لِيَسمح لي القارئ بقليلٍ من الانحياز… لا انحياز السياسة، ولا انحياز العصبية، ولا انحياز الحدود التي رسمتها خرائط العصر، بل انحياز الإنسان إلى الأرض التي تصنع المعنى، وإلى المدينة التي كلما حاول التاريخ تجاوزها، أعادته هي إلى بدايته. ولو سألني أحد يومًا: أي بلاد الأرض أعظم؟ لما ترددت في الجواب: القدس. وليس لأنني أبحث عن مجد قومي، أو أمارس خطابًا عاطفيًا، أو أستسلم لرومانسية المكان، بل لأن التاريخ نفسه سبقنا إلى هذا الجواب، ونطقت به ألسنة العلماء والرحالة والمؤرخين قبل أن تتحول القدس إلى عنوان لصراع العصر. خير البلاد يروي أهل الأخبار أن مجلسًا علميًا احتشد يومًا في مدينة البصرة، في مجلس القاضي أبي يحيى بن بهرام، حيث اجتمع العلماء والفقهاء والأدباء، وكان للكلمة وزن الذهب، وللحجة سلطان العقل. دار الحديث بين الحاضرين عن البلدان ومكانتها، وعن المدن وفضلها، حتى التفت أحدهم إلى رجل من أهل القدس وسأله: أي البلاد أجلّ؟ فأجاب بهدوء الواثق: بلدنا. فسألوه: وأي البلاد أكثر خيرًا؟ قال: بلدنا. فعادوا يسألونه: وأي البلاد أكبر؟ فابتسم وقال: أما هذه فلا، فإن بلادكم أكبر منها مساحة، ولكنكم لم تسألوني عن الكِبَر، بل عن القدر. ثم مضى يشرح حجته، لا بمنطق العصبية، وإنما بمنطق التاريخ. كيف لا تكون القدس أجلّ البلاد، وفيها اجتمع ميراث الأنبياء جميعًا؟ كيف لا تكون أعظم المدن، وهي المدينة التي وطئتها أقدام إبراهيم، وسار في طرقاتها داود، وأقام فيها سليمان، وولد في أرضها عيسى، وأُسري إليها بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع فيها من نور الرسالات ما لم يجتمع في بقعة أخرى على وجه الأرض؟ skip render: ucaddon_material_block_quote أقدم من الدول إنها المدينة الوحيدة التي لا تستطيع أمة واحدة أن تدّعي أنها صنعتها وحدها، لأنها أقدم من الدول، وأبقى من الإمبراطوريات، وأوسع من كل الروايات السياسية. في القدس لا يقاس الزمن بالسنوات، بل بالنبوات. ولا تقاس الحجارة بأحجامها، بل بما حملته من ذاكرة الإنسانية. كل حجر فيها يروي قصة. وكل باب يحمل اسم حضارة. وكل زقاق يشهد على أن الأمم قد تأتي وتمضي، أما القدس فتبقى. ليست القدس مجرد مدينة مقدسة عند المسلمين، ولا مجرد معلم تاريخي، بل هي جزء من العقيدة والوجدان والهوية. إليها كانت القبلة الأولى، ومنها كانت رحلة الإسراء، وفيها المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين، وأحد المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال. لكن عظمة القدس لا تنبع من بعدها الديني وحده. إنها أيضًا مدرسة الحضارة الإنسانية. مدينة استطاعت عبر آلاف السنين أن تكون ملتقى اللغات والثقافات والديانات، دون أن تفقد شخصيتها الفريدة. احتضنت الفاتحين، واستقبلت الزائرين، ونجت من الحروب، ثم نهضت من جديد، كأنها تحمل في ذاتها سرًا يجعلها تولد كلما ظن العالم أنها انتهت. مدينة خالدة ولعل أكثر ما يميز القدس أنها المدينة التي كلما حاولت السياسة اختزالها إلى ملف تفاوض، أعادها التاريخ إلى مقامها الحقيقي. فالقدس ليست بندًا في اتفاق. وليست ورقة تفاوض. وليست عنوانًا لأزمة عابرة. إنها سؤال أخلاقي دائم أمام العالم كله: هل يمكن للعدالة أن تنتصر على القوة؟ وهل تستطيع الحقيقة أن تبقى حية رغم تبدل موازين السياسة؟ من هنا نفهم لماذا بقيت القدس حاضرة في وجدان المسلمين والمسيحيين وأحرار العالم، حتى عندما تغيرت العواصم، وسقطت الإمبراطوريات، وتبدلت موازين القوى. فالمدن العظيمة تُبنى بالحجارة. أما المدن الخالدة فتُبنى بالمعنى. والقدس مدينة المعنى قبل أن تكون مدينة المباني. ولذلك لم يكن جواب الرجل المقدسي في مجلس البصرة مجرد مفاخرة بابن مدينته، بل كان تلخيصًا لحقيقة أدركها التاريخ منذ قرون: أن قيمة المدن ليست فيما تملكه من اتساع، بل فيما تمنحه للبشرية من نور. قد تكون هناك مدن أكبر. وقد تكون هناك مدن أغنى. وقد تكون هناك مدن أحدث عمرانًا وأكثر صخبًا. لكن القدس تظل مدينة لا ينافسها مكان في قدرتها على جمع السماء بالأرض، والتاريخ بالعقيدة، والإنسان بالرسالة. ولعل هذا هو سرها الأكبر. فمن أحب القدس لم يحب حجارتها فقط، بل أحب المعنى الذي تمثله. ومن دافع عنها لم يدافع عن حدود مدينة، بل عن ذاكرة أمة، وكرامة حضارة، وحق الإنسانية في أن تبقى بعض الأماكن أكبر من أن تتحول إلى مجرد قضية سياسية. وهكذا تبقى القدس، مهما تبدلت الأزمنة، ليست أعظم المدن لأنها الأكبر مساحة، بل لأنها الأوسع حضورًا في الضمير الإنساني، والأغنى برسالات السماء، والأبقى في ذاكرة التاريخ. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليست كل الاتفاقات تُقاس بعدد صفحاتها، ولا كل المصافحات تُترجم سلامًا. فبعض الوثائق لا تنهي الصراعات، بل تعيد ترتيبها، وتؤجّل لحظة انفجارها إلى موعد آخر. ومن هذا النوع يبدو الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وقّعته الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من يونيو/حزيران 2026؛ اتفاقٌ يحمل من الرمزية السياسية أكثر مما يحمل من القدرة التنفيذية، ويؤسس لمسار تفاوضي جديد، لكنه لا يقدّم حتى الآن ضمانة بأن هذا المسار سينتهي إلى استقرار دائم. للمرة الأولى منذ اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، يجلس لبنان وإسرائيل ضمن إطار تفاوضي مباشر ومعلن برعاية أميركية. إلا أن التشابه يتوقف عند الشكل، لأن السياق الإقليمي، وتوازنات القوة، وطبيعة الأطراف الفاعلة، جميعها تغيّرت بصورة جذرية. فلبنان اليوم ليس الدولة نفسها، وإسرائيل ليست في البيئة الأمنية ذاتها، والمنطقة بأكملها تتحرك على وقع إعادة رسم خرائط النفوذ بعد سنوات من الحروب المفتوحة. معادلة جديدة غير أن القراءة المتأنية لبنية الاتفاق تكشف أنه لا يشكّل معاهدة سلام، ولا حتى اتفاقًا تنفيذيًا متكاملًا، بل يمثّل إطارًا سياسيًا عامًا، ترك أهم عناصره لملحق أمني لم يُكتب بعد، وكأن الأطراف اتفقت على عنوان الكتاب، وأرجأت كتابة فصوله الأكثر حساسية. تكمن المفارقة الكبرى في أن الاتفاق يقوم على معادلة غير مألوفة في تاريخ التسويات العربية ـ الإسرائيلية. فبدلًا من القاعدة التقليدية التي قامت عليها معظم عمليات السلام، أي «الأرض مقابل السلام»، يطرح الاتفاق معادلة مختلفة تمامًا: «نزع السلاح أولًا… والانسحاب لاحقًا». skip render: ucaddon_material_block_quote هذه ليست مجرد إعادة ترتيب للأولويات، بل إعادة تعريف كاملة لمفهوم المقايضة السياسية. فإسرائيل لا تلتزم بانسحاب كامل ومحدد زمنيًا، بل تربطه بإنجاز عملية نزع سلاح حزب الله والتحقق منها ميدانيًا. أما لبنان، فيتحمّل منذ اللحظة الأولى العبء التنفيذي الأكبر عبر الجيش اللبناني، الذي يصبح مسؤولًا عن استلام المناطق، وضمان خلوّها من السلاح، وإدارة واحدة من أكثر العمليات الأمنية تعقيدًا في تاريخ الدولة اللبنانية الحديثة. المقايضة السياسية وبذلك يتحول الانسحاب الإسرائيلي من حقّ يفترض أن يكون مرتبطًا بالسيادة الوطنية، إلى نتيجة مشروطة بمسار أمني طويل، متعدد المراحل، وقابل للتوقف أو التراجع في أي لحظة. ومن هنا تحديدًا، يبرز الاختلال البنيوي في الاتفاق. فالالتزامات اللبنانية واضحة ومباشرة، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مرنة، مشروطة، وقابلة لإعادة التفسير تبعًا للظروف الأمنية كما تراها تل أبيب. ولا يقل أهمية عن ذلك الغائب الأكبر عن الاتفاق نفسه: حزب الله. فالوثيقة تناقش عمليًا مستقبل سلاح الحزب، لكنها لا تتضمن الحزب طرفًا في التفاوض، ولا توقيعًا منه، ولا التزامًا سياسيًا أو قانونيًا بتنفيذ ما ورد فيها. وهذه ليست مجرد ثغرة إجرائية، بل تمثل جوهر الأزمة. فلا يمكن لأي اتفاق يسعى إلى معالجة ملف السلاح أن ينجح إذا كان الطرف الذي يمتلك هذا السلاح خارج العملية التفاوضية، خصوصًا أن الحزب أعلن رفضه للاتفاق، واعتبره مدخلًا لإعادة إنتاج الضغوط الداخلية عليه، محذرًا من إمكانية انزلاق البلاد نحو مواجهة داخلية إذا تحول تنفيذ الاتفاق إلى صدام لبناني ـ لبناني. اتفاق بلا ضمانات… ومرحلة مفتوحة على الخطر هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تنفيذ اتفاق لا يملك أدوات تنفيذه الذاتية؟ الإجابة الوحيدة التي يقدمها الاتفاق هي: الولايات المتحدة. فالوثيقة تجعل واشنطن الضامن الوحيد للعملية بأكملها، سياسيًا وأمنيًا. غير أن هذا الضمان، على أهميته، يحمل في داخله نقطة ضعف أساسية، لأنه يجعل الاتفاق مرتبطًا باستمرار الانخراط الأميركي، وباستمرار الأولوية التي تمنحها الإدارات الأميركية للملف اللبناني. وفي منطقة تتغير فيها الأولويات بسرعة، ويُعاد فيها توزيع الموارد الاستراتيجية بصورة مستمرة، فإن أي تراجع أميركي مستقبلي قد يحوّل الاتفاق إلى وثيقة بلا قوة دفع حقيقية. ولا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما توقيع مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية لمدة ستين يومًا، والتي تبدو وكأنها توفر مظلة زمنية مؤقتة تسمح للطرفين بإدارة ملفات الاشتباك دون الوصول إلى مواجهة مباشرة. من هذه الزاوية، يصبح الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي جزءًا من هندسة تهدئة إقليمية أوسع، أكثر منه مبادرة مستقلة بذاتها. فإذا نجحت التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية، قد يجد الاتفاق فرصة للتقدم. أما إذا انهارت تلك التفاهمات، فإن الوثيقة نفسها قد تتحول إلى أولى ضحايا التصعيد الجديد. لكن الاختبار الحقيقي للاتفاق لا يبدأ في قاعات التوقيع، بل على الأرض. فالوثيقة اختارت أن تبدأ بمنطقتين تجريبيتين، إحداهما شمال الليطاني والأخرى جنوبه، باعتبارهما مختبرًا عمليًا لقياس إمكانية تطبيق النموذج قبل تعميمه. وهذا الخيار يعكس إدراكًا ضمنيًا لدى جميع الأطراف بأن الاتفاق يحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة، وأن الانتقال مباشرة إلى تنفيذ شامل قد يؤدي إلى انهياره الكامل منذ اللحظة الأولى. غير أن نجاح التجربة المحدودة لا يعني بالضرورة نجاح المشروع بأكمله، كما أن فشلها قد ينسف الاتفاق قبل أن يغادر مرحلته الأولى. وبين هذين الاحتمالين، تتوزع السيناريوهات المستقبلية. السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تجميد تدريجي للاتفاق؛ فلا ينهار رسميًا، ولا يتقدم عمليًا، بل يبقى قائمًا شكليًا مع تنفيذ جزئي لبعض البنود وإرجاء القضايا الأكثر حساسية. أما السيناريو الثاني فيقوم على نجاح محدود داخل المنطقتين التجريبيتين، بما يسمح ببناء قدر من الثقة قد يفتح الباب أمام توسع تدريجي لاحق. ويبقى السيناريو الأخطر هو تحول عملية نزع السلاح إلى مصدر احتكاك داخلي، بما يعيد إنتاج الانقسام اللبناني في صورة أكثر حدّة، خصوصًا إذا اعتبر أي طرف أن تنفيذ الاتفاق يستهدف توازنات القوة داخل البلاد. أما السيناريو الرابع، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأعلى كلفة، فيتمثل في انهيار الاتفاق بالكامل نتيجة تصعيد إقليمي واسع يعيد الجنوب اللبناني إلى دائرة الحرب المفتوحة، ويطيح بكل ما بُني على الورق. في المحصلة، لا يبدو الاتفاق الإطاري الثلاثي نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة من إدارة الصراع. إنه إنجاز دبلوماسي بلا شك، لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يكون إنجازًا استراتيجيًا. فالوثائق تستطيع أن ترسم الطريق، لكنها لا تستطيع أن تضمن السير فيه. ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لن تُقاس بعدد البيانات الرسمية التي ستصدر حوله، ولا بحجم الترحيب الدولي الذي سيحظى به، بل بمدى قدرة التجربة الأولى في المنطقتين النموذجيتين على الصمود أمام تعقيدات الواقع اللبناني وتشابكات الإقليم. skip render: ucaddon_box_testimonial
برحيل آلان غرينسبان عن عمر ناهز المئة عام، يطوي الاقتصاد العالمي صفحة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في رسم السياسات النقدية خلال العقود الأربعة الأخيرة. كان الرجل الذي قاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بين عامي 1987 و2006، وشهدت الولايات المتحدة في عهده أطول فترات النمو الاقتصادي المستدام، كما واجه خلال مسيرته سلسلة من الأزمات المالية والنقدية التي شكّلت اختبارات حقيقية للنظام الاقتصادي الأميركي. لكن أهمية غرينسبان لا تكمن فقط في كونه رئيساً سابقاً للاحتياطي الفيدرالي، بل في كونه نموذجاً لفهم العلاقة المعقدة بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي، وبين نجاح المؤسسات وقابلية الخطأ البشري، وهي العلاقة التي تبدو أكثر إلحاحاً عند النظر إلى التجربة اللبنانية المعاصرة. رجل هزّ الأسواق على مدى نحو عشرين عاماً، تولى غرينسبان مسؤولية حماية استقرار الدولار والحفاظ على توازن الاقتصاد الأميركي. وبفضل موقعه الاستثنائي، اعتبره كثيرون الرجل الثاني في الدولة الأميركية بعد الرئيس. وكانت الأسواق العالمية تتابع تصريحاته المحدودة بدقة، لأن كلماته كانت قادرة على تحريك تريليونات الدولارات في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الرجل الذي اعتُبر لسنوات طويلة رمزاً للنجاح الاقتصادي لم يخرج من التاريخ بلا أخطاء. فقد اتُّهم لاحقاً بالمساهمة في خلق بيئة مالية ساعدت على تضخّم فقاعات الأصول، بدءاً من فقاعة شركات التكنولوجيا في أواخر التسعينيات، وصولاً إلى الظروف التي مهّدت لأزمة الرهن العقاري والانهيار المالي العالمي عام 2008. skip render: ucaddon_material_block_quote المفارقة اللبنانية هنا تكمن المفارقة المهمة بالنسبة إلى لبنان. فالولايات المتحدة امتلكت مؤسسات قادرة على مراجعة أخطائها. وعندما انفجرت الأزمة المالية، وقف غرينسبان نفسه أمام الكونغرس معترفاً بأن بعض افتراضاته حول كفاءة الأسواق كانت خاطئة، وأنه اكتشف “خللاً” في النموذج الذي آمن به لعقود. أما في لبنان، فإن أحداً لم يقف حتى اليوم ليقدّم مراجعة مماثلة. فمنذ أوائل التسعينيات، بُني الاقتصاد اللبناني على فلسفة لا تختلف كثيراً عن بعض المبادئ التي سادت عالمياً في زمن غرينسبان: الاعتماد على التدفقات المالية، وتوسيع الائتمان، واستقطاب الرساميل، وربط الاستقرار الاقتصادي بالاستقرار النقدي. غير أن الفارق الجوهري كان أن الولايات المتحدة امتلكت اقتصاداً منتجاً ومؤسسات رقابية ودولة قادرة على امتصاص الصدمات، بينما اعتمد لبنان على اقتصاد ريعي هشّ، وعلى تدفقات خارجية متقلّبة. اقتصاد على الثقة كان غرينسبان يدير الدولار، العملة الاحتياطية الأولى في العالم، فيما كان لبنان يدير نظاماً نقدياً يعتمد بالكامل تقريباً على الثقة. وعندما اهتزّت هذه الثقة، انهار البناء بأكمله. ولعل المقارنة الأكثر دلالة تكمن في مفهوم استقلالية المصرف المركزي. ففي الولايات المتحدة، ورغم الضغوط السياسية الهائلة، ظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة قادرة على اتخاذ قراراتها ضمن إطار قانوني واضح. أما في لبنان، فقد تحوّلت السياسة النقدية تدريجياً إلى جزء من الصراع السياسي ومنظومة المحاصصة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين القرارات الاقتصادية والاعتبارات السلطوية. لقد واجه غرينسبان انتقادات قاسية بسبب ثقته المفرطة بالسوق الحرة، لكنه ظل يعمل ضمن منظومة مؤسساتية تسمح بالمحاسبة والتصحيح. أما الأزمة اللبنانية فكانت أزمة غياب للمؤسسات نفسها. فالانهيار لم يكن نتيجة قرار نقدي واحد أو خطأ فردي بعينه، بل نتيجة تراكم عقود من السياسات غير المستدامة، وغياب الرقابة، واندماج السلطة السياسية بالمصالح المالية. أزمة مؤسسات لا أفراد ومن المفيد التوقف عند مسألة أخرى. فقد كان غرينسبان يؤمن بأن الأسواق قادرة، إلى حد بعيد، على تنظيم نفسها. وبعد أزمة 2008 اعترف بأن هذا الإيمان لم يكن دقيقاً كما تصوّر. أما في لبنان، فإن التجربة ذهبت إلى النقيض الآخر: لم تكن هناك أسواق حرة حقيقية ولا مؤسسات رقابية فعالة، بل مزيج معقّد من الاحتكارات السياسية والمالية التي جعلت الخسائر العامة تتحول إلى خسائر وطنية شاملة. وعندما نتأمل مسيرة الرجل الذي منحته الولايات المتحدة أعلى أوسمتها، ندرك أن قيمة التجربة الأميركية لم تكن في عصمة المسؤولين من الخطأ، بل في قدرة النظام على الاعتراف بالخطأ ومراجعته. فالدول لا تنهار لأن خبراءها يخطئون، بل لأنها ترفض الاعتراف بالأخطاء بعد وقوعها. ربما لهذا السبب يحمل رحيل آلان غرينسبان دلالة تتجاوز حدود الولايات المتحدة. فهو يذكّر اللبنانيين بأن الأزمات الاقتصادية الكبرى لا تبدأ عادة بالانهيار، بل تبدأ حين تتحول النجاحات المؤقتة إلى عقائد مقدسة لا يجوز نقدها، وحين يصبح الاستقرار النقدي بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي. لقد ترك غرينسبان وراءه إرثاً متناقضاً؛ فهو مهندس واحدة من أكثر فترات الازدهار الاقتصادي الأميركي، وأحد المتهمين بالمساهمة في خلق الظروف التي سبقت أكبر أزمة مالية عالمية منذ الكساد الكبير. لكن الفارق بين واشنطن وبيروت أن الأميركيين ناقشوا أخطاءه في الكونغرس والجامعات ووسائل الإعلام، بينما لا يزال اللبنانيون مختلفين حتى اليوم على تعريف الأزمة نفسها، وعلى تحديد من تسبب بها، ومن يجب أن يتحمل كلفتها. skip render: ucaddon_box_testimonial