حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial لبنان الذي صنع أولى المدارس الإعلامية العربية، واحتضن كبار الصحافيين والمذيعين والمخرجين والمنتجين، لا يعاني اليوم من نقص في المواهب، بل من غياب الرؤية. فبين عشرات الشاشات والمنصات التي تتحدث باسم الطوائف والأحزاب والمموّلين، يكاد يغيب الصوت الذي يتحدث باسم الدولة والمجتمع والمصلحة الوطنية الجامعة. ماذا لو فرضت الدولة رسوماً وضريبة خاصة على المحتوى الرقمي الهابط الذي يحقق ملايين المشاهدات والأرباح من دون أي مساهمة حقيقية في التنمية الثقافية أو الاقتصادية؟ ليس بهدف تقييد الحريات، بل بهدف إعادة استثمار جزء من هذه العائدات في بناء إعلام وطني محترف يليق ببلد يمتلك واحدة من أغنى الطاقات الإبداعية في المنطقة. تخيّلوا لو أن هذه الإيرادات خُصصت لصندوق وطني لتطوير تلفزيون لبنان، ولإعادة تأهيل استديوهاته، وتحديث معداته، واستقطاب أفضل الكفاءات الإعلامية والفنية والتقنية. تخيّلوا لو أصبح صانع المحتوى الموهوب، والمخرج المبدع، والصحافي المحترف، والمبرمج المتخصص بالإعلام الرقمي، جزءاً من مشروع وطني كبير، بدلاً من أن يكون أسيراً للمنصات الأجنبية أو للهجرة القسرية بحثاً عن فرصة. والحقيقة التي يعرفها كل من يعمل في القطاع الإعلامي العربي أن لبنان لم يفقد موهبته الإعلامية يوماً، بل فقد قدرته على الاحتفاظ بها. فمعظم القنوات الفضائية العربية الكبرى، من الخليج إلى شمال أفريقيا، تضم في غرف الأخبار والتحرير والإنتاج عشرات اللبنانيين الذين يشغلون مواقع قيادية ومؤثرة. كثير من رؤساء التحرير، ومديري الأخبار، والمنتجين التنفيذيين، والمذيعين، والمراسلين، والمحللين السياسيين، وخبراء الإعلام الرقمي، هم أبناء المدرسة الإعلامية اللبنانية التي بنت سمعتها على مدى عقود. لكن هؤلاء لم يغادروا لأن أوطاناً أخرى كانت أكثر إبداعاً من لبنان، بل لأن دولاً أخرى كانت أكثر قدرة على الاستثمار فيهم. هاجروا حيث الرواتب المجزية، والاستقرار المهني، والبنية التحتية الحديثة، وفرص التطور الوظيفي. وما نشاهده يومياً على الشاشات العربية من وجوه لبنانية لامعة تقدم نشرات الأخبار والبرامج السياسية والاقتصادية والثقافية، ليس إلا دليلاً حياً على أن رأس المال البشري اللبناني ما زال موجوداً، لكنه يعمل لصالح اقتصادات وأسواق إعلامية أخرى. ماذا لو قررت الدولة استعادة جزء من هذا الرأسمال البشري؟ ماذا لو وجد الإعلامي اللبناني نفسه أمام مؤسسة وطنية حديثة توفر له بيئة عمل محترفة وفرصاً توازي ما يجده في الخارج؟ عندها لن يكون استقطاب الكفاءات أمراً مستحيلاً، بل مشروعاً واقعياً يمكن أن يعيد إلى بيروت دورها التاريخي كعاصمة للإعلام العربي. والأمر لا يتوقف عند شاشة تلفزيونية. فالدول التي تفكر بالمستقبل لا تستثمر في الإعلام بوصفه قطاعاً خدمياً فقط، بل بوصفه صناعة كاملة. صناعة تخلق الوظائف وتولّد الإيرادات وتجذب الاستثمارات. ومن هنا، يمكن للبنان أن يذهب أبعد من مجرد تطوير تلفزيون رسمي، نحو إنشاء مدينة إعلامية متكاملة تضم استديوهات إنتاج حديثة، ومراكز تدريب، وشركات مؤثرات بصرية، ومنصات بث رقمية، ومرافق تستقطب القنوات العربية والعالمية لتصوير برامجها وأفلامها وأعمالها الوثائقية من بيروت. وليس في ذلك أي خيال سياسي. فمدن إعلامية مماثلة نجحت في تحويل الإعلام إلى مصدر دخل وطني بمليارات الدولارات، وجعلت من الصناعة الإبداعية أحد أعمدة الاقتصاد الحديث. أما لبنان، الذي يمتلك الموقع الجغرافي والخبرات البشرية والتنوع الثقافي والحرية الإعلامية النسبية، فيملك كل المقومات اللازمة ليكون مركزاً إقليمياً للإنتاج الإعلامي لو توفّرت الإرادة. في تلك اللحظة، لن يكون تلفزيون لبنان مجرد قناة رسمية تبث نشرات الأخبار، بل منصة وطنية لصناعة الرواية اللبنانية. رواية تُعرّف العالم على لبنان الثقافة، لا لبنان الأزمات فقط، وعلى لبنان الإبداع، لا لبنان الانهيار فقط، وعلى لبنان الإنسان، لا لبنان الانقسام فقط. عندها ستتراجع الحاجة إلى إعلام الاصطفافات الضيقة الذي يزرع الحواجز بين اللبنانيين، لأن الدولة ستكون قد قدّمت بديلاً مهنياً قادراً على المنافسة والجذب والتأثير. وعندها أيضاً، ستتحول الأموال التي تذهب اليوم إلى اقتصاد التفاهة والصراخ والابتذال إلى استثمارات في المعرفة والإبداع والهوية الوطنية. وربما تصبح بيروت مجدداً الوجهة الأولى للصحافيين والمراسلين وشركات الإنتاج العربية، لا مدينة يهاجر منها الإعلاميون، بل مدينة يعودون إليها. مدينة تصدّر المحتوى والخبر والخبرة إلى المنطقة، كما كانت تفعل لعقود طويلة، عندما كانت الصحافة العربية تنظر إلى لبنان باعتباره مختبر الأفكار ومنصة الحريات وعاصمة الكلمة الحرة. السؤال الحقيقي ليس إن كان لبنان قادراً على ذلك، بل لماذا لم يفعل ذلك حتى الآن. فبلد أنجب كبار الإعلاميين العرب، وعلّم المنطقة معنى الصحافة الحرة والإنتاج التلفزيوني الراقي، لا يليق به أن يبقى متفرجاً على تراجع دوره فيما تصنع دول أخرى مستقبل الإعلام من حوله. لقد آن الأوان لأن يعود لبنان إلى مكانه الطبيعي: ليس ساحة تتنافس فيها الأصوات المتناحرة، بل منصة تصنع الأفكار والروايات والصور التي تصل إلى العالم كله. وعندما تستعيد الدولة شاشتها الوطنية، قد تكتشف أن الاستثمار في الكلمة والصورة ليس أقل أهمية من الاستثمار في الطرق والمرافئ والمطارات، لأن الأمم تُبنى بالاقتصاد، لكنها تُعرّف نفسها للعالم عبر الإعلام. وربما يكتشف اللبنانيون أن الثروة الحقيقية التي غادرت بلادهم لم تكن النفط ولا الغاز، بل آلاف العقول والكفاءات التي صنعت نجاح الإعلام العربي في الخارج، فيما كانت تنتظر فرصة صغيرة فقط لتصنع النجاح نفسه في وطنها.
توقّفت مصادر سياسية متابعة عند ظاهرة الغياب التام لشخصية صيداوية فاحشة الثراء عن المشهد العام، على الرغم من صعوبة الظروف التي يمرّ بها الوطن والمواطنون، لا سيما أهالي صيدا، بسبب تداعيات أزمات النزوح التي أفرزتها الحرب على أكثر من صعيد. وكشفت المصادر لـ”البوست” أن أعمال الترميم والتحسين وحتى كنس النفايات التي كانت تقوم بها هذه الشخصية في المدينة، لا سيما في البلدة القديمة، قد توقفت بالكامل بقرار مفاجئ منذ مدة، عازيةً ذلك إلى أسباب لها علاقة بحسابات ضيقة مع أصحاب نفوذ وأمراء أحياء. ولفتت المصادر إلى أن اهتمام الشخصية حالياً، في ظل ظروف الحرب والعدوان والتهجير التي تعيشها البلاد، منصبّ على الإسراع في إنجاز إحدى الحدائق العامة والانتهاء من أعمالها بأسرع وقت، متناسيةً دورها في وضع العصيّ في دواليب البلدية السابقة، وكونها سبباً في إيصال البلدية الحالية الهجينة إلى ما وصلت إليه اليوم من مآسٍ.
في العقلية الإسرائيلية – الصهيونية، لا يُقاس الخطر دوماً بحجم الخسائر المادية، بل بحجم الكسر الذي يصيب صورة الردع. من هذا المنظور، لا يبدو ما جرى في 7 حزيران 2026 أقلّ رمزية وخطورة عمّا جرى في 7 أكتوبر 2023. ففي 7 أكتوبر، تلقت إسرائيل ضربة قاسية في عمق صورتها الأمنية والاستخبارية، واهتزّت أسطورة “الدولة التي لا تُفاجأ”. أما في 7 حزيران، فالمسألة مختلفة في الشكل، لكنها متقاربة في الجوهر: صواريخ إيرانية تُطلق باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في نيسان، بعد ضربات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الحرب مع المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. هنا لا تصبح الصواريخ وحدها هي الحدث، بل السؤال الذي تطرحه: هل انتقلت إيران من موقع الردّ غير المباشر عبر الساحات الحليفة إلى موقع تثبيت معادلة اشتباك مباشرة؟ وهل تستطيع إسرائيل، التي بنت عقيدتها الأمنية على مبدأ الردّ القاسي والسريع، أن تتعايش مع معادلة جديدة تقول إن ضرب لبنان قد يستدعي ردًا من إيران نفسها؟ skip render: ucaddon_material_block_quote الإجابة عن هذه الأسئلة لا تبدو في تل أبيب وحدها، بل في واشنطن أيضًا. فإسرائيل قد تملك قرار النار، لكنها لا تملك دائمًا قرار السقف. وحين تكون الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات شاقة مع إيران، وحين يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب حريصًا على عدم انهيار مسار تفاوضي يراه قريبًا من الإنجاز، يصبح الردّ الإسرائيلي محكومًا بحسابات أميركية لا تقل أهمية عن الحسابات العسكرية الإسرائيلية. وقد نقلت تقارير أن ترامب حضّ نتنياهو على عدم الردّ، خشية انهيار المفاوضات القريبة مع طهران. من هنا يولد السؤال الأكثر حساسية: من يحكم إيقاع العالم اليوم؟ واشنطن أم تل أبيب؟ القرار الأميركي أم الحاجة الإسرائيلية إلى الثأر؟ المصالح الكبرى أم هواجس الأمن الوجودي؟ وفي الخلفية، تبدو اللوبيات وشبكات النفوذ ومراكز الضغط جزءًا من معادلة القرار، لا بديلاً عنها. شكل الردّ الإسرائيلي، مهما يكن، سيحسم الصورة الملتبسة لـ”المنتصر” و”المهزوم” في جولات الحروب التي تشهدها المنطقة منذ سنوات. فإذا ردّت إسرائيل بعنف واسع، فهي تقول إنها ما زالت قادرة على كسر أي معادلة تُفرض عليها. وإذا ردّت ردًا محدودًا ومحسوبًا، فهي تعترف ضمنًا بأن واشنطن هي التي تمسك بسقف النار. أما إذا امتنعت عن الردّ، أو اكتفت بردّ رمزي، فسيُقرأ ذلك في طهران وبيروت وصنعاء والمنطقة بوصفه قبولًا إسرائيليًا اضطراريًا بمعادلة احتواء جديدة. وهذه هي المعضلة الإسرائيلية الحقيقية: الردّ قد يفتح حربًا أوسع، وعدم الردّ قد يفتح بابًا أخطر في وعي الخصوم، هو باب الاعتقاد بأن إسرائيل باتت قابلة للردع. وبين الخطرين، تقف تل أبيب أمام اختبار بالغ الحساسية: كيف تحفظ صورتها من دون أن تشعل المنطقة؟ وكيف تضرب من دون أن تُفشل واشنطن؟ وكيف تثأر من دون أن تمنح إيران نصرًا سياسيًا أكبر من فعلها العسكري؟ فإيران، حتى لو لم تُحدث صواريخها دمارًا كبيرًا، تسعى إلى تثبيت صورة سياسية مفادها أنها لم تعد تكتفي بإدارة الاشتباك عبر الوكلاء. وهي تريد أن تقول إن الضاحية ليست ساحة منفصلة عن طهران، وإن لبنان لم يعد صندوق بريد إقليميًا تستعمله إسرائيل من دون كلفة. وقد أعلنت طهران، عبر مسؤولين فيها، أن قواعد أميركية وأصولًا إسرائيلية في المنطقة قد تصبح أهدافًا مشروعة إذا توسّع التصعيد. في المقابل، تعرف إسرائيل أن أي تراجع عن الردّ سيُقارن فورًا بما بعد 7 أكتوبر. يومها، اختارت حربًا طويلة ومدمّرة لاستعادة الهيبة. أما اليوم، فهي أمام خصم مختلف، وساحة أوسع، وراعٍ أميركي يريد احتواء الانفجار لا توسيعه. لذلك لن يكون السؤال: هل تستطيع إسرائيل الردّ؟ بل: هل تستطيع تحمّل نتائج الردّ؟ في عالم ترامب، قد يكون لا مكان إلا لترامب وحده. فالرجل الذي يريد أن يظهر بوصفه صانع الصفقات الكبرى لا بوصفه مدير الحروب المفتوحة، لن يسمح بسهولة بأن يتحول الردّ الإسرائيلي إلى تفجير لمسار تفاوضي قد يقدّمه لاحقًا كإنجاز شخصي. من هنا، قد لا تكون إسرائيل أمام قرار عسكري فقط، بل أمام امتحان طاعة سياسية للبيت الأبيض. اليوم لا يُقرَّر فقط ما إذا كانت إيران ستخرج منتصرة، ولو صوريًا، مما جرى لها بعد الحرب عليها. بل يُقرَّر أيضًا ما إذا كانت إسرائيل لا تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة وحدها، أم أن زمن الردّ المفتوح بلا سقف بدأ يتراجع أمام زمن المعادلات الثقيلة، حيث كل ضربة تحتاج إلى إذن، وكل ردّ يحتاج إلى حساب، وكل انتصار يحتاج إلى موافقة أميركية مسبقة. ما جرى في 7 حزيران 2026 ليس مجرد هجوم صاروخي عابر، بل اختبار لمعادلة الشرق الأوسط الجديدة: هل تبقى إسرائيل فوق قواعد الاشتباك، أم تصبح طرفًا داخلها؟