لا تُطلب، بل تُكتسب بالقرارات والالتزامات والنتائج الملموسة. وهذا هو جوهر الأزمة: العالم لا يحتاج إلى مؤسسة تتقن وصف الحرائق، بل إلى مؤسسة تستطيع أن تفعل شيئًا عندما تشتعل. السؤال الذي يطارد القاعة لقد آن الأوان للتوقف عن السؤال: ماذا قالت الأمم المتحدة؟ السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا فعلت؟ فالعالم لا يموت من نقص البيانات، والضحايا لا ينقصهم التعاطف، والتاريخ لن يتذكر عدد الخطب التي أُلقيت بقدر ما سيتذكر عدد الأرواح التي عجز النظام الدولي عن حمايتها. فالأمم المتحدة التي لا تستطيع تحويل القانون إلى حماية ستظل مسرحًا هائلًا للعالم؛ قاعته ممتلئة بالكلمات، لكن سلطته غائبة حين يحتاجها الضحايا.
بعد أن ابتعدت الكاميرات، وانطفأت الشاشات، وغابت الهواتف والميكروفونات، ظهر السؤال الذي لم يجد له أحد جوابًا حتى اليوم: من سيدفع فاتورة الغداء؟ فقد علمت «البوست» من مصادر محلية مطلعة أن فضيحة إدارية وأخلاقية جديدة تلاحق أداء بلدية صيدا، بعدما بقيت فاتورة غداء أكثر من 80 شخصًا معلّقة، رغم أن البلدية كانت قد تكفلت بتغطية تكاليفها خلال زيارة وفد حلّ ضيفًا على المدينة قبل نحو أسبوعين. المشهد كان مكتملًا يومها: استقبال، ابتسامات، صور، جولة في المدينة القديمة، أحاديث عن عبق التاريخ وحسن الضيافة… ثم عاد الجميع إلى منازلهم، الجميع تقريبًا، أما صاحب المطعم الصيداوي، فبقي أمام فاتورته ينتظر. وبحسب المعلومات، تجاوزت قيمة الحساب 3000 دولار أميركي، فيما لم يتقاضَ حتى الآن سوى نحو 1000 دولار فقط. القصة، في ظاهرها، فاتورة مطعم. لكنها في جوهرها تكشف مرة أخرى حجم الارتباك في إدارة أبسط التفاصيل داخل هذه البلدية. فملف لا يحتاج أكثر من قرار واضح وتسديد حساب تحوّل، بفعل المناكفات الداخلية وسوء التنسيق، إلى مشكلة جديدة تضاف إلى سجل بلدية تعاني أصلًا من أزمات أكبر بكثير.
skip render: ucaddon_box_testimonial هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للرأسمالية الرقمية. فالخوارزمية ليست آلة بريئة تقف خارج المجتمع، ولا مجرد أداة تساعد الصحفي على الوصول إلى جمهوره. إنها جزء من بنية اقتصادية جديدة أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والسوق والإنسان. لم تعد الأخبار وحدها قابلة للتحويل إلى قيمة، فقد دخل الوقت البشري، والسلوك، والبيانات، والتفاعل في دورة إنتاج اقتصادية واسعة. الاقتصاد الخفي كان ماركس يتحدث عن العامل الذي يبيع قوة عمله في المصنع. أما اليوم، فقد انتقل المصنع إلى جيوبنا وشاشاتنا. نحن ننتج البيانات ونحن نقرأ، ونكشف عاداتنا ونحن نظن أننا نستهلك. كل نقرة، وكل إعجاب، وكل توقف أمام صورة، وكل ثانية إضافية أمام فيديو، تدخل في اقتصاد خفي يحوّل السلوك الإنساني إلى مورد قابل للاستخراج. هنا يظهر فائض القيمة في ثوبه الرقمي. الصحفي ينتج القصة، والمؤسسة تنتج المحتوى، والجمهور ينتج التفاعل والبيانات، والمنصة تملك البنية التي تجمع كل ذلك وتحوله إلى قيمة اقتصادية. لكن القيمة لا تتوقف عند أجر الصحفي أو ثمن الإعلان؛ إنها تمتد إلى منظومة كاملة تستثمر في الوقت البشري وتعيد توزيعه وفق منطق السوق. ولنأخذ مشهدًا بسيطًا من غرفة أخبار افتراضية. يعمل صحفي لأسابيع على تحقيق حول تلوث مياه منطقة فقيرة. يجمع الوثائق، ويقابل السكان، ويراجع التقارير، ويتتبع مسؤولية الشركات والجهات الرسمية. ينشر التحقيق بعنوان هادئ ودقيق، لأن القضية معقدة ولا تحتمل الإثارة. في اليوم نفسه، تنشر المنصة خبرًا قصيرًا عن فضيحة أحد المشاهير، بعنوان صادم وصورة جذابة. بعد ساعات، يحصد الخبر الخفيف مئات الآلاف من المشاهدات، بينما يبقى التحقيق الذي قد يؤثر في حياة آلاف الناس في الهامش. ماذا يحدث بعد ذلك؟ لا تحتاج إدارة التحرير إلى إصدار أمر مباشر. تكفي الأرقام. يبدأ الصحفي، في المرة التالية، بالتفكير في العنوان، ثم الصورة، ثم طول النص، ثم الكلمات التي يبحث عنها الجمهور. وبعد فترة، يتغير السؤال من: «ما القضية التي تستحق التحقيق؟» إلى: «ما القضية التي يمكن أن تحقق انتشارًا؟» الاغتراب الفكري هنا لا تكون الخوارزمية قد منعت التحقيق. لقد فعلت شيئًا أكثر عمقًا: غيّرت شروط إنتاجه قبل أن يُكتب. وهنا يبدأ الاغتراب. فالصحفي ينتج المادة، لكنه لا يملك مصيرها. يكتب القصة، لكن الخوارزمية تحدد مدى رؤيتها. ينتج المعرفة، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى تعديلها كي تتوافق مع شروط المنصة. ومع الوقت، لا يعود يكتب فقط عما يراه مهمًّا، بل عما يعرف مسبقًا أن النظام سيكافئه. وهذه هي القوة الأكثر نعومة في الهيمنة: ألا تحتاج إلى إجبارك على الطاعة، بل أن تجعلك تتعلم قواعدها بنفسك. إنها هيمنة لا ترتدي الزي الرسمي للسلطة. لا تصدر مرسومًا ولا ترفع عصًا. إنها تعمل من خلال الحوافز والأرقام والترتيب والظهور والاختفاء. تمنحك مكافأة حين تقترب من منطقها، وتحرمك من الجمهور حين تبتعد عنه. الفوقية الرقمية بذلك تتحول الخوارزمية إلى جزء من الفوقية التي تعيد إنتاج البنية الاقتصادية داخل الوعي والثقافة والإعلام. فالمنصة لا تكتفي بتوزيع الأخبار، إنها تشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد ما يراه المجتمع، وما يختفي عنه، وما يصبح موضوعًا عامًا وما يبقى هامشيًّا. وهنا يبلغ التشيؤ ذروته. القصة تصبح رقمًا، والقارئ يصبح بيانات، والصحفي يصبح «منتج محتوى»، والجمهور يتحول إلى مؤشرات أداء. يتحول الإنسان من غاية للمعرفة إلى مادة في دورة إنتاجها. ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليضع السؤال أمام الصحافة بصورة أكثر قسوة. فالتحقيق الذي يستغرق أسابيع من العمل، والمقابلات التي تحتاج إلى وقت، والوثائق التي يجمعها الصحفي، والمعرفة التي تراكمها غرف الأخبار، يمكن أن تتحول كلها إلى مادة خام لأنظمة قادرة على إعادة تركيبها في إجابات سريعة. لم يعد الأمر متعلقًا باستغلال قوة العمل وحدها، بل باستخراج القيمة من التراكم المعرفي للمجتمع كله. ومع ذلك، ليست المشكلة في الآلة. المشكلة في علاقات القوة التي تحكم الآلة. السؤال الحقيقي ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟ بل: من يملك البنية التحتية التي ستحدد كيف تُنتج المعرفة، وكيف تُوزع، ومن يحصل على القيمة الناتجة عنها؟ فالخوارزمية تستطيع أن تعرف ما يجذب الجمهور، لكنها لا تستطيع أن تجعل الجذب معيارًا للحقيقة. تستطيع أن تتنبأ بما سنشاهده، لكنها لا تملك بالضرورة إجابة عن السؤال الأصعب: ما الذي يحتاج المجتمع إلى معرفته، حتى لو لم يرغب في مشاهدته؟ مصنع للنقرات هنا تستعيد الصحافة معناها. فالصحافة ليست مصنعًا للنقرات، ولا مزرعة للبيانات، ولا آلة لإبقاء العين معلّقة بالشاشة. إنها صراع على الحقيقة والذاكرة والمعنى. لذلك، فإن المعركة المقبلة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين منطق السوق ومنطق المعرفة؛ بين صحافة تُقاس بقيمة ما تكشفه، ومنظومة تقيسها بقيمة ما تستطيع تحويله إلى عائد. لقد تغير المصنع، وتغير العامل، وتغيرت السلعة. لكن السؤال الماركسي القديم بقي في مكانه، أكثر توهجًا من أي وقت مضى: من يملك أدوات إنتاج المعرفة، يملك جزءًا من أدوات إنتاج الوعي. وفي عصر الخوارزميات، لم تعد المعركة على الخبر وحده. إنها معركة على من يملك حق تحديد ما يستحق أن يظهر، وما يمكن أن يختفي، وما الذي يدخل إلى الوعي العام وما الذي يبقى خارجه. ومن يملك هذه القدرة، لا يملك شاشة العرض فقط؛ بل يقترب من امتلاك بوابة الوعي نفسه.