لم يعد ممكنًا التعامل مع بعض ملامح السلوك السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها مجرد نزعة شعبوية أو استعراضًا إعلاميًا مألوفًا فالمسألة، في بعض تجلياتها، تتجاوز حدود السياسة إلى تخوم الاعتقاد، حيث تُستدعى الرموز الدينية وتُستحضر الطقوس بوصفها أدوات إسناد لقرارات تمسّ مصائر شعوب بأكملها.هنا، يتبدّى مشهد مقلق: دولة تُعرّف نفسها دستوريًا كعلمانية، بينما تُدار بعض سردياتها السياسية بعقلٍ ميثولوجي يرى في الصراع امتدادًا لخطة إلهية، لا مجرد توازنات قوة ومصالح.ليست هذه النزعة حبيسة الخطاب، بل تتسرّب إلى بنية المؤسسة العسكرية، حيث جرى في أكثر من سياق تأطير الحرب باعتبارها جزءًا من “المشيئة الإلهية”، وربط القيادة السياسية بتصورات مسيانية تستدعي نهاية الأزمنة. إنها لغة تُفرغ السياسة من عقلانيتها، وتعيدها إلى حقل النبوءات. حين يُعاد تعريفُ الصراعِ بوصفِه معركةً كونية، تصبحُ كلُّ تسويةٍ خيانة، وكلُّ عقلانيةٍ ضعفًا هرمجدون: الجغرافيا تتحول إلى نبوءةهذه اللغة تستحضر مفردات مثل معركة هرمجدون الواردة في سفر الرؤيا، حيث يُرسم مشهد كوني لصراع نهائي بين الخير والشر. غير أن الخطر لا يكمن في النصوص ذاتها، بل في انتقالها من فضاء الإيمان الفردي إلى مركز القرار السياسي والعسكري. حين يُعاد تعريف الصراع بوصفه معركة كونية، تصبح كل تسوية خيانة، وكل عقلانية ضعفًا. وهنا، لا يعود السلاح النووي أخطر ما في المعادلة، بل العقل الذي قد يضعه في خدمة أسطورة، ويمنحه شرعية دينية. البقرة الحمراءفي إسرائيل، تتقدم قراءة دينية للتاريخ لتتحول إلى مشروع سياسي كامل. لم تعد التوراة مجرد نص ديني، بل باتت تُستدعى بوصفها وثيقة ملكية وصراعًا دائمًا، حيث تتداخل الأسطورة مع القرار، ويُعاد إنتاج الماضي كخطة للمستقبل.ضمن هذا السياق، تبرز أفكار إعادة بناء الهيكل، وما يرتبط بها من طقوس ورموز، من بينها “البقرة الحمراء” بوصفها إشارة لبدء ما يُسمى تطهير المكان. هذه ليست مجرد عقيدة دينية، بل مشروع سياسي-رمزي يجري الإعداد له، في انتظار لحظة تتحول فيها الإشارة إلى فعل. إيران: الانتظار كاستراتيجيةعلى الضفة الأخرى، لا يبدو المشهد أقل تشبعًا بالميتافيزيقا، وإن اختلفت اللغة والرموز. فإيران تؤسس جزءًا من خطابها السياسي على عقيدة المهدي المنتظر، حيث يُنظر إلى التاريخ بوصفه مسارًا نحو لحظة ظهور الإمام الغائب، الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا.في هذا الإطار، لا تُقرأ الصراعات الجارية فقط كتنافس جيوسياسي، بل كتمهيد لحدث كوني أكبر. بعض التيارات داخل البنية الأيديولوجية ترى في الفوضى والاضطراب مقدمات ضرورية للظهور، ما يمنح الصراع بُعدًا يتجاوز الحسابات التقليدية للربح والخسارة. هنا، يتحول “الانتظار” من حالة روحية إلى أداة تعبئة سياسية، ويصبح الصبر الاستراتيجي جزءًا من سردية دينية ترى في الزمن حليفًا، لا عامل ضغط. حين يلتقي اليقين بالبارودوقد تجلّى هذا التداخل الخطير حين استعاد بنيامين نتنياهو في خطاباته إشارات توراتية إلى صراعات قديمة، مستحضرًا رمزية “العماليق” بوصفها إطارًا تفسيريًا لمعركة معاصرة. هذا الاستدعاء لا يهدف فقط إلى التعبئة، بل إلى إعادة تعريف الخصم كعدو أبدي خارج الزمن السياسي.في المقابل، حين تُقرأ التحركات الإقليمية ضمن أفق عقائدي ينتظر لحظة الخلاص الكبرى، فإن الصراع يفقد طبيعته القابلة للاحتواء، ويتحول إلى مواجهة مفتوحة على المطلق. عندها، لا يعود هناك مكان للحلول الوسط، لأن كل طرف يرى نفسه امتدادًا لإرادة أعلى. نهاية السياسة وبداية الأسطورةفي مثل هذا السياق، تغدو الحرب أكثر من مجرد صراع على الأرض أو النفوذ؛ تتحول إلى معركة وجودية ذات طابع صفري. فالعقل العقائدي لا يعترف بالخسارة، لأنه لا يرى في البشر سوى أدوات في خدمة “الحقيقة المطلقة”.لقد ظنّ العالم، بعد قرون من الحروب الدينية، أنه تجاوز تلك المرحلة نحو عصر تُدار فيه النزاعات بالعقل السياسي. غير أن ما نشهده اليوم يعيدنا إلى نقطة مقلقة، حيث تختلط السلطة بالنبوءة، ويُستبدل المنطق بالأسطورة. بينَ هرمجدونَ والظهور، يضيقُ المجالُ السياسيّ وتخسرُ الإنسانيّة إن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس فقط حجم القوة المتاحة، بل طبيعة الوعي الذي يديرها. بين من ينتظر "هرمجدون"، ومن يترقب "الظهور"، يتآكل المجال السياسي، وتضيق مساحة الإنسان. حين تُدار الحروب بهذه اللغة، لا يعود السؤال: من سيربح؟ بل: هل بقي ما يستحق أن يُربح أصلًا؟
Dahieh night Dahieh night 3 Dahieh night 2 Dahieh night 4
بينما كانت الطائرات الفرنسية تحطّ في مطار مهر آباد عام 1979، لم يكن العالم يدرك أنّ الشرق الأوسط على أعتاب زلزال جيوسياسي لن تتوقف ارتداداته لعقود.اليوم، وبعد مرور أكثر من 45 عامًا، تقف إيران قوّةً إقليميةً استطاعت أن تعيد تعريف مفهوم “السيادة” تحت حصار خانق.بين ضجيج العقوبات وصمت المختبرات، وبين مياه الخليج الدافئة وقمم جبال “فردو” المحصّنة، تبرز قصة دولة لم تكتفِ بالبقاء، بل قررت إعادة تعريف مفهوم القوة الإقليمية. رحلة إيرانية استمرت لعقود، تحدّت فيها القواعد التي وضعها الكبار، لتتحول من دولة “محاصرة” إلى لاعب “محوري” لا يمكن تجاوزه. فكيف فعلت ذلك؟ ولادة من رحم الحصار بدأت الحكاية من الركام. في الثمانينيات، خاضت إيران حربًا دامت ثماني سنوات ضد العراق، وكانت فيها معزولةً تقريبًا عن أي دعم تسليحي عالمي.لم تكن البداية ممهدة بالورود، بل كانت نتاج عقود من “اقتصاد المقاومة”. منذ عام 1979، وجدت إيران نفسها خارج المنظومة المالية العالمية. ولكن، بدلًا من الانهيار، اعتمدت طهران استراتيجية “الاكتفاء الذاتي القسري”.في تلك الخنادق، ولدت فكرة “جهاد الاكتفاء الذاتي”. أدرك القادة الإيرانيون أنّ الاعتماد على الغرب أو الشرق هو انتحار سياسي. فطوّرت إيران شبكةً معقدةً للالتفاف على العقوبات، مما خلق اقتصادًا موازيًا قويًا.وبدلًا من استيراد السلاح، ركزت طهران على الهندسة العكسية، مما أدى إلى ولادة ترسانة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة التي غيّرت معادلات الحروب الحديثة. استراتيجية “الظلال” بينما كان العالم يراقب البرنامج النووي، كانت إيران تبني “حزامًا من النفوذ” يمتد من شواطئ المتوسط إلى باب المندب. لم تكن القوة الإيرانية تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل على ما يُعرف بـ”الدفاع في العمق”. إيران لا تخوض حروبها دائمًا بجيشها النظامي، بل عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين الذين يشكلون حائط صدٍّ أولًا بعيدًا عن حدودها الجغرافية بآلاف الكيلومترات. المسيّرات (الدرونز) أصبحت “براند” إيرانيًا ينافس التقنيات العالمية بكلفة زهيدة، مما جعل “سماء المنطقة” ساحةً مفتوحةً لتوازنات جديدة. وفي النفوذ البحري، تحوّل مضيق هرمز من ممر مائي دولي إلى ورقة ضغط استراتيجية تتحكم في نبض الطاقة العالمي. اللغز النووي في مختبرات “نطنز” و”فردو”، كانت أجهزة الطرد المركزي تدور بسرعة تتجاوز الضغوط الدبلوماسية. استطاعت إيران أن تستخدم ملفها النووي كـ”مشرط جرّاح”؛ فهي تتقدم في التخصيب لانتزاع تنازلات سياسية، وتتراجع خطوةً لتجنب المواجهة الشاملة.هذا “الرقص على الحافة” سمح لها بالوصول إلى عتبة تكنولوجية تجعل من العودة إلى الوراء أمرًا مستحيلًا من الناحية الفنية، وهو ما أجبر القوى الكبرى على إعادة التفاوض بشروط جديدة.وكان الانعطاف الإيراني نحو الصين وروسيا هو المسمار الأخير في نعش العزلة الدولية. فمن خلال اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد، وجدت طهران في “التنين الصيني” شريكًا اقتصاديًا، وفي “الدب الروسي” حليفًا عسكريًا وسياسيًا في مجلس الأمن.إذ لم تعد طهران تبحث عن رضا الغرب، بل أصبحت عضوًا فاعلًا في تكتلات تبني نظامًا عالميًا متعدد الأقطاب، عبر منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس. جمهورية التناقضات والواقعية السياسية اليوم، تقف إيران كجمهورية صعبة المراس، استطاعت أن تفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا. ورغم التحديات الداخلية والأزمات المعيشية التي تلاحق مواطنيها، فإنّ الدولة، في مفهومها الاستراتيجي، قد عبرت جسر “الوجود” إلى ضفة “التأثير”.لقد كسرت إيران قواعد اللعبة العالمية عبر تحويل “العقوبات” من أداة لتركيع النظام إلى وقود لمحرك الابتكار العسكري والسياسي، لتثبت أنّ القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل بالقدرة على الصمود والمناورة في أصعب الظروف.