ليس أحمد قعبور أقلَّ شأنًا، من حيث الأثر الرمزي والوجداني، من المدرسة الرحبانية التي طالما قيل إنّها أعطت لبنان هويته الجبلية والقروية المسيحية، وصاغت صورته في الوجدان العربي من خلال الضيعة والجبل والبيت اللبناني القديم، بل حتى من خلال نكهة اللهجة الفيروزية نفسها، في مثل: “ألو – كحلون؟” أو “طلِّيت عَحيٍّ لِنا”، حيث تصبح العبارة اللبنانية، في بساطتها وخصوصيتها، حاملةً لعالمٍ كامل من الذوق والهوية والصورة. غير أنّ قعبور، على تواضع إنتاجه الفني لأسبابٍ أهمها -في رأيي- عدم الاكتراث الإسلامي بهذا المجال، فلم تستثمر فيه سوى الحريرية لفترةٍ قصيرة من الزمن، وأنتج خلالها روائع قصيرة، إنما تصبّ في خانة السياسة والترويج الانتخابي أو التعبوي الشعبي، وقد كان -على بساطته- راسخًا، لم يبرح ذاكرتنا حتى اليوم، رغم أنّ “البلد لم يعد ماشي، ولا الشغل ماشي، بس الحكي ماشي…” لبنان المدينة فقد منحنا وجهًا آخر للبنان، وجهًا أغفلته الرحبانية في الأغلب، أو لم يكن في صلب مشروعها الرمزي، وهو لبنان المدينة، ولبنان المدني، ولبنان الذي تتجسّد روحه في بيروت أكثر مما تتجسّد في الجبل. فأغنية طفولتنا التي تتغزّل ببيروت، وتجعل منها صندوق الفرجة ومصدر الفرحة للدنيا، والعروس التي تلبس الطرحة، يقف على بابها رمضان ويمرّ على جنباتها العيد، تضعنا أمام لبنان آخر، غير ذلك المعلّق فقط على صورة القرية والبيت الأول والنسيم الجبلي، بل أمام لبنان المدينة التي لها شاعريتها الخاصة، ودفؤها الخاص، وذاكرتها الخاصة، ونكهتها الإسلامية المدنية الحميمة… كلما قرأنا عنه أو سمعنا ذِكره، نرى أنّ اسمه مرتبطٌ بالهدوء والرقي والسلام والصدق، إلى جانب روعته الفنية الفريدة، ولكن قعبور لم يكن جميلًا في أخلاقه أو صوته أو مسلكه فقط، بل كان كبيرًا أيضًا في نوع الهوية التي التقطها فنيًا وأعطاها شرعية الذاكرة. لقد التقط بيروت التي لم تُغنَّ بما يكفي؛ بيروت التي ليست نقيض الجنوب والجبل ولا بديلًا عنهما، وليست نقيض القرية ولا خروجًا عليها، بل هي ذلك المكان الذي يلجأ إليه “كلّ الناس” حين تضيق القرى والبلدات، وتقسو فيها الحياة اليومية. وطنٌ بالغناء ومن هنا، فإنّ الحديث عن قعبور لا ينبغي أن يبقى حديثًا عن فنانٍ ذي موقف، أو عن صاحب صوتٍ ناعم قريب من الناس، أو حتى عن صاحب أعمال مقاومة وسياسية راسخة في الوجدان. كلّ ذلك صحيح، لكنه لا يبلغ جوهر المسألة. الجوهر عندي أنّه كان واحدًا من أولئك الذين حاولوا، بوعيٍ أو بحدسٍ فني عميق، أن يبنوا وطنًا بالغناء. لا وطنًا أيديولوجيًا، ولا وطنًا شعاراتيًا، بل وطنًا له ملمس العيش، وله لون الشارع وإيقاع الأعياد، وله قدرة على أن يضمّ المختلفين في صورة مشتركة من غير أن يمحو اختلافهم، فهو “يغنّي للناس” ويقول لهم بهدوئه المعهود إنّ “شوارع المدينة مش لحدا”، لأنّ “شوارع المدينة لكلّ الناس”. وهنا يصبح الربط بينه وبين فكرة الوطن بوصفه قابليةً للاجتماع ربطًا طبيعيًا لا متكلّفًا. فقد تعبنا من الأسئلة اللبنانية التي ما انفكّت تُطرح دون إجابات نافعة أو ناجعة:من هو الأحقّ بهذا البلد؟من كان وجوده هو الأسبق؟من يملك الرواية التاريخية الأصحّ؟ولكن السؤال الأهم بالفعل: هل هذه الجماعات قابلة أصلًا للاجتماع؟ هل تستطيع أن تبقى جماعات مختلفة، بذاكراتها وحساسياتها وخصوصياتها، ثم ترى نفسها مع ذلك جزءًا من وطن واحد؟ أم أنّها، عند كلّ محنة كبرى، تعود فورًا إلى حدودها النفسية الأولى، وإلى خوفها الخاص، وإلى لغتها الخاصة، وإلى تعريفها الخاص للنجاة والخطر؟ إنّ المشكلة في لبنان ليست ببساطة في وجود التعدد، بل في أنّ هذا التعدد لم يتحوّل بعد، على نحوٍ راسخ، إلى تعددٍ قابلٍ للاجتماع. الاجتماع والذوبان فالاجتماع هنا لا يعني الذوبان، ولا يعني إلغاء الطوائف، ولا يعني محو الخصوصيات، ولا يعني فرض ذاكرة واحدة على الجميع. الوطن لا يُشترط فيه أن ينتج سردية موحّدة، ولا أن يحمل الناس القراءة نفسها للماضي، ولا أن يتخلّوا عن حساسياتهم الدينية والثقافية حتى يكونوا جزءًا منه. الذي يحتاج إليه الوطن، في مستوى أعمق، هو شيء آخر تمامًا: أن تكون جماعاته قابلةً للاجتماع، وأن ترى في الاجتماع صورةً ممكنةً من صور وجودها، لا مجرد تسوية مؤقتة أو ضرورة مفروضة. وهذا بالضبط ما ظلّ ناقصًا في لبنان، وما تكشفه الحروب كلّ مرة من جديد. لأنّ الحرب لا تفضح فقط ضعف الدولة، ولا عجز الاقتصاد، ولا اختلال التوازنات، بل تفضح أيضًا مقدار التباعد الكامن بين الجماعات، في اللغة، وفي توزيع التعاطف، وفي قراءة الألم، وفي حدود الخوف، وفي الطريقة التي يترقّب بها كلّ طرف الآخر. لقد أراد قعبور أن يبني وطنًا بالغناء، لكن رحيله جاء ليكشف أنّ هذا الوطن ما يزال ناقص التحقّق. فقد غنّى بيروت ملاذًا للناس، فيما أعادت الحرب إظهار هشاشة الاجتماع بينهم، وكشفت أنّ التعايش اليومي لا يرقى بالضرورة إلى قابلية راسخة للاجتماع ساعة الخوف والاقتلاع. من هنا، فإنّ خسارته اليوم لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها خسارة فنان كبير، وإن كان كذلك بلا جدال، بل بوصفها خسارة واحد من الأصوات النادرة التي أعطت أحد أهم منازل كمال الصليبي الكثيرة صورةً لا تقوم على الاستعراض، بل على الإيحاء العميق بأنّ هذه المنازل الكثيرة يمكن أن تكون بيتًا واحدًا. بيتًا للفرحة والطرحة، وبيتًا للجوء، وبيتًا للعيد، وبيتًا للناس. لكن الحرب، ساعة موته، أعادت إلينا الحقيقة التي يصعب الهروب منها. إنّ هذا البيت، على جماله، ما يزال مهددًا من داخله بقدر ما هو مهدد من خارجه، لأنّ الجماعات التي تسكنه لم تصبح بعد، على نحوٍ راسخ، جماعات قابلةً للاجتماع… لم تكن صديقتنا الفلسطينية “لينا” هي الوحيدة التي لم تستطع أن تبني غدها، فالحاج محمد اللبناني “ما تهنّى” في حيّ السلم، وكذلك البنت الصغيرة التي نسيت شالها على التلة في كفرمتى… لم يُغنَّ لها “تتنام”، ولا شجرة الرمان الوحيدة في حرش المنارة وجدت من يسقيها… حرام. *أستاذ محاضر في جامعة “جورج تاون” – قطر
لم يعد خافيًا على أحدٍ أنَّ لبنان يقف أمام مرحلةٍ شديدة الخطورة، قد تحمل في طيّاتها سيناريوهاتٍ قاتمةً تهدّد الكيان اللبناني، دولةً وشعبًا. وفي مقدّمة هذه السيناريوهات، ما يشهده الجنوب من حشدٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ يثير مخاوف جدّية من عمليّةٍ برّيةٍ واسعة، قد يكون هدفها، في حدّه الأدنى، فرض واقعٍ جديدٍ في منطقة جنوب الليطاني، وتحويلها إلى شريطٍ عازلٍ يمهّد لوجودٍ إسرائيليٍّ طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية. غير أنَّ الأخطر من هذا التهديد الخارجي لا يكمن فقط في احتمالات العدوان، بل أيضًا في هشاشة الداخل اللبناني وعجز الدولة عن امتلاك قرارها السيادي الكامل. فحين يُنتزع منها قرار الحرب والسلم، تصبح قدرتها على المبادرة محدودة، ويغدو حتى خيار التفاوض محاصرًا بالتجاذبات والانقسامات وفقدان الشرعية الوطنية الجامعة. وبعد 106 أعوام على إعلان الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا اليوم: هل يقف لبنان على أعتاب لحظة تاريخية معاكسة، تتآكل فيها الحدود المعلنة للدولة، وتتعمّق معها أزمة ديموغرافية وسياسية قد ترسم ملامح “لبنان الصغير” من جديد؟ لبنان لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولن يسقط بقرارٍ واحد، شرط أن يقرّر أبناؤه أن يكونوا دولةً قبل أن يكونوا طوائف أمام هذا المشهد، لا بدّ من مقاربةٍ بعيدةٍ عن الشعبوية والانفعال. فخيار المواجهة العسكرية المفتوحة لن يقود اللبنانيين إلا إلى مزيدٍ من الخراب والدمار. وفي المقابل، فإن الاستسلام للأمر الواقع ليس خيارًا مقبولًا لدولةٍ تريد البقاء. بين هذين النقيضين، يبرز مسارٌ ثالث، لا هو حربٌ عبثيةٌ تأكل الأخضر واليابس، ولا هو استسلامٌ مُذِلٌّ يُسقط ما تبقّى من هيبة الدولة ومعنى الوطن. هذا المسار ليس وهمًا رومانسيًّا، بل هو خيارٌ استراتيجيٌّ يتطلّب إرادةً سياسيةً حقيقيةً وشجاعةً وطنيةً نادرًا ما تجلّت في تاريخ لبنان الحديث. ومساره يبدأ من داخل الدولة نفسها: باحتكارها الكامل للسلاح وإنهاء ظاهرة السلاح خارج الشرعية، أيًّا كان مصدره أو مبرّره الأيديولوجي أو الطائفي أو الإقليمي. فلا دولةً حقيقيةً في التاريخ قامت وبجانبها جيشٌ موازٍ يختار حروبها ويرسم حدودها. ثم يمتدّ هذا المسار إلى إعادة انتشار المؤسسات الشرعية، الجيش والقضاء والإدارة، في كل شبرٍ من الأرض اللبنانية، لا سيّما في المناطق التي غابت عنها الدولة طويلًا حتى نسي بعض أبنائها أن لهم دولةً أصلًا. أمّا على الصعيد الخارجي، فيعني هذا المسار توظيف كل أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني الدولي والحشد الشعبي، لبناء ملفٍّ سياديٍّ متكاملٍ يُقدَّم أمام المجتمع الدولي لا كاستجداءٍ ولا كبكاءٍ على الأطلال، بل كمطالبةِ حقٍّ واضحةٍ وموثّقةٍ لشعبٍ يعرف ما يريد ويعرف ما يستحق. فلبنان الذي يملك قضيةً عادلة، ويتكلّم بصوت دولةٍ موحّدة لا بأصوات ميليشياتٍ متناحرة، يستطيع أن يخوض معركته على طاولات المفاوضات بالقدر ذاته الذي يخوضها على أرض الواقع، بل ربما أكثر. وقد يفرض الواقع، عاجلًا أم آجلًا، السير في تسويةٍ كبرى تشبه في شكلها بعض الاتفاقات الإقليمية المعروفة. غير أنَّ التسوية التي تُفرض على دولةٍ مشلولةٍ ومنقسمة تختلف جذريًّا عن تلك التي تفاوض عليها دولةٌ تعرف ثقلها وتحسن توظيف أوراقها. لذلك فإن الشرط الأول لأي مسارٍ ناجحٍ ليس في الخارج، ليس في واشنطن ولا في باريس ولا في تل أبيب، بل في بيروت نفسها: أن يقرّر اللبنانيون، بجميع أطيافهم وتياراتهم، الالتفاف حول دولتهم، باعتبارها المرجعية الوحيدة القادرة، بشرعيتها ومؤسساتها، على إنهاء الاحتلال وحماية الأرض وصون ما تبقّى من الوطن. لبنان لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولن يسقط بقرارٍ واحد، شرط أن يقرّر أبناؤه أن يكونوا دولةً قبل أن يكونوا طوائف. لا دولةَ حقيقيةً في التاريخ قامت وبجانبها جيشٌ موازٍ يختار حروبها ويرسم حدودها
لم يعد مقبولا التعامل مع إخفاقات رئيس بلدية صيدا، منذ تسلّمه مهامه، على أنّها مجرّد عثرات عابرة أو ارتباك طبيعي يرافق البدايات. فالحجّة التي رُفعت طويلًا، ومفادها أنّ الرجل أثبت كفاءةً في مراحل سابقة، سواء خلال جائحة كورونا أو في محطات الحرب الإسرائيلية، لم تعد تصمد أمام الوقائع. طريقة إدارة البلدية للعدوان الإسرائيلي الحالي كشفت، في أكثر من مستوى، حجم الارتجال ومحدودية الجهوزية وضعف الفعالية، في وقت كان يفترض فيه أن تكون الاستعدادات الإغاثية حاضرة سلفًا لا أن تُدار بعقلية المفاجأة وردّ الفعل واللهث وراء الصورة.لكن ما هو أخطر من ضعف الأداء نفسه، أنّ بلدية صيدا تبدو اليوم، عمليًا، تحت تأثير “مركز قرار” غير رسمي، تتقدّمه “سيدة” من خارج المجلس البلدي، ومن خارج الملاك الوظيفي، بل ومن خارج النسيج الأصلي للمدينة نفسها. سيدة لا أحد يعرف بدقة ما هي صفتها الفعلية، ولا بأي تفويض تتحرك، لكنها، على أرض الواقع، تؤدي دور “رئيسة البلدية في الظل”. تحضر في معظم الاجتماعات، تتدخل في تفاصيل الملفات، تتنقل بين المواقع والمحافل، ويبدو أنّ لها الكلمة الراجحة في مسائل تمسّ مباشرة حياة الصيداويين والنازحين، من توزيع المساعدات إلى إدارة الأولويات، تحت عنوان فضفاض اسمه “مستشارة فوق العادة”، يسمع لها رئيس البلدية ويأخذ برأيها في معظم الأحيان.ليست هذه السيدة طارئة على المشهد البلدي الصيداوي، لكن نفوذها تضخّم بصورة لافتة مع وصول الرئيس الحالي، مستفيدًة من علاقة مهنية طويلة تجمعهما داخل لبنان وخارجه، ترسّخت في ملفات الجمعيات والمنظمات الأهلية وغير الحكومية، وتستمر اليوم بغطاء واضح ونفوذ متزايد.لم يعد هذا النفوذ خافيًا على أحد داخل المجلس البلدي وفي المدينة، بل تحوّل إلى أحد عناوين التوتّر والتفكك في مجلس يعاني أصلًا من الانقسام والضغائن والتشرذم بين أعضائه. غير أنّ الخطير فعلًا لا يقف عند حدود الخلافات الداخلية، بل يتمثل في أن تتحوّل شخصية من خارج البنية الرسمية إلى جهة تقرير فعلية. تحدد من يستفيد ومن يُحرم، من يدخل ومن يُقصى، كيف تُوزَّع المساعدات، وعلى أي أسس، وتحت أي معايير، بل وكيف تُتداول معلومات الناس العامة والخاصة أمام أشخاص لا يحملون أي صفة رسمية أو مساءلة قانونية.ربما يكون رئيس البلدية، حين ينظر إلى الموجودين على طاولة الاجتماعات من حوله، قد وجد في تكريس هذا الدور مخرجًا من عجزه عن الاتكال على مجلس لا يثق بكفاءته ولا بقدرته على تحمّل المسؤولية. لكن هذا لا يخفف من خطورة المسألة، بل يضاعفها. لأنّ أقصى ما يمكن أن يبرر به هذا الواقع هو أنّ يُدار الشأن العام بعقلية “أهون الشرّين”، لا بعقلية المؤسسات والمحاسبة.