في عالم السياسة والحروب، هناك قاعدة بسيطة: مَن لا يملك خطةً، يتحوّل هو نفسه إلى جزءٍ من خطة الآخرين. اليوم، لا تفصل إسرائيل صارت على تلة علي الطاهر الاستراتيجية. أمتار فقط بين قوةٍ أمضت أكثر من اثني عشر عامًا في بناء واحدة من أهم منشآتها العسكرية في الجنوب، وبين واقعٍ ميداني يكاد يضع هذه المنشأة تحت مرمى الوقائع الجديدة. لكن القصة الحقيقية ليست في المنشأة، بل في العقلية التي أوصلت الأمور إلى هنا. لسنوات طويلة، قيل للناس إنّ «الكلمة للميدان». تحوّلت العبارة إلى ما يشبه النشيد الرسمي الذي يُتلى عند كل أزمة، وكأنّ تكرارها كافٍ لوقف تقدّم الدبابات أو تغيير اتجاه الأحداث. لكن المشكلة أنّ الميدان الحقيقي لا يفهم لغة الشعارات، بل يفهم موازين القوى والخطط والقرارات والنتائج. في المقابل، تتحرك إسرائيل بهدوء الجرّاح الذي يعرف تمامًا أين يضع مشرطه. لا ضجيج، لا خطابات نارية، لا مهرجانات انتصار مسبقة. فقط خطة واضحة تتقدّم خطوةً خطوة. هدف اليوم يصبح واقع الغد، وواقع الغد يصبح نقطة انطلاق لهدف جديد. أما هنا، فما زال البعض يتصرّف وكأنّ الزمن توقّف عند بيانات الانتصار القديمة. ما زال يعتقد أنّ رفع السقف الكلامي يعوّض غياب الرؤية السياسية، وأنّ الخطاب التعبوي يمكن أن يحلّ مكان الحسابات الاستراتيجية. والأكثر إثارةً للسخرية أنّ كل مَن يطرح سؤالًا واقعيًا يُتَّهَم فورًا بالانهزامية، بينما الوقائع نفسها تتقدّم على الأرض أسرع من أي نقاش. أصبح المطلوب من الناس أن تغضّ النظر عن الخرائط وأن تصدّق البيانات، وأن تنسى الأمتار التي تُخسر مقابل الكلمات التي تُربح. المعضلة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل سياسية قبل كل شيء. فلا يمكن لأي قوة أن تدير صراعًا مفتوحًا بينما قرارها السياسي والعسكري معلّق على حسابات إقليمية معقّدة، أو بينما تعجز عن إجراء مراجعة شجاعة لما جرى وما يجري. فالحروب لا تُدار بالعواطف، ولا تُكسب بالماضي، ولا تُحسم باستدعاء أمجاد الأمس كلما تعقّدت وقائع اليوم. بعد كل ما جرى، لم يعد السؤال: ماذا تقول البيانات؟ بل ماذا تقول الخرائط؟ ولم يعد السؤال: مَن يملك الخطاب الأعلى صوتًا؟ بل مَن يملك المشروع الأكثر وضوحًا؟ لأنّ التاريخ لا يرحم مَن يخلط بين الشعار والاستراتيجية. ولأنّ الأرض، على عكس الجماهير، لا تصفّق للخطب. الأرض تنحاز دائمًا لمن يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. أما الاكتفاء بترداد عبارة «الكلمة للميدان»، فيما الميدان نفسه يتراجع تحت ضغط الوقائع، فليس استراتيجية مقاومة، بل وصفة مضمونة لتحويل الخسائر إلى مشهد اعتيادي، والهزائم إلى مجرد بيانات مؤجّلة.
Mondial Lebanon war 1
skip render: ucaddon_box_testimonial يُظهر أحدث إصدار لمؤشر السلام العالمي تراجعاً مقلقاً في مستوى السلام العام للعام الثاني عشر على التوالي، حيث شهدت 99 دولة تدهوراً في مستوياتها. ومع ذلك، يشير معهد الاقتصاد والسلام إلى أن هذا التراجع “لم يؤثر فعلياً على الدول المتصدرة للتصنيف”. هذه الدول، تمثل واحات من الأمان والاستقرار في عالم يزداد اضطراباً. يعتمد المؤشر في تصنيفه لـ163 دولة على 23 مؤشراً دقيقاً، تتراوح بين حجم الإنفاق العسكري ومستوى النزاعات القائمة، وصولاً إلى معدلات الجريمة والشعور بالأمن الشخصي. تتميز الدول الأعلى تصنيفاً بخصائص مشتركة تجمع بين انخفاض معدلات العنف، وكفاءة المؤسسات، وارتفاع مستويات الثقة المجتمعية، وحسن العلاقات مع دول الجوار، وارتفاع جودة المعيشة. آيسلندا… حصن السلام تتربع آيسلندا على صدارة مؤشر السلام العالمي منذ عام 2008، محافظةً على لقب الدولة الأكثر أماناً للعام التاسع عشر على التوالي. وقد سجلت البلاد تحسناً بنسبة 2% في عام 2026، مدعومةً بتراجع ملحوظ في المظاهرات العنيفة، ومواصلة تحقيق نتائج عالية في مؤشرات الأمن، وانخفاض النزاعات، ومحدودية الاعتماد على الأساليب العسكرية. تؤكد هيئة “زوروا آيسلندا” أن السلام في البلاد “حاضر في كل ما يحيط بنا من طبيعة، لكنه أيضاً خيار واعٍ ومتجذر في مجتمعاتنا المتماسكة”. وتضيف أن هذا الواقع يستند إلى التزام راسخ بقيم المساواة، لا سيما المساواة بين الجنسين، التي تتصدر فيها آيسلندا التصنيفات العالمية، فضلاً عن جودة الخدمات العامة والاعتماد الواسع على مصادر الطاقة المتجددة. كما يسهم التماسك المجتمعي والشعور بالمسؤولية المشتركة في تعزيز هذا السلام، بالإضافة إلى العزلة الجغرافية التي تجعلها “أقل مشاركة في التوترات العالمية”. نيوزيلندا… هدوء الجغرافيا وثقافة التوازن قفزت نيوزيلندا إلى المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر السلام العالمي لعام 2026، متقدمةً من المركز الثالث في العام السابق، لتصبح الدولة الأكثر أماناً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويُعزى هذا التقدم بشكل رئيسي إلى تراجع واردات الأسلحة، مع استمرار البلاد في الحفاظ على مكانتها كواحدة من أكثر دول العالم أمناً وأقلها اعتماداً على الأساليب العسكرية. الموقع الجغرافي البعيد لنيوزيلندا هو أحد أهم أسباب استقرارها، حيث جعلها بمنأى إلى حد كبير عن التعقيدات الجيوسياسية. كما يبرز دور الثقافة المجتمعية التي تميل إلى الهدوء والوضوح والبساطة، حيث يهتم النيوزيلنديون بإدارة شؤون حياتهم اليومية أكثر من المشاركة في نزاعات. الشعور بالأمان جزء مألوف من الحياة اليومية، لدرجة أن الكثيرين لا يفكرون فيه، وهو ما يدل على رسوخ الأمن في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تحافظ الأحياء السكنية على روابطها الاجتماعية التقليدية، مما يعزز الإحساس بالمسؤولية المجتمعية المتبادلة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه خمسة ملايين نسمة. توفر الكثافة السكانية المنخفضة سهولة الوصول إلى الطبيعة الخلابة، مما يمنح الحياة في نيوزيلندا إيقاعاً أكثر هدوءاً واتزاناً مقارنة بالدول المزدحمة. سويسرا… حياد وثقة مجتمعية تقدمت سويسرا من المركز الخامس إلى المركز الثالث في عام 2026، مستفيدةً من مزيج فريد يجمع بين انخفاض معدلات الجريمة وسياسة الحياد العسكري الراسخة. هذا المزيج ساعدها على ترسيخ مكانتها كواحدة من أكثر دول العالم أماناً. يبدو أن الناس في المجتمع السويسري لديهم استعداد لإتاحة المجال للآخرين واحترام وجودهم. هذا النهج يعزز الثقة المتبادلة ويمنح الأفراد شعوراً بالاطمئنان بأن الأمور تسير بشكل صحيح ومنظم. تجربة السلام السويسري تدعو إلى تقدير ثقافة التوازن بين العمل والحياة، حيث تغلق العديد من المؤسسات أبوابها لساعتين ظهراً للراحة. كما تشجع على استكشاف التنوع الثقافي الفريد للبلاد، الذي يضم أربع لغات وطنية. سلوفينيا… المجتمع والطبيعة في تناغم دخلت سلوفينيا قائمة الدول الخمس الأولى في مؤشر السلام العالمي للمرة الأولى، مدفوعةً بتراجع مستويات الإنفاق العسكري وتحقيق معدلات عالية في مؤشرات الأمن والسلامة. هذا الأداء المتميز عزز مكانتها كواحدة من أكثر دول العالم استقراراً. يعطي السلوفينيون أهمية كبيرة للمجتمع المحلي، كما يقضون وقتاً طويلاً وسط الطبيعة، ما يسهم في ترسيخ مشاعر الهدوء والاتزان. فالثقافة السائدة تولي اهتماماً واضحاً للتوازن بين الحياة المهنية والشخصية، مما يتيح مساحة أكبر لبناء علاقات إنسانية قوية. أيرلندا… ترحيب تاريخي ووعي بالمخاطر تحل أيرلندا في المرتبة الخامسة ضمن مؤشر السلام العالمي، مستفيدةً من انخفاض معدلات العنف ومحدودية مشاركتها في النزاعات الدولية. وبالنظر إلى تاريخها الذي اتسم بالاضطراب، فإن هذا الإحساس بالأمن لا يُعامل بوصفه أمراً مفروغاً منه. إن التجربة التاريخية لأيرلندا تجعل مجتمعها أكثر وعياً بمخاطر التحيز، وأكثر إدراكاً لأهمية الكرم والترحيب بالآخرين. وتعود جذور ثقافة الضيافة إلى قوانين “بريهون” القديمة، التي حكمت أيرلندا في العصور الوسطى، وكانت تركز على حماية الضيوف والمسافرين. في عالم يواجه تحديات متزايدة، تقدم هذه الدول الخمس نموذجاً ملهماً لكيفية بناء مجتمعات آمنة ومستقرة. سواء كان ذلك من خلال العزلة الجغرافية، أو التماسك الاجتماعي، أو الحياد العسكري، أو التركيز على الطبيعة، أو الوعي التاريخي، فإن هذه الدول تبرهن على أن السلام ليس مجرد غياب للصراع، بل هو نتاج لخيارات واعية وقيم مجتمعية راسخة. إن فهم هذه العوامل يمكن أن يضيء لنا الطريق نحو مستقبل أكثر سلاماً واستقراراً للجميع.