حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial في جنوب لبنان، يتشكّل نمط جديد من الاشتباك لا يعتمد فقط على القصف أو المواجهة المباشرة، بل على ما يمكن وصفه بـ”حرب الحواس”، حيث تُستخدم السماء كمنصّة لبثّ الخداع، لا لإسقاط الذخائر وحدها، بل لضرب الإدراك البشري نفسه. لم يعد المشهد مجرّد طائرة واحدة تعبر المجال الجوي. ما يُرصد ميدانيًا هو حركة متزامنة لما يبدو كسرب واسع: عشرات الأجسام أو الإشارات الصوتية تتحرّك وفق مسارات منسّقة جغرافيًا. هذا التزامن يخلق بيئة صوتية محيطة، يصبح معها تحديد مصدر الصوت شبه مستحيل. تشويش إدراكي النتيجة ليست إزعاجًا سمعيًا فحسب، بل حالة من التشويش الإدراكي. فالدماغ، المصمَّم لتحديد الاتجاهات والاستجابة للتهديد، يدخل في حالة ارتباك: الصوت يأتي من كل الجهات في اللحظة نفسها. الإحساس بالاختناق، التوتر، والرغبة في الحركة السريعة، كلها ردود فعل طبيعية، لكنها في هذا السياق قد تكون بالضبط ما يُراد استدراجه. الأخطر ليس الضجيج بحدّ ذاته، بل طريقة تصميمه. بعض الأصوات تُحاكي اقتراب طائرات مسيّرة انتحارية، أو ما يشبه اندفاعًا سريعًا نحو الهدف. هذه الإشارات قادرة على استثارة رد فعل انعكاسي لدى المقاتل أو المدني: الهروب، الاحتماء، أو حتى الخروج من موقع آمن، وهو ما قد يحوّله إلى هدف مكشوف. وفي مستويات أكثر تعقيدًا، تشير تقارير ميدانية إلى استخدام عناصر صوتية “شخصية”: نداءات بأسماء، أو محاكاة أصوات مألوفة، في محاولة لاختراق الحاجز النفسي للفرد. هنا، لا يعود الهدف تشتيت الانتباه فقط، بل زعزعة الإحساس بالأمان الشخصي. وتلعب الجغرافيا دورًا حاسمًا في هذه الحرب غير المرئية. فتضاريس الجنوب، بأوديته وتعرجاته، تعمل كمسرّعات طبيعية للصدى، تضخّم بعض الترددات وتعيد توزيعها بطرق غير متوقعة. وفي بعض الحالات، قد تؤدي الترددات الحادة والمركّزة إلى شعور بالغثيان أو فقدان التوازن، ما يعمّق حالة الانفصال الإدراكي. لكن لماذا كل هذا التعقيد؟ لأن المعركة الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى إحداثيات دقيقة. حين يُدفع الخصم إلى الحركة بفعل الخداع، حين ينظر، أو يركض، أو يحاول “فهم” ما يحدث، فهو يكشف نفسه. خطأ صغير، حركة غير محسوبة، أو محاولة استكشاف مصدر وهمي، قد تكون كافية لتحويله إلى هدف. بهذا المعنى، يصبح الهدف الأول هو الأعصاب، لا الجسد. وتتحول القدرة على الحفاظ على هدوء الذهن تحت ضغط حسي مكثف إلى عنصر حاسم في البقاء. الحرب، كما تتشكّل اليوم، لم تعد صراع نيران فقط. إنها صراع إدراك. والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الصوت قادرًا على جرّك إلى فخ، فهل يمكنك أن تثق بما تسمعه؟ هذه ليست دعوة إلى الذعر، بل إلى الوعي. ففهم طبيعة هذه الأساليب هو الخطوة الأولى لتحييد تأثيرها. وفي ساحة تتداخل فيها الحقيقة مع الوهم، قد يكون الانتصار، ببساطة، ألّا تنخدع.
حين يجوع العامل، تسقط عدالة الدولة قبل أن يسقط رغيفه. من عرق العامل يولد العمران، ومن كرامته يولد الوطن. عيد العمال ليس وردةً وخطابًا… بل سؤالٌ عن الراتب والكرامة والحق بالعيش. العامل لا يبني الجدران فقط… يبني معنى البقاء. كل آلةٍ تدور، وكل حقلٍ يثمر، وكل مدينةٍ تنهض… خلفها عامل يستحق حياة كريمة. من لا يحمي كرامة العامل، لا يحمي مستقبل الوطن.
يقول جوزيف عون في قصر بعبدا، ونواف سلام من السراي الحكومي اليوم، أكثر مما قاله أحمد الأسير منذ سنين بحق الاستعمار الإيراني، وخطر السلاح خارج الدولة، وخرق السفينة، وتدمير النموذج اللبناني، وطغيان فئة على أخرى. وفي حين يتربّع الأول رئيسًا للبلاد، والثاني قائدًا لإدارتها التنفيذية، يقبع الشيخ الأسير في السجن بتهم لُفّقت له من منظومة ظالمة، فضحتها الأيام بالصوت والصور والدلائل، التي وصلت إلى الأمم المتحدة، لكنها بقيت عند أهل صيدا وكأنها أمر عادي، مدجّن ومقبول. منذ أيام، تجري في قاعة مجلس النواب اللبناني مناقشات لإقرار قانون عفو للمظلومين والأسرى في السجون اللبنانية، علّها تكون خطوة إنصاف بحق المئات، بل الآلاف، الذين جارت عليهم “حقبة الظلام الظالم”. وكما هي تركيبة البلد، كلٌّ يحاول تحقيق المكاسب لـ“ربعه”، ويبقى “أهل السنة” الحلقة الأضعف. فحين يصل الكلام إلى ما يُعرف بالموقوفين الإسلاميين، تطفو إلى السطح كلمات كبيرة مثل: “الإرهاب”، “قتلة الجيش”، “دم الجيش”، “أكلة الأكباد”، “ذبح الأعناق”، وغسيل للأدمغة على مدى سنين، بما يفضي إلى الخوف من طرح الموضوع بشفافية وواقعية وقوة، فينزوي المدافعون عنه تحت تنميط بات عبئًا بسبب الشعارات الممجوجة والاتهامات المعلّبة نفسها. وحده النائب عبد الرحمن البزري كان منخرطاً بشكل مباشر منذ أشهر في الأعداد والمتابعة للقانون المطروح اليوم. وقد أكد ل”البوست” أن “أي تعديل على القانون المقترح يستثنى فئة دون غيرها، سوف لن يمر…” لكن من المعيب بحق مدينة هي عاصمة الجنوب، وقواها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية الفاعلة، أن ينبري نائب كفيصل كرامة، كان حليفًا لسنين للنظام السوري البائد، ومرشحًا مقرّبًا من “الثنائي الشيعي”، ليقول كلاما محق يصمت عنه أهله . إذا كانت تهمة هؤلاء، كما يُسوَّق دومًا، أنهم قتلة جيش، فهناك من ذبح المؤسسة العسكرية، وقتل وطنًا بأكمله بالدمار والتهجير والتشريد والإفلاس، والإرجاع إلى حقب “العصور الحجرية”. من المعيب أن يقول وئام وهاب ما يخشى أهل صيدا قوله، وكلهم يعلمون، بينهم وبين أنفسهم، حقيقة الأمر: أن جرح المدينة الذي لم يندمل كان ظلمًا موصوفًا، وفخًا منصوبًا بحق المدينة نفسها، كما بحق العديد من أبنائها المسجونين والمبعدين والمقتولين. لكم فيما جرى ويجري في سوريا عبرة يا أولي الألباب. الظلم، وإن طال، فلا يُراكم إلا انفجارًا أكبر. حينها سيكون الجميع مسؤولًا عن خرق السفينة وإغراق الناس وقلب الطاولة على الجميع. فالجمر يغلي تحت الرماد، والتعامي عن تداعياته جريمة بحق الوطن واللبنانيين. حينها ستكونون كلكم شركاء في قتل الأبرياء وسجن المظلومين، لا من نطق بالحكم الجائر فحسب، بل صمتكم كان شريكًا متواطئًا… ويلٌ لأمة تنتفض من أجل صاحب مولّد، وتخنع صامتة على ظلم مشايخها وأبنائها المظلومين. التاريخ لن يرحم.