لم يعد التفوق العسكري في الشرق الأوسط يُقاس بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات فحسب، بل بقدرة الصواريخ منخفضة الكلفة على استنزاف أكثر منظومات الدفاع الجوي تطورًا في العالم. في هذا السياق، يبرز صاروخ «خيبر شكن» بوصفه أحد أهم الأسلحة التي تراهن عليها إيران في إعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أصبح الصاروخ، الذي دخل الخدمة عام 2022، يشكّل العمود الفقري للقوة الصاروخية الإيرانية، ليس لأنه الأكثر تدميرًا، بل لأنه يجمع بين كلفة إنتاج منخفضة نسبيًّا، وسرعة في الإطلاق، وقدرة متزايدة على المناورة، وهو ما يمنحه فرصة أكبر لتحدّي أنظمة الدفاع الأميركية والإسرائيلية. المواجهات الأخيرة ويكشف التقرير أن إيران استخدمت «خيبر شكن» خلال المواجهات الأخيرة ضد قواعد أميركية في الشرق الأوسط، ضمن هجمات مركّبة جمعت بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والصواريخ الأقل تطورًا، في محاولة لإغراق منظومات الدفاع الجوي بعدة تهديدات متزامنة، بدلًا من الاعتماد على سلاح واحد. ويرى مسؤولون أميركيون أن هذه المقاربة تعكس تطورًا واضحًا في العقيدة العملياتية الإيرانية، إذ لم تعد طهران تعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ فحسب، بل باتت تراهن أيضًا على تنويع مسارات الهجوم والسرعات وأنماط الطيران لإرباك الرادارات وأنظمة الاعتراض. ويتميّز الصاروخ، الذي يعمل بالوقود الصلب، بإمكانية نقله وإطلاقه بسرعة من منصات متحركة، بخلاف الصواريخ القديمة التي كانت تحتاج إلى وقت أطول للتجهيز والتزوّد بالوقود، وهو ما يجعل اكتشاف منصاته واستهدافها أكثر صعوبة. كما أن بعض النسخ المتطورة من الصاروخ مزوّدة بقدرات على تعديل مسارها في المرحلة النهائية من الطيران، وهي ميزة تهدف إلى تقليل فرص اعتراضها، خصوصًا في مواجهة أنظمة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات. لكن، رغم هذه التطورات، يؤكد مسؤولون أميركيون أن معظم صواريخ «خيبر شكن» التي أطلقتها إيران خلال الحرب الأخيرة جرى اعتراضها، وإن تمكّن عدد محدود منها من اختراق الدفاعات والو skip render: ucaddon_material_block_quote اقتصاد الحرب لا تكمن أهمية «خيبر شكن» في خصائصه الفنية فقط، بل أيضًا في معادلة الكلفة. فبينما تُقدّر كلفة الصاروخ الإيراني بأنها منخفضة نسبيًّا، تتراوح كلفة الصواريخ الاعتراضية الغربية المستخدمة لإسقاطه بين مليوني دولار و15 مليون دولار، بحسب نوع المنظومة. وهذه الفجوة الاقتصادية تمنح إيران أفضلية في ما يُعرف بـ«حرب الاستنزاف»، حيث يصبح استهلاك مخزون الدفاعات الجوية أكثر كلفة من إنتاج الوسائل الهجومية نفسها، وهي معادلة باتت تشكّل هاجسًا متزايدًا لدى الجيوش الغربية. التعلّم من المعركة ويرى خبراء الصواريخ أن الاستخدام المتكرر لهذا السلاح وفّر لإيران كمًّا كبيرًا من البيانات العملياتية، ما سمح لها بتعديل تكتيكاتها وتحسين فرص اختراق الدفاعات مع كل جولة قتال. ويقول خبراء إن الحروب الحديثة لم تعد مجرد اختبار للأسلحة، بل أصبحت مختبرًا مفتوحًا لتطويرها، إذ تمنح كل مواجهة معلومات عملية يصعب الحصول عليها في ميادين التجارب التقليدية. فلسفة الاستخدام لا يمثّل «خيبر شكن» تحوّلًا ثوريًّا في تكنولوجيا الصواريخ الباليستية بقدر ما يعكس تحوّلًا في فلسفة استخدامها. فإيران تراهن على الدمج بين الكلفة المنخفضة، والإنتاج الكمي، والمرونة التشغيلية، والتكتيكات المتغيرة، لإحداث ضغط مستمر على منظومات دفاعية تُعدّ من الأكثر تطورًا في العالم. وبغضّ النظر عن النتائج الميدانية لكل هجوم، فإن الرسالة التي تحملها هذه المواجهات تتجاوز الصاروخ نفسه: سباق التسلح في الشرق الأوسط لم يعد يدور حول امتلاك السلاح الأكثر قوة، بل حول امتلاك السلاح الأكثر قدرة على استنزاف الخصم، عسكريًّا واقتصاديًّا، وإجباره على إنفاق موارد باهظة لمواجهة تهديد منخفض الكلفة.
skip render: ucaddon_box_testimonial في صيف عام 2026، وعلى الأراضي الأميركية، شهدت بطولة كأس العالم فصلًا دراميًا جديدًا أعاد إحياء واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين بريطانيا والأرجنتين: قضية جزر «الفوكلاند»، أو «المالفين» كما تُسمّى في بوينس آيرس. فمباراة واحدة، ولافتة كُتبت على عجل، كانتا كافيتين لإخراج النزاع من أدراج الدبلوماسية وإعادته إلى واجهة العالم، أمام مئات الملايين من المتابعين. جرح تاريخي بدأت الحكاية عقب صافرة نهاية مباراة نصف النهائي المشتعلة بين الغريمين التاريخيين، الأرجنتين وإنجلترا، والتي حسمها منتخب «التانغو» بنتيجة 2-1، بعدما قلب تأخّره بهدف إلى فوز مثير في الدقائق الأخيرة، وحجز مقعده في المباراة النهائية. وبينما كانت الجماهير الأرجنتينية تحتفل بالعبور إلى النهائي، ظهرت لافتة بيضاء، قيل إنها صُنعت بصورة عفوية من قطعة قماش، كُتب عليها بخط عريض: «جزر المالفين أرجنتينية». وسرعان ما حمل المدافع ليساندرو مارتينيز ولاعب الوسط جيوفاني لو سيلسو اللافتة، ولوّحا بها أمام المدرجات، فتحوّلت لحظة الانتصار الرياضي إلى رسالة سياسية مباشرة أعادت فتح ملفّ سيادي لم يُغلق أصلًا بين لندن وبوينس آيرس. لم تكن العبارة مجرّد هتاف قومي عابر، بل استدعاءً لذاكرة حرب دامية اندلعت عام 1982 حول الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي، بعدما سيطرت القوات الأرجنتينية على الجزر، قبل أن ترسل بريطانيا قوة عسكرية ضخمة لاستعادتها. واستمرت الحرب 74 يومًا، وانتهت بهزيمة الأرجنتين ومقتل 649 عسكريًا أرجنتينيًا و255 عسكريًا بريطانيًا وثلاثة من سكان الجزر. غير أن نهاية القتال لم تُنهِ النزاع، إذ بقيت الجزر تحت الإدارة البريطانية، فيما واصلت الأرجنتين المطالبة بالسيادة عليها وتسميتها «لاس مالفيناس». أزمة فورية بمجرّد انتشار صور اللاعبين واللافتة، خرجت القضية من نطاق الاحتفال الرياضي ودخلت سريعًا في أروقة السياسة والانضباط الكروي. فقد طالبت الحكومة البريطانية الاتحاد الدولي لكرة القدم بفتح تحقيق في الواقعة، معتبرة أن رفع اللافتة يشكّل رسالة سياسية واضحة تخالف القواعد التي تمنع استخدام المباريات والبطولات للترويج لمواقف سياسية أو أيديولوجية. وفي المقابل، وجدت الخطوة ترحيبًا واسعًا في الأرجنتين، حيث لا تزال قضية «المالفين» جزءًا أساسيًا من الوعي الوطني، وتتجاوز الانقسامات الحزبية والسياسية الداخلية. وهكذا، تحوّل انتصار الأرجنتين على إنجلترا من حدث رياضي إلى أزمة دبلوماسية مصغّرة، أعادت التذكير بأن بعض المباريات لا تُلعب بين أحد عشر لاعبًا وأحد عشر لاعبًا فقط، بل بين ذاكرتين وطنيتين وروايتين متناقضتين للتاريخ والسيادة. السياسة والملعب تكمن حساسية الواقعة في أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يرفع منذ سنوات شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، لكنه يجد نفسه باستمرار أمام صعوبة تطبيق هذا المبدأ بصورة متساوية. فكرة القدم الدولية ليست نشاطًا معزولًا عن هوية الشعوب، بل هي أحد أكثر ميادين التعبير الوطني كثافة وتأثيرًا. والمنتخبات لا تمثل اتحادات رياضية فحسب، بل تحمل الأعلام، والنشيد، والذاكرة، وصورة الدولة أمام العالم. لهذا، لا يمكن التعامل مع لافتة «المالفين أرجنتينية» بوصفها قطعة قماش فقط. فهي بالنسبة إلى الأرجنتينيين تأكيد لمطلب سيادي تاريخي، لكنها بالنسبة إلى بريطانيا وسكان الجزر إنكار لخيارهم السياسي وواقع الإدارة البريطانية القائمة. ومن هنا، لم يعد السؤال محصورًا في قانونية اللافتة داخل لوائح «فيفا»، بل امتد إلى سؤال أعمق: هل تستطيع كرة القدم فعلًا أن تبقى محايدة عندما تمسّ المشاعر الوطنية أكثر القضايا التاريخية حساسية؟ ضغط النهائي بعد العاصفة السياسية والإعلامية، واصل المنتخب الأرجنتيني طريقه إلى المباراة النهائية لمواجهة إسبانيا على ملعب نيويورك–نيو جيرسي، المعروف تجاريًا باسم «ميتلايف»، في 19 تموز 2026. دخلت الأرجنتين النهائي وسط ضغط استثنائي. فمن جهة، كانت تسعى إلى الدفاع عن لقبها العالمي، ومن جهة ثانية، كانت بعثتها محاصرة بالجدل المتعلّق باللافتة، والدعوات البريطانية إلى فرض عقوبات، والأسئلة المتكررة حول احتمال اتخاذ «فيفا» إجراءات بحق اللاعبين أو الاتحاد الأرجنتيني. ورغم ذلك، لا تشير مجريات المباراة إلى انهيار نفسي أو فني سبّبته الأزمة السياسية. فقد خاض المنتخب الأرجنتيني مواجهة شديدة الندية أمام إسبانيا. هل أضاعت اللافتة اللقب؟ من السهل، بعد أي خسارة كبرى، البحث عن قصة موازية تفسّر النتيجة، ولا سيما عندما تسبق المباراة أزمة سياسية بهذا الحجم. لذلك، ظهر من يربط بين رفع لافتة «المالفين» وبين فقدان الأرجنتين لقب كأس العالم. لكن هذا الربط يبقى جذّابًا إعلاميًا أكثر مما هو دقيق رياضيًا. فلا توجد أدلّة مباشرة تثبت أن الأزمة الدبلوماسية أثّرت بصورة حاسمة في تركيز اللاعبين أو عطّلت استعداداتهم للنهائي. بل إن الأرجنتين بقيت في قلب المباراة حتى الوقت الإضافي، ولم تُحسم المواجهة إلا بعد الطرد والتغييرات الفنية والضغط الإسباني المتواصل. وبالتالي، فإن القول إن لافتة سياسية «أضاعت كأس العالم» عن الأرجنتين لا يستند إلى دليل ملموس، حتى لو كان من الصعب إنكار أنها فرضت مناخًا مشحونًا وأثقلت الأيام التي سبقت النهائي بضغوط لم تكن رياضية في جوهرها. المفارقة أن الأرجنتين خسرت النهائي، لكن لافتة «المالفين» بقيت واحدة من أكثر صور البطولة حضورًا وتأثيرًا. فالهدف الإسباني حسم الكأس، لكنه لم يحسم الرواية السياسية. وبعد انتهاء المونديال، عادت قضية الجزر إلى صدارة النقاش في البلدين، وتحوّلت صورة اللاعبين واللافتة إلى مادة للجدل حول القومية، والذاكرة، وحدود التعبير السياسي في الرياضة. لقد أثبتت الواقعة أن الحروب لا تنتهي دائمًا بتوقيع وقف إطلاق النار، وأن الهزائم العسكرية قد تتحول إلى ذاكرة وطنية تنتقل من جيل إلى آخر، وتظهر أحيانًا في أكثر الأماكن بعدًا عن ساحات القتال. وفي مونديال 2026، لم تعد جزر «المالفين» مجرد أرخبيل بعيد في جنوب الأطلسي، بل حضرت بكل ثقلها فوق أرض الملعب، وبين المدرجات، وفي المؤتمرات الصحافية، وعلى طاولات الدبلوماسيين. مرة أخرى، أثبتت كرة القدم أنها قادرة على حسم النتائج، لكنها نادرًا ما تستطيع حسم التاريخ.
لم يعد البرنامج النووي السعودي مجرد مشروع للطاقة أو خطوة في مسار تنويع الاقتصاد، بل تحوّل إلى عنوان جديد للمنافسة بين القوى الكبرى، وإلى مؤشر على التحوّل العميق في موازين النفوذ داخل الشرق الأوسط. ما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من أن واشنطن فضّلت أن تكون شريكًا للرياض في تطوير برنامجها النووي «بدلًا من أن تتجه إلى شريك آخر»، لا يكشف فقط عن رغبة أميركية في التعاون، بل يعكس إدراكًا متأخرًا لحقيقة باتت واضحة: السعودية لم تعد دولة تنتظر العرض الأميركي، بل أصبحت تمتلك القدرة على المفاضلة بين عدة عروض دولية. هذا التصريح يحمل اعترافًا ضمنيًّا بأن سياسة الاحتكار الأميركي للشراكات الاستراتيجية لم تعد قابلة للاستمرار. ففي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على توفير التكنولوجيا أو التمويل أو الضمانات السياسية. وبالنسبة إلى الرياض، فإن امتلاك بدائل حقيقية يمنحها هامشًا تفاوضيًّا لم يكن متاحًا قبل عقدين. خيارات متعددة ولعلّ ما أوردته وكالة «رويترز» حول تعدد الشركاء المحتملين يؤكد هذه الحقيقة. فالصين، عبر المؤسسة النووية الوطنية المملوكة للدولة، قدّمت عرضًا لبناء محطة نووية، بينما وقّعت شركة «روساتوم» الروسية اتفاقات تعاون أولية مع المملكة، مستفيدة من خبرتها في تنفيذ مشاريع نووية كبرى في المنطقة، أبرزها محطة الضبعة المصرية. كما تبقى كوريا الجنوبية، التي نجحت في إنشاء المفاعلات النووية في الإمارات، وفرنسا، من أبرز المرشحين لدخول هذا السباق. لكن المنافسة هنا لا تدور فقط حول مَن يبني المفاعل، بل حول مَن يرسم معالم العلاقة الاستراتيجية مع السعودية لعقود مقبلة. فالمفاعلات النووية ليست مشاريع قصيرة الأمد، بل ترتبط بعقود تمتد لعشرات السنين، تشمل تشغيل المنشآت، وتوريد الوقود، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والصيانة، وهو ما يجعلها استثمارًا جيوسياسيًّا بقدر ما هي استثمار اقتصادي. أكثر من صفقة لهذا السبب تحديدًا، يبدو أن واشنطن تنظر إلى الملف النووي السعودي باعتباره معركة نفوذ أكثر منه صفقة تجارية. فالقبول بأن تتولى الصين أو روسيا بناء البنية التحتية النووية في أكبر اقتصاد عربي يعني منح منافسين استراتيجيين موطئ قدم طويل الأمد في منطقة ظلّت لعقود ضمن المجال الحيوي الأميركي. في المقابل، تدرك الرياض أن قيمة المشروع لا تكمن فقط في إنتاج الكهرباء أو دعم خطط التحول الاقتصادي ضمن «رؤية 2030»، وإنما في توظيف هذا الاهتمام الدولي لتحقيق أفضل الشروط الممكنة. فكلما ازداد عدد المنافسين، ارتفعت قدرة المملكة على التفاوض بشأن نقل التكنولوجيا، وآليات التمويل، ومستوى التصنيع المحلي، وحتى الشروط السياسية المصاحبة للاتفاقيات. ويبقى الملف الأكثر حساسية هو دورة الوقود النووي، ولا سيما حق تخصيب اليورانيوم داخل المملكة. فهذا البند يمثل نقطة التباين الأساسية بين الرؤية الأميركية، التي تسعى إلى فرض قيود صارمة تحدّ من مخاطر الانتشار النووي، وبين الموقف السعودي الذي يؤكد حقه في امتلاك دورة وقود نووية سلمية، أسوةً بدول أخرى. ومن المرجّح أن يكون مستقبل الاتفاق مرتبطًا بمدى قدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن بين اعتبارات الأمن الدولي وحق المملكة في تطوير برنامجها الوطني. skip render: ucaddon_material_block_quote