لم يبدأ حسام عرب بثروة عائلية ضخمة، ولا بإمبراطورية تجارية جاهزة تنتظر من يديرها. فلسطيني نشأ في السعودية، درس الهندسة، دخل عالم الاستثمار، ثم خاض تجربة مختلفة حين أسس عام 2011، مع شريكه، «نمشي» من مكتب صغير، قبل أن تتحول الشركة خلال سنوات إلى واحدة من أبرز منصات التجارة الإلكترونية في المنطقة، وتُستحوذ لاحقاً من “إعمار مولز”. كان يمكن أن تنتهي القصة هنا: شركة ناجحة، صفقة كبيرة، ومؤسس يستطيع أن يقول إن مهمته انتهت. لكن حسام عرب لم يتعامل مع النجاح باعتباره محطة للتقاعد، بل باعتباره فرصة للبحث عن مشكلة أخرى لم تُحل. في 2019 أسس، مع شريكه دانييل باركالوف، «تابي»، انطلاقاً من ملاحظة بسيطة لكنها عميقة: لماذا لا يزال الدفع الإلكتروني يواجه مقاومة في المنطقة؟ وكيف يمكن جعل الشراء والدفع أكثر مرونة؟ ومن هنا جاءت فكرة «اشتر الآن وادفع لاحقاً». اليوم أصبحت «تابي» شركة مالية وتقنية إقليمية ضخمة، بأكثر من 20 مليون مستخدم وفق موقعها، وشبكة تتجاوز 40 ألف علامة تجارية وشركة صغيرة، فيما بلغت قيمتها التقديرية 4.5 مليار دولار بعد صفقة بيع ثانوية للأسهم في 2025. كما حصلت في 2023 على تسهيل تمويلي يصل إلى 700 مليون دولار من «جيه بي مورغان»، وأغلقت في العام نفسه تمديداً لجولة تمويل من الفئة D بقيمة 250 مليون دولار. الأرقام ليست هي القصة القصة الحقيقية أن شخصاً رأى مشكلة، فحاول حلها. فشل ونجح وتعلم، ثم أخذ خبرته من مشروع إلى مشروع آخر. لم يكن السؤال: من أي عائلة أتى؟ وما الطائفة التي ينتمي إليها؟ وهل يحمل جواز السفر المناسب؟ وهل يسمح له القانون بأن يملك ويستثمر ويؤسس؟ كان السؤال ببساطة: هل لديه فكرة جيدة؟ وهل يستطيع تنفيذها؟ وهنا يصبح نجاح حسام عرب سؤالاً لبنانياً بامتياز. كم حسام عرب يوجد في لبنان؟ وكم شاباً لبنانياً يملك فكرة، لكنه لا يملك رأس المال؟ وكم شاباً فلسطينياً في المخيمات يملك موهبة أو شهادة أو مشروعاً يمكن أن يكبر، لكنه يصطدم منذ البداية بجدار من القيود القانونية والاجتماعية والاقتصادية؟ skip render: ucaddon_material_block_quote في لبنان، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب الشباب الموهوب، بل في غياب البيئة التي تسمح للموهبة بأن تتحول إلى مشروع. الشاب اللبناني نفسه يواجه بطالة وهجرة وانكماشاً اقتصادياً وغياباً للتمويل وفرصاً محدودة أمام المبادرة الفردية. أما الشاب الفلسطيني، فتضاف إلى هذه الأزمات طبقة أخرى من القيود المرتبطة بوضعه القانوني كلاجئ، وبالقيود المفروضة تاريخياً على قطاعات من العمل والتملك وممارسة بعض المهن. والنتيجة أن المجتمع لا يخسر وظيفة واحدة، بل يخسر احتمالاً. احتمال طبيب كان يمكن أن يفتح عيادة. ومهندس كان يمكن أن يؤسس شركة. ومبرمج كان يمكن أن يبني منصة تقنية. وصاحب فكرة كان يمكن أن يوفر مئة فرصة عمل لغيره. أما المفارقة الأكثر قسوة فتكمن في أن نطلب من الشباب أن يكونوا رياديين، ثم نضع أمامهم نظاماً يجعل الريادة امتيازاً لا حقاً في المحاولة. نقول لهم: ابتكروا. لكننا لا نعطيهم التمويل. نقول: استثمروا. لكننا نغلق أمام بعضهم أبواب التملك. نقول: اعتمدوا على أنفسكم. ثم نضع أمامهم قيوداً تجعل الاعتماد على النفس أكثر صعوبة. الاستثمار الحقيقي ليس في الأبنية والعقارات وحدها، بل في الإنسان الذي يستطيع أن يبنيها السؤال التقليدي ثم نسأل باستغراب: لماذا يهاجر الشباب؟ الجواب ليس دائماً أن الشباب لا يحبون أوطانهم. أحياناً هم يحبونها، لكنهم لا يجدون فيها مساحة كافية ليكونوا أنفسهم. المطلوب ليس أن نصنع نسخة لبنانية من «تابي» غداً صباحاً، ولا أن نحول كل شاب إلى مؤسس شركة مليارية. هذا تبسيط ساذج لقضية معقدة. المطلوب هو أن نخلق البيئة التي تسمح بالمحاولة. أن يحصل الشاب على فرصة تدريب حقيقية، وتمويل صغير، وحاضنة أعمال، وإرشاد مهني، ومساحة للعمل، وقوانين لا تضع العراقيل أمامه لمجرد هويته أو وضعه القانوني. وبالنسبة إلى الفلسطيني في لبنان، فإن المسألة أكثر إلحاحاً: من حقه أن يحلم قبل أن نطالبه بالنجاح. لا يمكن أن نطالب شاباً فلسطينياً بأن يكون منتجاً ومبدعاً ومستقلاً، بينما نحرمه من بعض الأدوات القانونية والاقتصادية التي يحتاجها كي يحول قدرته إلى واقع. والأمر نفسه ينطبق على الشاب اللبناني. فالدولة التي تريد وقف الهجرة لا يكفيها أن تطلب من أبنائها البقاء. عليها أن تجعل البقاء خياراً قابلاً للحياة. الشباب لا يحتاجون دائماً إلى من يعطيهم المال؛ أحياناً يحتاجون فقط إلى من يزيل الحائط من أمامهم. حسام عرب لم يبدأ بمليارات الدولارات. بدأ بمشكلة، ثم بدأ بمحاولة حلها. ثم اكتشف مشكلة أخرى. وهكذا تتحول الأفكار الصغيرة إلى شركات، والشركات إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى فرص للآخرين. هذه هي الفكرة التي يجب أن نفهمها في لبنان: الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأبنية والمصارف والعقارات، بل في الإنسان الذي يمكن أن يبنيها. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يعد الشرق الأوسط الجديد مشروعاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات أو يُستدعى في لحظات التسويات السياسية، بل يبدو أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة تشكيل لنظامها الإقليمي، ولكن وفق قواعد مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت التصورات التي ظهرت في أعقاب حرب الخليج ومؤتمر مدريد عام 1991. فمعاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال انضمام دول أخرى إليها، ولا سيما مصر، لا تبدو مجرد ترتيب أمني لمواجهة تهديد محدد، وإنما يمكن قراءتها بوصفها نواة محتملة لنظام إقليمي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتجارة والممرات البرية والبحرية. الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادلة لا تكمن فقط في حجم القوى العسكرية التي يمكن أن تتجمع داخلها، بل في نوعية التكامل الذي يمكن أن تنتجه. فالسعودية تمتلك القدرة المالية والطاقة ومشروعات البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة وموقعاً جغرافياً يصل الشرق بالغرب، فيما تضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن امتلاكها قوة نووية. وإذا استطاعت هذه الدول تحويل هذه العناصر إلى مصالح مترابطة وسياسات مشتركة، فإننا لا نكون أمام تحالف دفاعي تقليدي، بل أمام محاولة لبناء مركز ثقل إقليمي قادر على إنتاج قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فالشرق الأوسط الجديد الذي روّج له شيمعون بيريز في تسعينات القرن الماضي كان قائماً على تصور مختلف تماماً؛ إسرائيل في قلب المنظومة، ورأس المال الخليجي في تمويلها، والقوة البشرية المصرية في تشغيلها، مع تحويل التسوية العربية–الإسرائيلية إلى بوابة لاندماج اقتصادي وتكنولوجي إقليمي تكون إسرائيل أحد محركاته الأساسية. أما المسار الذي يتبلور اليوم، فيبدو وكأنه يعيد صياغة الفكرة نفسها ولكن بعد حذف العنصر الذي كان يفترض أن يكون مركزها: إسرائيل. skip render: ucaddon_material_block_quote من التسوية إلى التوازنات الفارق بين المشروعين ليس في الأدوات فقط، بل في فلسفة النظام الإقليمي ذاته. مشروع التسعينات كان يفترض أن يؤدي السلام العربي–الإسرائيلي إلى إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية والسياسية، بحيث تتحول إسرائيل من دولة محاطة بالصراعات إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والاستثمار والاتصالات والبنية التحتية. أما اليوم، فإن إعادة بناء النظام الإقليمي تبدو أكثر ارتباطاً بموازين القوة المباشرة، وبالحاجة إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع أدوار إقليمية كانت مهيمنة خلال العقدين الماضيين. وهذا التحول يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي. فقد كانت إسرائيل تنظر إلى انحسار النفوذ الإيراني في المشرق باعتباره فرصة استراتيجية لتوسيع هامش حركتها وترسيخ تفوقها الإقليمي. غير أن المشكلة ظهرت عندما بدأ الفراغ الناتج عن تراجع إيران يجذب قوى أخرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، بدلاً من أن يتحول تلقائياً إلى مجال نفوذ إسرائيلي. فأن تواجه إسرائيل إيران وحدها شيء، وأن تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتنامى فيها قدرات تركيا والسعودية وترتبط بقوة نووية مثل باكستان شيء مختلف تماماً. وفي الحالة الثانية، يصبح التفوق العسكري الإسرائيلي جزءاً من معادلة أوسع، لا العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاهاتها. ثلاث دول ومصالح متكاملة قوة هذا الترتيب المحتمل لا تأتي من تشابه الدول الثلاث، بل من اختلاف عناصر القوة لديها. السعودية ليست تركيا، وتركيا ليست باكستان، وهذا تحديداً ما يمكن أن يجعل التكتل أكثر أهمية إذا تحولت الاختلافات إلى تكامل. السعودية تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على الاستثمار طويل الأمد في قطاعات تتجاوز النفط، من المدن الذكية والبنية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. تركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، وقدرات دفاعية متنامية، وخبرة في الصناعات الجوية والمسيرات والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب موقعها الذي يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط التقليدية. أما باكستان، فتمنح التكتل عمقاً سكانياً وعسكرياً واستراتيجياً، وتضيف إلى المعادلة عاملاً لا تمتلكه معظم القوى الإقليمية الأخرى: الردع النووي. وبالتالي، فإن المسألة ليست في جمع ثلاثة أرقام عسكرية أو اقتصادية، وإنما في جمع ثلاث وظائف استراتيجية مختلفة داخل منظومة واحدة: التمويل السعودي، والتصنيع والتكنولوجيا التركية، والكتلة البشرية والردع الباكستاني. وإذا أضيفت مصر إلى هذه المعادلة، فإن التوازن سيأخذ بعداً آخر، لأن القاهرة تضيف ثقلاً سكانياً وعسكرياً وجغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر والبحر المتوسط وشمال أفريقيا، ويمنح المشروع المحتمل امتداداً جغرافياً يصعب تجاهله في أي حسابات تتعلق بالممرات التجارية والأمن البحري. مشكلة أكبر من التحالف لهذا السبب، فإن القلق الإسرائيلي لا يتعلق فقط باحتمال قيام تحالف عسكري جديد، وإنما بما يمكن أن ينتجه هذا التحالف من إعادة توزيع لمراكز القرار الإقليمي. إسرائيل اعتادت خلال العقود الماضية أن تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره بيئة تتحرك فيها من موقع التفوق العسكري والتكنولوجي، بينما تعتمد في أمنها الاستراتيجي على المظلة الأميركية. لكن ظهور ترتيبات إقليمية تستطيع فيها دول عربية وإسلامية جمع المال والسلاح والتكنولوجيا والعمق البشري والردع الاستراتيجي، قد يحد من قدرة إسرائيل على فرض قواعد اللعبة منفردة. الأكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب أن هذه المنظومة المحتملة لا تبدو مشروطة بالتطبيع معها. وهذا يضرب في مكان حساس التصور الإسرائيلي الذي ربط لفترة طويلة بين إعادة ترتيب الشرق الأوسط وبين دمج إسرائيل فيه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. فإذا أمكن بناء شبكة إقليمية للأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا من دون أن تكون إسرائيل جزءاً منها، فإن السؤال لن يعود: كيف ندمج إسرائيل في الشرق الأوسط؟ بل: كيف تتعامل إسرائيل مع شرق أوسط يعيد بناء نفسه من دون أن ينتظر موافقتها؟ الفارق هائل بين أن تكون إسرائيل مركز النظام، وبين أن تصبح مجرد قوة داخله واشنطن وإعادة توزيع الأعباء لكن اختزال التطورات في أنها محاولة أميركية لتحجيم إسرائيل سيكون قراءة مبسطة. الولايات المتحدة لا تزال ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً، ولا توجد مؤشرات جدية على أنها مستعدة للتخلي عنها. إلا أن ذلك لا يعني أن واشنطن تريد استمرار اعتمادها الكامل على إسرائيل في إدارة أمن المنطقة. التحول الأميركي الأعمق يرتبط بإعادة تعريف الدور الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة تواجه منافسة دولية متزايدة، خصوصاً مع الصين وروسيا، وتحتاج إلى تخفيض كلفة انتشارها العسكري والسياسي، وإلى قوى إقليمية تستطيع تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن والاستقرار. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى صعود السعودية وتركيا وباكستان باعتباره فرصة أميركية بقدر ما هو تحدٍ إسرائيلي. فالولايات المتحدة قد تكون أكثر ارتياحاً إلى شرق أوسط قادر على إنتاج توازناته الداخلية، بدلاً من أن تضطر واشنطن إلى التدخل في كل أزمة، واحتواء كل فراغ، وتسوية كل صراع. وهذا لا يعني أن أميركا ستترك المنطقة، وإنما أنها قد تنتقل تدريجياً من دور «الضامن الوحيد» إلى دور «مدير التوازنات». المعركة الحقيقية على الفراغ بعد تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق، لم يعد السؤال الأساسي هو من سيواجه إيران، بل من سيملأ الفراغ الذي تركه تراجعها. فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فراغاً؛ سرعان ما يتحول إلى مجال للتنافس بين القوى التي تمتلك القدرة على الاستثمار فيه.
في جلسة تشريعية حبست الأنفاس وأعادت خلط الأوراق جذريا في المشهد الإعلامي اللبناني، أقرّ مجلس النواب قانون الإعلام الجديد، واضعاً بذلك حداً لعقود طويلة من العمل تحت مظلة قانون المطبوعات الصادر عام 1962. خطوة أرادها المشرّع انتقالاً ضرورياً إلى عصر الإعلام الرقمي وتنظيماً لفضاء اتسع كثيراً خارج قدرة النصوص القديمة على مواكبته، لكنها تحولت، فور إقرارها، إلى واحدة من أكثر المواجهات حدة بين السلطة التشريعية والجسم الصحفي في لبنان. فبدلاً من أن يشكّل القانون محطة توافقية تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة الدولة بالإعلام، فجّر موجة اعتراض واسعة داخل الأوساط الصحفية والنقابية، بعدما اعتبرت نقابتا الصحافة والمحررين أن الصيغة التي أُقرّت تجاهلت تفاهمات وملاحظات وتعديلات جرى العمل عليها على مدى سنوات طويلة. وما إن أُعلن عن تصويت مجلس النواب على مشروع القانون كما ورد من اللجان النيابية المشتركة، من دون الأخذ بجملة التعديلات التي كان ممثلو الجسم الإعلامي يطالبون بإدخالها، حتى صدرت مواقف نقابية شديدة اللهجة أعلنت رفض القانون بصيغته الحالية، معتبرة أن ما حصل يشكّل التفافاً على مسار تشاركي طويل جمع المشرّعين بممثلي المهنة. المشكلة، من وجهة نظر المعترضين، لم تعد إذاً في مادة قانونية هنا أو صياغة هناك، بل في السؤال الأعمق: من يملك حق رسم مستقبل الإعلام اللبناني، وبأي ضمانات؟ skip render: ucaddon_material_block_quote 16 عاماً من المخاض قصة قانون الإعلام الجديد ليست وليدة اللحظة. فالمشروع خضع على مدى سنوات طويلة لنقاشات ومراجعات وجلسات واستشارات، في محاولة لإنتاج تشريع يخرج الإعلام اللبناني من عباءة قوانين وُضعت في زمن لم يكن فيه إنترنت ولا منصات تواصل اجتماعي ولا مواقع إخبارية إلكترونية ولا إعلام رقمي بالمعنى الذي نعرفه اليوم. وكان الهدف المعلن من المشروع منذ البداية تحديث البيئة التشريعية بما يضمن، في آن واحد، حرية الصحافة وتنظيم المهنة ومواكبة التحولات التكنولوجية. ومن أبرز العناوين التي طُرحت طوال سنوات النقاش: إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، منع التوقيف الاحتياطي للصحفيين بسبب عملهم المهني، الحد من الملاحقات أمام الجهات العسكرية والجزائية، تنظيم المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام الحديثة، ووضع إطار مؤسساتي جديد للقطاع من خلال هيئة وطنية يُفترض أن تتمتع بالاستقلالية. لكن الخلاف انفجر عند المحطة الأخيرة. فبحسب النقابتين، جاءت الصيغة التي أُقرّت في الهيئة العامة مختلفة عن التفاهمات التي نضجت خلال النقاشات السابقة، بعدما جرى تجاوز التعديلات الأخيرة التي كانت محل اتفاق أو تفاهم بين ممثلي الجسم الإعلامي واللجان النيابية المعنية. وهكذا تحوّل القانون الذي كان يفترض أن يكون ثمرة توافق مهني وسياسي واسع إلى مادة جديدة للانقسام. الرفض النقابي لا ينطلق من مبدأ رفض تحديث القوانين أو تنظيم القطاع، بل من الخشية من أن يتحول التنظيم إلى باب إضافي للرقابة والملاحقة، وأن يُعاد إنتاج القيود القديمة بعبارات قانونية جديدة. وتتمحور أبرز الاعتراضات حول مجموعة من النقاط الأساسية. 23 تعديلاً غائباً يرى الجانب النقابي أن خطورة ما حصل لا تكمن فقط في مضمون المواد التي أُقرّت، بل أيضاً في الطريقة التي جرى بها إقرار القانون. فبحسب موقف النقابتين، جرى تجاهل 23 تعديلاً كانت موضع نقاش واتفاق سابق مع اللجنة النيابية للإعلام، قبل أن تصل الصيغة إلى الهيئة العامة من دون تضمينها بالصورة المطلوبة. ومن هنا يأتي الشعور داخل الجسم الإعلامي بأن سنوات الحوار لم تنعكس بصورة فعلية في النص النهائي، وأن الشراكة التي كان يفترض أن تكون أساس التشريع انتهت عند اللحظة الحاسمة. بالنسبة إلى النقابات، ليس الأمر تفصيلاً إجرائياً، بل يمس جوهر العلاقة بين السلطة والمهنة: فإذا كان الصحفيون هم الجهة الأولى التي ستتأثر بالقانون، فهل يجوز إقرار نص ينظم عملهم من دون الأخذ بملاحظاتهم الأساسية؟ المعركة ليست على امتيازات الصحفيين، بل على حق المجتمع في أن يعرف الجزائية باقية؟ إحدى أكثر النقاط حساسية تتعلق بمصير العقوبات والملاحقات القضائية. فالقانون قُدّم بوصفه خطوة نحو إنهاء عصر توقيف الصحفيين وسجنهم بسبب الرأي أو النشر، إلا أن المعترضين يرون أن بعض الصياغات ما زالت تترك أبواباً واسعة أمام الملاحقة. فالعبارات المرتبطة بالسلم الأهلي أو الأمن القومي أو المساس بالرموز أو غيرها من المفاهيم التي يمكن أن تحتمل تفسيرات متعددة تثير مخاوف حقيقية داخل الأوساط الإعلامية. وتخشى النقابات أن يؤدي إبقاء مفهوم «جرائم النشر»، بصيغة مباشرة أو غير مباشرة، إلى استمرار إمكانية اللجوء إلى قانون العقوبات العام، بما يعني أن إلغاء السجن في نص قانون الإعلام قد لا يكون كافياً إذا ظل الصحفي معرضاً للملاحقة عبر قوانين أخرى. وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل انتقل القانون فعلاً من منطق العقاب الجزائي إلى منطق المسؤولية المهنية والمدنية، أم أنه اكتفى بتغيير الأدوات والمصطلحات؟ كما يثير ملف الغرامات المالية قلقاً إضافياً، إذ إن الغرامة المرتفعة يمكن، عملياً، أن تتحول إلى عقوبة لا تقل تأثيراً عن التوقيف، ولا سيما بالنسبة إلى الصحفيين المستقلين والمؤسسات الإعلامية الصغيرة التي تعاني أصلاً أزمات مالية خانقة. وحدة الجسم الصحفي الاعتراض الثالث يتعلق بالبنية النقابية نفسها. تحذّر نقابتا الصحافة والمحررين من مواد ترى أنها قد تفتح الباب أمام تعدد كيانات أو أطر مهنية موازية بطريقة تؤدي إلى تفتيت المرجعية النقابية للصحفيين. ومن حيث المبدأ، يمكن النظر إلى التعدد النقابي باعتباره حقاً طبيعياً في أي نظام ديمقراطي، لكن النقابتين تخشيان أن يجري استخدام هذا العنوان لإضعاف المظلة النقابية التقليدية وتفتيت القدرة التفاوضية لأصحاب المهنة. فالجسم الصحفي المنقسم إلى عشرات المرجعيات الصغيرة يصبح أضعف أمام السلطة السياسية وأصحاب رؤوس الأموال والمؤسسات الإعلامية الكبرى. ومن هنا تعتبر النقابتان أن القضية لا تتعلق بالدفاع عن امتياز نقابي بقدر ما تتعلق بالحفاظ على قدرة الصحفيين على التفاوض الجماعي والدفاع عن حقوقهم المهنية والاجتماعية. هيئة مستقلة… عن مَن؟ أما «الهيئة الوطنية للإعلام» فتشكّل بدورها واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش. فعلى الورق، تبدو فكرة إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم القطاع خطوة متقدمة قياساً بالنماذج التقليدية التي تجعل الإعلام خاضعاً مباشرة لوزارات أو إدارات حكومية. لكن السؤال الحقيقي يكمن في آلية تشكيل هذه الهيئة: من يعيّن أعضاءها؟ ومن يملك سلطة التأثير في قراراتها؟ وما هي حدود صلاحياتها؟ المخاوف النقابية تنطلق من احتمال أن تتحول الاستقلالية إلى صفة شكلية فقط، فيما يبقى النفوذ الفعلي في يد السلطة التنفيذية أو القوى السياسية التي تتحكم بالتعيينات. وفي بلد يقوم نظامه السياسي أساساً على المحاصصة، لا تبدو هذه الهواجس تفصيلاً. فالهيئة التي يُفترض أن تحمي التعددية يمكن، إذا لم تحصّن بنصوص واضحة، أن تتحول إلى جهاز رقابي جديد، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الرقمي أو بالمواقع الإلكترونية أو بآليات الترخيص والمحاسبة. وهنا يصبح الفارق دقيقاً جداً بين تنظيم الإعلام وإخضاع الإعلام. تصعيد نقابي نقابتا الصحافة والمحررين أعلنتا بوضوح أن القانون بصيغته الحالية لن يُتعامل معه باعتباره أمراً واقعاً انتهى النقاش حوله. فالموقف النقابي ينطلق من أن أي تشريع يرسم مستقبل الصحافة، من دون