لم نتدخّل في موضوع قانون العفو العام منذ البداية، لأننا اعتبرنا أنّ العمل يجري على صياغة قانون وطني جامع، يفتح صفحة جديدة بين اللبنانيين، لا قانونًا يُفصَّل على قياس أشخاص معيّنين أو حالات محدّدة. لكن الخطير اليوم هو أن يتحوّل الاستثناء داخل هذا القانون إلى استهداف مباشر لفئة بعينها، بما يجعله يبدو كأنه موجّه ضد طائفة كاملة، وهذا أمر لا يمكن القبول به. فقانون العفو العام، كما يُطرح، يشمل جرائم مخدرات وجنايات ومبعدين، فكيف يمكن استثناء مجموعة دفعت أثمانًا باهظة خلال المرحلة الماضية، وعانت من ممارسات بات يعرفها الجميع، من أداء المحكمة العسكرية إلى طريقة إدارة الملفات الأمنية والقضائية في تلك المرحلة؟ هذه الفئة تعرّضت للظلم خلال سنوات طويلة، وظُلِمت أيضًا في مسار المحاكمات، واليوم تُظلَم مجددًا عند إقرار القانون، وكأن المطلوب إبقاء هذا الجرح مفتوحًا بلا أي معالجة وطنية حقيقية. skip render: ucaddon_material_block_quote الهدف الأساسي من أي قانون عفو ليس تبرئة الأخطاء، بل معالجة آثار مرحلة كاملة، وخلق فرصة لإعادة لمّ الشمل الوطني، وتخفيف الاحتقان، وإقفال ملفات خلّفت انقسامات عميقة داخل المجتمع اللبناني. لذلك، من الخطأ تصوير النقاش كأنه مواجهة بين المؤسسة العسكرية وطائفة بعينها، أو الإيحاء بأن السُنّة ضد الجيش أو الجيش ضد السُنّة، وهذا كلام مرفوض وغير صحيح. المطلوب اليوم تبديد هذا الالتباس بالكامل، والالتفاف حول المؤسسة العسكرية، خصوصًا في ظل الدور الوطني الكبير المنتظر منها في المرحلة المقبلة، لأن الجيش يبقى مؤسسة جامعة لكل اللبنانيين، وليس طرفًا في أي انقسام داخلي. ثم إنّ السؤال المشروع يبقى قائمًا: إذا كان قد تم الإفراج عن إخوة سوريين محكومين في القضايا نفسها المرتبطة بـ«الموقوفين الإسلاميين»، فكيف يمكن تبرير استمرار استثناء اللبنانيين من أي معالجة قانونية عادلة ومتوازنة؟ إنّ هذا القانون، إذا أُقرّ بروحية وطنية حقيقية، يمكن أن يساهم في تضميد جرح كبير عانت منه طرابلس وصيدا، كما عانت منه بيئات واسعة داخل الطائفة السُنّية لسنوات طويلة. حين يتحوّل الاستثناء إلى استهداف… قانون العفو أمام اختبار العدالة skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس تفصيلًا أن تُعقد الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، اليوم وغدًا، فيما الجنوب اللبناني لا يزال تحت النار، والغارات لا تتوقف، والقرى الحدودية تتحول، يومًا بعد يوم، إلى مساحات مدمّرة يصعب على أهلها العودة إليها. فالمشهد لا يوحي بأن هناك مسارًا تفاوضيًا يسير بالتوازي مع الحرب، بقدر ما يوحي بأن الحرب نفسها أصبحت جزءًا من التفاوض، وأداة ضغط ميدانية تُستخدم لإنتاج وقائع سياسية وأمنية جديدة قبل تثبيتها على طاولة المفاوضات. كسر نهج كامل البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية في 8 أيار لم يكن بيانًا عابرًا. فاللغة التي استُخدمت فيه حملت دلالات واضحة، خصوصًا حين تحدثت واشنطن عن “كسر نهج العقدين الماضيين”، وعن إنهاء البيئة التي سمحت لـ“الجماعات المسلحة” بترسيخ نفوذها داخل لبنان. هذه ليست صياغة مرتبطة فقط بتثبيت وقف إطلاق النار، بل إعلان سياسي مباشر بأن الولايات المتحدة ترى في المفاوضات الحالية فرصة لإعادة صياغة التوازن اللبناني، أمنيًا وسياسيًا، تحت عنوان “استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة”. والأهم من البيان نفسه، هو هوية الرجل الذي يدير الملف من الجانب الإسرائيلي. فرون ديرمر ليس مجرد مستشار سياسي لبنيامين نتنياهو، بل هو الشخصية التي تُستدعى عادة إلى الملفات الكبرى، تلك التي تتجاوز حدود التفاوض التقني أو الأمني الضيق. حضوره في هذا الملف يعني أن ما يجري لا يتعلق فقط بالحدود أو الهدنة، بل بمستقبل الجنوب اللبناني، وربما بموقع لبنان نفسه في التوازنات الإقليمية المقبلة. skip render: ucaddon_material_block_quote تفاوض تحت النار المفارقة أن واشنطن تدفع باتجاه تسريع المفاوضات قبل 17 أيار، موعد انتهاء الهدنة الحالية، فيما يواصل الكيان الإسرائيلي عملياته العسكرية بوتيرة مرتفعة. وهذا التناقض لا يبدو عرضيًا، بل يكشف طبيعة المقاربة الأميركية – الإسرائيلية المشتركة: التفاوض من موقع الضغط الميداني، لا من موقع التهدئة. حتى الحديث عن “منطقة اقتصادية” في الجنوب لا يمكن فصله عن هذه الرؤية. فمشاريع الإعمار والتنمية تُطرح هنا بوصفها جزءًا من ترتيبات أمنية أوسع، لا كمجرد خطة إنقاذ للجنوب أو تعويض لأهله. بمعنى آخر، يجري ربط إعادة الحياة إلى القرى الحدودية بإعادة هندسة الواقع الأمني والسياسي فيها. شروط “اليوم التالي” ما تريده تل أبيب لا يبدو غامضًا. هناك تصور واضح لمنطقة عازلة تمتد عدة كيلومترات داخل الجنوب اللبناني، مع دور أوسع للجيش اللبناني شمال الليطاني، مقابل استمرار حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية جنوبه، إلى حين التأكد من تثبيت معادلة أمنية جديدة. وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل لا تتصرف على أساس أن الحرب انتهت، بل على أساس أن هذه المرحلة هي الأنسب لفرض شروط “اليوم التالي” بالقوة العسكرية، قبل تحويلها إلى بنود سياسية على طاولة التفاوض. بهذا المعنى، لا تبدو الغارات مجرد خروقات أو رسائل ردعية، بل جزءًا من عملية ضغط منظمة تهدف إلى جعل أي اتفاق مقبل انعكاسًا للميزان العسكري القائم على الأرض، لا نتيجة تفاوض متكافئ بين طرفين. أضعف لحظاته في المقابل، يدخل لبنان هذه المفاوضات من موقع بالغ الهشاشة. الدولة تحتاج إلى وقف الحرب بأي ثمن تقريبًا، الاقتصاد يقترب أكثر من حافة الانهيار، والمجتمع اللبناني يعيش انقسامًا حادًا حول الحرب نفسها، وحول شكل التسوية الممكنة، وحدود التنازلات المقبولة. لذلك، لا يجري التفاوض الحالي من موقع توازن، بل من موقع محاولة احتواء الخسائر ومنع انهيار أوسع. فلبنان لا يملك ترف المناورة، ولا قدرة فعلية على فرض شروطه، بل يحاول، في أحسن الأحوال، تقليص حجم الأثمان السياسية والأمنية التي قد تُفرض عليه. ورغم ذلك، لا يبدو أن واشنطن تريد انهيار الدولة اللبنانية بالكامل. على العكس، هناك إدراك أميركي وغربي بأن أي فراغ شامل في لبنان سيُنتج فوضى يصعب ضبطها، وقد يفتح الباب أمام انفجار إقليمي أوسع. من هنا تأتي المقاربة المزدوجة: ضغط عسكري وأمني من جهة، وإبقاء مؤسسات الدولة قائمة وقادرة على التفاوض من جهة أخرى. لبنان لا يفاوض من موقع القوة، بل من موقع محاولة تقليل الخسائر ومنع الانهيار الأكبر لكن النقطة الأكثر خطورة تبقى في الرهان اللبناني الداخلي على المفاوضات الأميركية – الإيرانية. فجزء من القوى السياسية لا يزال يتصرف على أساس أن طهران ستفرض، في نهاية المطاف، تسوية تحمي “حزب الله” وتمنع أي تغيير جذري في المعادلة اللبنانية. غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أساسية: إسرائيل الحالية لا تبدو مستعدة لمنح الحزب أي صورة يمكن تقديمها كانتصار سياسي أو عسكري، حتى لو أدى ذلك إلى تعطيل مسارات التفاوض، أو إلى مواجهة ضغوط أميركية وأوروبية متزايدة. منذ بداية الحرب، أثبتت حكومة نتنياهو أنها مستعدة للذهاب بعيدًا في التصعيد لمنع تكريس أي معادلة تُظهر أن الحزب خرج من المواجهة محتفظًا بموقعه السابق، أو بشرعية سلاحه جنوب الليطاني. لذلك، فإن الاعتقاد بأن المفاوضات الأميركية – الإيرانية وحدها ستنتج تسوية مريحة للبنان يبدو أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى القراءة الواقعية للمشهد. في الخلاصة، لا تبدو واشنطن كأنها تفاوض فقط على وقف نار، ولا يبدو الكيان الإسرائيلي كأنه يخوض حربًا هدفها الردع وحده. ما يجري فعليًا هو محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة في لبنان بعد الحرب، عبر مزيج من النار والدبلوماسية والضغط الاقتصادي والسياسي. skip render: ucaddon_box_testimonial
تصاعدت في الساعات الأخيرة موجة اعتراض واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية لاسيما “البيئة السنية” المؤيدة لإقرار قانون العفو العام عن الموقوفين الإسلاميين، بعد تداول أسماء عدد من النواب السُنّة الذين يُقال إنهم رفضوا أو لم يؤيدوا تمرير القانون، في وقت تعتبر فيه عائلات الموقوفين أنّ الملف لم يعد يحتمل مزيدًا من المماطلة السياسية والابتزاز النيابي. وبحسب ما جرى تداوله، فقد شملت لائحة النواب الذين وُجهت إليهم انتقادات حادة كلًا من: جهاد الصمد عن طرابلس، حليمة القعقور عن الشوف، أسامة سعد عن صيدا، قاسم هاشم عن الجنوب، ملحم الحجيري عن بعلبك، وينال الصلح عن بعلبك، وذلك على خلفية موقفهم من اقتراح قانون العفو العام المتعلق بالموقوفين الإسلاميين. ويأتي هذا السجال في ظل تعثّر مسار إقرار قانون العفو العام داخل مجلس النواب. وتعتبر أوساط متابعة للملف أنّ أي تعطيل إضافي للقانون يشكل ضربة جديدة لعائلات الموقوفين الذين ينتظرون منذ سنوات طويلة حلًا عادلًا ومنصفًا، خصوصًا في ظل الحديث عن وجود موقوفين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، أو أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون حسم ملفاتهم القضائية بصورة نهائية. وفي المقابل، يثير قانون العفو العام نقاشًا سياسيًا وقانونيًا حادًا بين من يراه ضرورة إنسانية ووطنية لإقفال ملف طال أمده، وبين من يربطه باعتبارات أمنية وقضائية تتعلق بطبيعة الجرائم المشمولة والاستثناءات المطلوبة. وتؤكد عائلات الموقوفين ومناصروهم أنّ المطلوب من النواب، وخصوصًا النواب السُنّة، موقف واضح لا لبس فيه، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمزايدات، معتبرين أنّ رفض العفو أو التهرب من دعمه يضع أصحابه في مواجهة مباشرة مع بيئة شعبية ترى في هذا الملف قضية عدالة وكرامة لا مجرد بند تشريعي عابر، وهو أمر سيدفع ثمنه لاحقا “الغافلون” في السياسة كما في صناديق الاقتراع، خاصة حين تأتي الطعنات المسمومة، من داخل البيت.