مع انبلاج فجر هذا اليوم، ومن قلب المدينة التي تحتضن الجميع بصمتٍ وقبول، أعلنت منطقة عائشة بكّار أنها تدفع، كما كلّ لبنان، ثمن الحرب الإسرائيلية المدمّرة على كامل مساحة الوطن. ففي الساعات الأولى من الصباح، دوّى انفجار عنيف في قلب العاصمة بيروت بعدما استهدفت غارة إسرائيلية منطقة عائشة بكّار، إحدى أكثر المناطق حيويةً وكثافةً سكنية في المدينة. لحظات قليلة كانت كفيلة بتحويل سكون الفجر إلى مشهد من الفوضى والهلع، حيث استيقظ السكان على صوت الانفجار الذي هزّ الأبنية وأوقع أضرارًا مادية كبيرة في الشقق والمحال والسيارات في محيط المكان المستهدف. غير أن ما حدث في عائشة بكّار لا يمكن قراءته كحادث عسكري معزول. فاختيار منطقة سكنية في قلب بيروت، بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية، يعكس اتساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي وتصاعد منسوب المخاطر التي باتت تهدد المدن اللبنانية الكبرى وسكانها المدنيين. فليس في حسابات آلة الحرب الإسرائيلية خطوط حمراء أو محظورات. المدن والأحياء السكنية تتحول في لحظة إلى أهداف محتملة، والسكان المدنيون يجدون أنفسهم مرة جديدة في قلب المعادلة القاسية لحرب لا ترحم. هكذا، تنضم عائشة بكّار هذا الصباح إلى لائحة طويلة من المناطق اللبنانية التي دفعت ثمن هذه الحرب كرمى لحسابات عقائدية ومذهبية، ولتثبت مرة أخرى أن نارها لم تعد تقف عند حدود الجبهات، بل باتت تمتد إلى قلب المدن، حيث يعيش الناس حياتهم اليومية على وقع الخوف والترقب.
في خطوةٍ لافتة تحمل الكثير من المعاني والدلالات، قامت إحدى الجمعيّات الأهليّة التي تنشط بشكلٍ ملحوظ في العمل الإنساني والإغاثي في صيدا خلال هذه الفترة، بحملةٍ ذكيّة تتيح للنازحين الذين تركوا ديارهم الاستحمام والمحافظة على النظافة منعًا لانتشار الأمراض والأوبئة بينهم. ولأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، فقد علمت “البوست” من مصادر محليّة متابعة أن عددًا من أعضاء الجمعيّة ومتطوّعيها قاموا بالتجوّل في شوارع صيدا للبحث عن تجمّعات للنازحين خارج مراكز الإيواء، حيث تمّ التواصل معهم وتوزيع قسائم عليهم للتوجّه إلى أحد حمّامات البلدة القديمة للاستحمام والتنظيف وقد لاقت هذه الخطوة استحسانا وترحيباً من قبل النازحين وعائلاتهم، لاسيما النساء والأولاد، الذي مضى على بعضهم أكثر من أسبوع دون استحمام. مرّةً جديدة تكشف صيدا عن وجهٍ خاص لا يشبه غيرها من المدن والمجتمعات. فهذه الحمّامات الأثريّة الضاربة عمقاً في التاريخ، والتي تأسّست منذ مآت السنين، تُثبت أن الحقّ والحقيقة يسودان في النهاية مهما طال ليل الظالمين، وهكذا تنتصر “نظافة العثمانيين” على “وساخة الصهاينة”.