في التاريخ الإنساني قاعدة تكاد لا تتغيّر: كلما ارتفع صوتٌ يدعو إلى الإصلاح، تحرّكت في مواجهته منظومةُ المصالح التي ترى في التغيير تهديدًا مباشرًا لنفوذها. لا يبدأ الصراع عادةً بمناقشة الفكرة، بل بمحاولة إسقاط حاملها. فالعاجز عن هدم الحُجّة يلجأ إلى هدم صاحب الحُجّة، وهذه ليست ظاهرةً معاصرة، بل سُنّة اجتماعية عرضها القرآن الكريم بوضوح في قصة نبي الله نوح عليه السلام في سورة المؤمنون، حيث تتكرر الأساليب نفسها بأسماء مختلفة وأدوات أكثر حداثة. وإذا كان التاريخ الإسلامي والعربي الحديث قد عرف شخصيات أثارت جدلًا واسعًا، فإن تجربة الشيخ أحمد الأسير الحسيني، سواء اتفق معه المرء أو اختلف، تمثل نموذجًا لكيفية انتقال المواجهة من مناقشة الخطاب إلى استهداف الشخص، وتحويله إلى عنوان لصراع سياسي وإعلامي وأمني تجاوز، في كثير من مراحله، حدود النقاش الفكري. الأسلوب الأول الذي يرسمه القرآن هو استنقاص ما ليس بنقص. قال تعالى: «مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»، وكأن كون الإنسان بشرًا يُسقط رسالته. إنها محاولة لتقليل قيمة صاحب الدعوة عبر التركيز على صفات لا علاقة لها بصحة ما يقول. واليوم تتكرر الصورة بأشكال مختلفة؛ فهذا صغير السن، وذاك ليس من النخبة، وآخر لا ينتمي إلى المؤسسة الدينية التقليدية، ورابع لا يحظى باعتراف السلطة. وكأن الحق يحتاج إلى بطاقة اعتماد من أصحاب النفوذ حتى يصبح حقًّا. وفي الحالة اللبنانية، لم يكن الشيخ أحمد الأسير يُناقَش، في كثير من الأحيان، من زاوية أفكاره ومواقفه، بل من خلال صور نمطية سعت إلى نزع الشرعية عنه قبل الدخول في مضمون خطابه، ليصبح السؤال: «من هو؟» بدلًا من «ماذا يقول؟». أما الأسلوب الثاني فهو الطعن في النوايا. فالقرآن ينقل عن قوم نوح قولهم: «يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ»، أي إن الدافع ليس الإصلاح، بل حب الزعامة والسيطرة. وهذه واحدة من أكثر وسائل التشويه انتشارًا في عالم السياسة والإعلام. فكل من يرفع صوته ضد الفساد أو الظلم يُتَّهم بأنه يبحث عن الشهرة أو المال أو النفوذ أو تنفيذ أجندات خفية، من دون تقديم دليل واحد على تلك الادعاءات. وهنا تتحول النيات إلى ساحة معركة بديلة عن الحقائق، لأن النوايا لا يمكن إثباتها أو نفيها، فتُستخدم سلاحًا دائمًا لإسكات الخصوم. الأسلوب الثالث هو اشتراط ما ليس بشرط. فقد قالوا: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً»، وكأن صدق الرسالة مرهون بمن يحملها، لا بمضمونها. واليوم يتكرر المشهد بصورة أخرى؛ فلا يُقبل الرأي إلا إذا صدر عن مؤسسة معينة، أو شخصية معروفة، أو جهة سياسية نافذة، أو إذا وافقت عليه جماعة بعينها. أما إذا خرج من خارج المنظومة، فيُرفض مهما حمل من أدلة وبراهين. skip render: ucaddon_material_block_quote فالحق لا يصبح حقًّا لأن الأكثرية قالته، ولا يبطل لأن صاحبه فرد أو أقلية. ولو كان معيار الحقيقة هو العدد أو السلطة، لما بقي في التاريخ مصلح واحد. وعندما تفشل تلك الوسائل، يأتي الافتراء والتوصيفات الجاهزة، وهو الأسلوب الرابع. قالوا عن نوح: «إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ»، أي مجنون. وفي عصرنا لا تُستخدم الكلمة ذاتها، لكنها تُستبدل بمصطلحات سياسية وإعلامية جاهزة: متطرف، شعبوي، مؤدلج، رجعي، عميل، إرهابي، أو خارج عن الإجماع. وهذه الأوصاف غالبًا لا تكون مدعومة بحوار علمي أو نقاش موضوعي، بل تؤدي وظيفة واحدة: إقناع الجمهور بأن الشخص لا يستحق حتى الاستماع إليه. إن إطلاق التوصيفات لا يُغني عن تقديم الأدلة، لكنه يبقى أداة فعالة في صناعة الرأي العام عندما تتحول وسائل الإعلام إلى منصات تعبئة، لا منصات نقاش. ويبقى الأسلوب الخامس، وهو الأخطر: إشاعة الشك وانتظار الزلة. قالوا: «فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ»، أي انتظروا سقوطه. وهي سياسة لا تزال حاضرة بقوة؛ يُقال للناس: انتظروا، ستنكشف حقيقته، الأيام ستثبت ما نقول، خلفه جهات خفية، تمويل مشبوه، مشروع غامض… من دون وثيقة أو برهان. ويصبح المطلوب من الجمهور أن يعيش على الشك، لا على الحقائق. وإذا وقع المصلح في خطأ بشري، وهو أمر لا يسلم منه أحد، يُقدَّم ذلك الخطأ بوصفه دليلًا على أن كل ما قاله باطل، وكأن العصمة شرط لكل من يدعو إلى الإصلاح. الفرق كبير بين نقد الفكرة واغتيال الشخصية، وبين محاكمة الوقائع ومحاكمة الصور المصنوعة ليست هذه القراءة دعوة إلى تقديس الأشخاص، ولا إلى إعفاء أي شخصية عامة من النقد أو المساءلة، فالاختلاف مع الشيخ أحمد الأسير أو مع غيره حق مشروع، بل ضرورة في الحياة العامة. لكن الفرق كبير بين نقد الفكرة واغتيال الشخصية، وبين المحاكمة القائمة على الوقائع والمحاكمة التي تُبنى على حملات التشويه وصناعة الصور الذهنية. لقد علّمنا القرآن أن هذه الأساليب ليست جديدة، بل صاحبت جميع الأنبياء والمصلحين عبر التاريخ. تتغير الأسماء، وتتبدل الوسائل، لكن المنهج يبقى واحدًا: إذا عجزت عن هدم الفكرة، فحاول إسقاط صاحبها. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل مجتمع يريد أن يكون حرًّا: هل نحاكم الرجال بما يقولون ويفعلون وفق الأدلة والوقائع، أم نكتفي بما تصنعه الحملات الإعلامية والانطباعات المسبقة؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
ليست الدولة مشروعًا لإدارة السلطة فحسب، بل هي فنُّ إدارة التوازنات. وكلما ازداد الوطن تنوعًا، ازدادت حاجته إلى رجال دولة يدركون أن الحكمة ليست في الانحياز إلى طرف، وإنما في الانتصار للوطن. تلك كانت المدرسة التي جسّدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ مدرسة تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة، ولا تُحفظ بالقطيعة، بل بحسن إدارة العلاقات. كان يدرك أن لبنان ليس جزيرةً معزولة عن محيطه، وأن الجغرافيا ليست خطوطًا على الخرائط، بل قدرٌ سياسي وتاريخي. ومن هنا، فإن سورية لم تكن في نظره مجرد دولة مجاورة، بل عمقًا استراتيجيًا يرتبط بلبنان بروابط التاريخ والاقتصاد والمجتمع، كما يرتبط النهر بمنابعه. غير أن هذا الإدراك لم يكن يومًا على حساب استقلال لبنان أو سيادة قراره. السياسة الرشيدة فالسياسة الرشيدة لا تعرف التناقض بين السيادة والعلاقات الأخوية، بل تجعل من احترام السيادة أساسًا لعلاقات أكثر متانة. ولذلك، فإن المعادلة التي وضعها الرئيس رفيق الحريري، والتي تعبّر عن فلسفة الدولة، هي: لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية. فأن يُحكم لبنان من خارج حدوده يعني انتقاصًا من سيادته، وأن يُبنى حكمه على معاداة سورية يعني تجاهلًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح الشعبين. أما الطريق الثالث، فهو طريق الدولة الواثقة بنفسها؛ الدولة التي تمتلك قرارها الحر، وتبني، في الوقت نفسه، أفضل العلاقات مع محيطها العربي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فرض الاحترام لقد كان رفيق الحريري يؤمن بأن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها في وجه الجميع، بل تلك التي تجعل الجميع يحترمونها. فالاحترام لا يُنتزع بالخصومة، وإنما يُكتسب بقوة المؤسسات، وعدالة القانون، ووضوح الرؤية، وثبات القرار. في الفلسفة السياسية، لا يعيش الوطن بين خيارين متطرفين: التبعية أو العداء. فالتبعية تُضعف الإرادة الوطنية، والعداء الدائم يُقفل أبواب المستقبل. أما الاعتدال، فهو فضيلة الدول الكبرى، لأنه يجعل من الحوار أداةً لحل النزاعات، ومن المصالح المشتركة جسرًا للاستقرار. إن لبنان، بحكم رسالته، لا يستطيع أن يكون خندقًا في مواجهة أشقائه، ولا ساحةً يُدار فيها صراع الآخرين. رسالته أن يكون مساحة لقاء، وجسر تواصل، ونموذجًا لدولة عربية حرة، مستقلة، منفتحة على الجميع، ومتمسكة، في الوقت نفسه، بسيادتها الكاملة. skip render: ucaddon_material_block_quote ميزان اليوم وهذا هو الميزان الذي تحتاجه الجمهورية اليوم: سيادة لا تعرف المساومة، وعلاقات لا تعرف القطيعة، وانتماء عربي لا يتعارض مع استقلال القرار الوطني. فالأوطان لا تقوى بعزل نفسها عن محيطها، ولا تضعف حين تمد جسور التعاون من موقع الندّية والاحترام. إن إرث رفيق الحريري لم يكن مشروع إعمار للحجر فحسب، بل مشروع إعمار للعقل السياسي اللبناني؛ عقلٍ يؤمن بأن الدولة تُقاس بقدرتها على الجمع بين الثوابت والمتغيرات، وبين الكرامة الوطنية وحكمة الانفتاح، وبين استقلال القرار وحسن الجوار. وعندما ينجح لبنان في ترسيخ هذه المعادلة، يصبح أكثر قوة في الداخل، وأكثر احترامًا في الخارج، ويؤكد أن سيادته لا تُبنى على الخصومة، كما أن علاقاته لا تقوم على التبعية، بل على ميزان دقيق عنوانه: لبنان سيدٌ في قراره، عربيٌّ في انتمائه، وسورية تبقى عمقه الاستراتيجي الذي تُبنى العلاقة معها على الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وسيادة الدولتين. الاعتدال ليس ضعفًا؛ إنه قدرة الدولة على حماية سيادتها من دون أن تحرق جسورها وفي هذا السياق، يقرأ كثيرون في مواقف الرئيس أحمد الشرع توجّهًا يقوم على التأكيد أن استقرار سورية ولبنان لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوازنة بين دولتين سيدتين، تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقد عكست تصريحاته ومواقفه الداعية إلى احترام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، رؤيةً تنسجم مع الفلسفة التي طالما دعت إلى أن تكون العلاقة بين البلدين علاقة تعاون لا تبعية، وشراكة لا وصاية. من هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تقوم على أن لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية، أكثر قدرةً على استيعاب التحولات التي تشهدها المنطقة. فهي لا تنكر أن سورية تمثل عمقًا استراتيجيًا للبنان، ولا تتهاون، في الوقت نفسه، مع حق اللبنانيين في أن يكون قرارهم الوطني نابعًا من مؤسساتهم الدستورية وإرادتهم الحرة. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يكن اختيار مكة المكرمة مكانًا لتوقيع الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، كما أن اجتماع ثلاث دول تختلف في جغرافيتها ومصالحها وحساباتها الاستراتيجية تحت عنوان واحد هو «الدفاع المشترك» لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إضافة جديدة إلى قائمة الاتفاقيات الأمنية التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية. ما جرى في مكة في السابع من أغسطس 2026 يحمل، في توقيته وأطرافه ومضمونه، رسالة تتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، وتقول إن ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي بدأت تبحث عن صيغة جديدة للأمن لا تقوم بالكامل على المظلات الخارجية التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. مكوّنات قوة فالرياض وأنقرة وإسلام آباد ليست دولًا هامشية في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة؛ السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع الديني والسياسي في العالم الإسلامي، وتركيا تمتلك جيشًا من أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي، وصناعة دفاعية صاعدة، وقدرة متزايدة على التأثير في ملفات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات نووية تجعلها مختلفة جذريًا عن معظم الدول الإسلامية. وعندما تجتمع هذه المكوّنات الثلاثة في إطار دفاعي ينص على أن الاعتداء على دولة منها هو اعتداء على الدولتين الأخريين، فإن السؤال الطبيعي يصبح: هل نحن أمام اتفاق دفاعي محدود، أم أمام محاولة لبناء نواة لنظام أمني إقليمي جديد؟ اللافت أن الاتفاق لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه، في سبتمبر 2025، توقيع السعودية وباكستان اتفاقًا استراتيجيًا للدفاع المشترك، تعهّد بموجبه الطرفان بالتعامل مع أي عدوان على أحدهما باعتباره عدوانًا على الآخر، وهو ما منح العلاقة العسكرية بين الرياض وإسلام آباد إطارًا أكثر وضوحًا مما كان عليه الحال في السابق. كما شهد العام الحالي تطورات عسكرية عززت الطابع العملي لهذه العلاقة، بما في ذلك وصول قوات وطائرات باكستانية إلى السعودية في إطار التعاون الدفاعي المشترك. skip render: ucaddon_material_block_quote دخول تركيا لكن دخول تركيا إلى المعادلة يغيّر الحسابات بصورة كبيرة. فأنقرة ليست مجرد حليف عسكري لإسلام آباد أو شريك سياسي للرياض، بل دولة عضو في الناتو، وتمتلك صناعة دفاعية باتت لاعبًا مهمًا في الأسواق العالمية، كما أن لديها نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر في ملفات تمتد من سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز والبحر الأسود وشرق المتوسط. ولذلك، فإن وجود تركيا إلى جانب السعودية وباكستان يجعل الاتفاق أكثر تعقيدًا من أن يُفهم باعتباره مجرد «تحالف إسلامي» بالمعنى التقليدي. إنها محاولة، ربما، للجمع بين المال والطاقة والموقع الديني السعودي، والقوة الصناعية والعسكرية التركية، والقدرات العسكرية والنووية الباكستانية، في إطار واحد يمكن أن يمنح أطرافه مساحة أكبر للمناورة أمام القوى الكبرى. الأسئلة الصعبة وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الصعبة. هل يستطيع هذا الاتفاق أن يتحول إلى حلف دفاعي فعلي على غرار حلف شمال الأطلسي؟ وهل يعني مبدأ «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» التزامًا عسكريًا آليًا بإرسال القوات والسلاح، أم أنه سيبقى صيغة سياسية قابلة للتأويل بحسب طبيعة الهجوم والظروف الدولية؟ وما حدود الاتفاق؟ وهل يشمل الاعتداءات الصاروخية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، أم أنه يقتصر على الحرب التقليدية؟ وهل توجد قيادة عسكرية مشتركة، أو خطط عمليات موحّدة، أو قواعد لاستخدام القوة، أم أن التفاصيل ما زالت في مرحلة التفاهم السياسي؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، لأنها تحدد الفرق بين اتفاق سياسي ذي قيمة رمزية وتحالف عسكري قادر بالفعل على تغيير قواعد اللعبة. ومع ذلك، فإن مجرد ولادة الاتفاق في هذه اللحظة يحمل دلالة سياسية واضحة. فالشرق الأوسط لم يعد يعيش في البيئة الأمنية التي كانت قائمة قبل سنوات. الثقة بالمظلات الأمنية التقليدية أصبحت أكثر تعقيدًا، والدول الإقليمية باتت أكثر إدراكًا لحقيقة أن القوى الكبرى قد تكون حاضرة بقوة في لحظة، ثم تعيد ترتيب أولوياتها في لحظة أخرى. ومن هنا يأتي السعي المتزايد لدى دول المنطقة إلى بناء قدرات ذاتية وشبكات أمنية متعددة بدل الاعتماد على حليف واحد. تنوّع الشراكات السعودية، تحديدًا، تبدو في السنوات الأخيرة أكثر رغبة في تنويع شراكاتها الدولية. فهي لا تريد أن تكون علاقتها بالولايات المتحدة هي الباب الوحيد الذي تدخل منه إلى النظام الدولي، كما أنها وسّعت علاقاتها مع الصين وروسيا وقوى آسيوية وأوروبية، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقاتها الأمنية مع واشنطن. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الاتفاق مع تركيا وباكستان باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على تنويع الخيارات، لا بالضرورة قطع الجسور مع الغرب. أما تركيا، فتبدو معنية ببناء مساحة نفوذ مستقلة نسبيًا داخل العالم الإسلامي، خصوصًا في ظل امتلاكها أدوات قوة ناعمة وصلبة في آن واحد. وهي تدرك أن صناعاتها الدفاعية، من الطائرات المسيّرة إلى الأنظمة الإلكترونية والصواريخ، تمنحها ورقة نفوذ اقتصادية وسياسية تتجاوز صادرات السلاح نفسها. دخولها في اتفاق دفاعي مع الرياض وإسلام آباد قد يفتح أيضًا آفاقًا جديدة للتعاون الصناعي والتقني والتسليحي بين الدول الثلاث. أما باكستان، فإن المعادلة بالنسبة إليها أكثر وضوحًا؛ فهي تمتلك القوة العسكرية والقدرات النووية، لكنها تحتاج، في المقابل، إلى شراكات اقتصادية واستراتيجية عميقة، فيما تمثل السعودية بالنسبة إليها شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا بالغ الأهمية، وتمثل تركيا شريكًا دفاعيًا وسياسيًا متناميًا. ولذلك، يمكن لإسلام آباد أن ترى في الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، خصوصًا في ظل حساسياتها المستمرة مع الهند وحاجتها إلى توسيع شبكة علاقاتها الاستراتيجية. لكن من الخطأ اختزال الاتفاق في مواجهة طرف بعينه. قد يذهب البعض مباشرة إلى القول إن «اتفاق مكة» موجّه ضد إيران، أو ضد الهند، أو ضد إسرائيل، أو ضد النفوذ الأميركي، لكن مثل هذه القراءة السريعة قد تكون مضللة. الاتفاق، في صيغته المعلنة، يتحدث عن الردع المشترك والدفاع والأمن والاستقرار، ولم يحدد عدوًا بعينه. والقوة الحقيقية لأي تحالف دفاعي لا تُقاس بعدد الخصوم الذين يسمّيهم، بل بقدرته على بناء منظومة تجعل أي خصم يفكر مرتين قبل اختبارها. وهنا تكمن أهمية العبارة الأساسية في الاتفاق: «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع». هذه العبارة وحدها كافية لإعادة رسم بعض الحسابات العسكرية في المنطقة، لأن أي دولة تفكر في توجيه ضربة إلى إحدى الدول الثلاث عليها، نظريًا على الأقل، أن تضع في حساباتها رد فعل دولتين أخريين؛ إحداهما قوة نووية، والأخرى قوة عسكرية إقليمية كبرى، والثالثة دولة ذات موارد اقتصادية هائلة وموقع استراتيجي وديني استثنائي. السعودية وتركيا وباكستان… التحالف الذي قد يغيّر معادلات المنطقة الردع الحقيقي لكن الردع لا يقوم على الكلمات وحدها. الردع يحتاج إلى قدرة عسكرية، وإلى إرادة سياسية، وإلى آليات تنفيذ، وإلى وضوح في تعريف الاعتداء، وإلى ثقة متبادلة بين الحلفاء. وهذه هي النقطة التي ستحدد مستقبل «اتفاق مكة». فالتاريخ مليء بالمعاهدات التي كانت تبدو قوية على الورق، ثم اكتشف العالم، عند أول اختبار حقيقي، أن التحالفات لا تُقاس بما يوقّعه القادة في القاعات