لم ينقشع غبار الحرب الأخيرة عن مشاهد الدمار والتشريد والدماء والدموع فحسب. أبشع ما عرّته الحرب الإسرائيلية الأخيرة كان حجم الكراهية بين أبناء وطن لا تتعدّى مساحته مساحة مدينة في عالم الغرب. لقد كشف العدوان الصهيوني الحاقد حجم التكاذب بين أبناء الشعب الواحد، وكمية النفاق والدجل أمام الشاشات وفي المناسبات؛ أديان لا تلتقي إلا في قممٍ لالتقاط الصور التذكارية، ومذاهب تتناحر حدّ التشفي، مستندةً إلى أساطير وأوهام صاغتها روايات السياسة والمصالح والدجل. أحوج ما يحتاج إليه لبنان اليوم هو قدرٌ كبير من الحب غير المشروط، وحوارٌ صادق وشفاف، محكومٌ بالنجاح لا بالتجربة. وإلا فإن الفتنة ستطلّ من الأزقة والشوارع والبيوت. وعندها، لن تحتاج إلى من يلعن من أيقظها، لأنها لم تنم يومًا.
في اللحظات المصيرية من تاريخ الأمم، لا يعود التردد ترفًا سياسيًا، ولا تصبح المواربة وجهة نظر. ولبنان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية تفرض على الجميع الإجابة عن سؤال واحد: أي دولة نريد؟ دولة الشراكة التي أرساها اتفاق الطائف، أم دولة الغلبة التي أوصلتنا إلى الانهيار والعزلة والخراب؟ لقد أثبتت التجارب المريرة التي عاشها اللبنانيون أن منطق الغلبة لم يبنِ دولة يومًا، ولم يصنع استقرارًا، ولم ينتج شراكة وطنية حقيقية. فكلما حاول فريق فرض إرادته على سائر اللبنانيين بقوة الأمر الواقع، كانت النتيجة مزيدًا من الانقسام والشلل والانهيار. ذلك أن لبنان، بحكم تكوينه وتاريخه ورسالته، لا يُحكم بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الشريك والشريك. الطائف كعقد وطني من هنا تبرز أهمية اتفاق الطائف، لا بوصفه تسوية سياسية عابرة، بل باعتباره آخر عقد وطني جامع توافق عليه اللبنانيون للخروج من الحرب والدخول إلى الدولة. فالطائف لم يكرّس غلبة أحد على أحد، بل أسقط نهائيًا فكرة الهيمنة الداخلية، ووضع أسس دولة المؤسسات والدستور والمناصفة والعيش المشترك والاحتكام إلى الشرعية وحدها. رفيق الحريري وفلسفة الدولة ولذلك، لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري مجرد أحد حماة الطائف، بل كان أحد أبرز المؤمنين بفلسفته الوطنية. فقد أدرك أن إعمار الحجر لا قيمة له من دون إعمار الدولة، وأن الاقتصاد لا ينهض في ظل الانقسام، وأن الاستقرار لا يولد من فائض القوة، بل من عدالة الشراكة. كان مشروعه قائمًا على بناء دولة قوية بمؤسساتها، لا قوية بفريق على حساب فريق، دولة تفتح أبوابها لجميع أبنائها، وتحميهم جميعًا تحت سقف القانون. skip render: ucaddon_material_block_quote أزمة مشروع وطني واليوم، وبعد سنوات طويلة من تعطيل الدولة ومصادرة قرارها وإضعاف مؤسساتها، لم يعد جائزًا الاستمرار في دفن الرؤوس في الرمال. فالأزمة التي يعيشها لبنان ليست مالية فقط، ولا اقتصادية فقط، ولا حتى دستورية فقط؛ إنها أزمة مشروع وطني. أزمة بين من يريد الدولة مرجعية وحيدة للجميع، ومن يريد إبقاءها رهينة موازين القوى ومصالح المحاور وصراعات المنطقة. لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة نتيجة الخروج عن روح الطائف وأحكامه. دفعوا من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم وعلاقاتهم العربية والدولية. وكل محاولة للالتفاف على هذا الاتفاق أو تفريغه من مضمونه لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الانهيار والتفكك وفقدان الثقة بالدولة. الدفاع عن فكرة لبنان إن الدفاع عن الطائف اليوم ليس دفاعًا عن نص دستوري فحسب، بل دفاع عن فكرة لبنان نفسها. دفاع عن دولة الشراكة في مواجهة مشاريع الغلبة، وعن الشرعية في مواجهة الأمر الواقع، وعن المؤسسات في مواجهة التعطيل، وعن الانتماء العربي للبنان في مواجهة محاولات عزله عن محيطه الطبيعي والتاريخي. لقد آن الأوان للقول بوضوح إن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بالدولة، ولا دولة مع ازدواجية القرار، ولا دولة مع تعطيل المؤسسات، ولا دولة مع منطق أن فريقًا يقرر عن جميع اللبنانيين مصيرهم وخياراتهم الوطنية. فالشراكة ليست تنازلًا من أحد لأحد، بل هي جوهر الصيغة اللبنانية وضمانة بقائها. الدولة أو اللادولة إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أحزاب وطوائف، بل بين مشروع الدولة ومشروع اللادولة. بين مشروع اتفاق الطائف الذي أعاد إنتاج الشرعية الوطنية، ومشروع الغلبة الذي لم ينتج إلا الأزمات. وبين هذين الخيارين لا مجال للحياد. إن لبنان الذي حلم به رفيق الحريري، واستشهد من أجل سيادته واستقراره وازدهاره، هو لبنان الدولة الحرة السيدة القادرة، لبنان الاعتدال والانفتاح والشراكة الوطنية الكاملة. أما لبنان الغلبة، فقد جرّبناه طويلًا، وكانت حصيلته انهيارًا اقتصاديًا، وشللًا سياسيًا، وهجرة للشباب، وتراجعًا لمكانة الوطن. طريق الإنقاذ لهذا، فإن الطريق إلى الإنقاذ يبدأ بالعودة الصادقة إلى الدستور واتفاق الطائف، وإلى حصرية القرار بيد الدولة، وإلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، وإلى تجديد الشراكة الوطنية على قاعدة المساواة الكاملة بين جميع اللبنانيين. ففي هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، لا يحتاج لبنان إلى غالب ومغلوب، بل يحتاج إلى دولة. والدولة وحدها هي المنتصرة عندما يتساوى أبناؤها تحت رايتها، ويحتكمون إلى دستورها، ويؤمنون بأن لا مستقبل لهم إلا معًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial وفي الوقت الذي تسابق فيه الصالونات السياسية والمحافل الدبلوماسية الزمن لفك شيفرات هذا الاتفاق وتحديد أبعاده الاستراتيجية، يعيش الشارع اللبناني على جمر الغليان، حيث تمتزج مشاعر الترقّب بالقلق من القادم، وسط تصاعد نداءات عاجلة من العقلاء تدعو إلى التسلّح بالوعي وضبط النفس، تفاديًا لأي انزلاق قد يطيح بما تبقّى من السلم الأهلي. بنود الاتفاق إذا أردنا تفكيك بنود هذا الاتفاق بعيدًا عن المواربة الدبلوماسية، نجد أنه يقوم في جوهره التنفيذي على هندسة أمنية وميدانية مؤقتة، تُصنَّف في العلوم السياسية كـ«ترتيبات أمر واقع»، وهي صيغة تبتعد تمامًا عن سياق المعاهدات السياسية أو الاعتراف المتبادل، لتقتصر على محاولة إنهاء الأعمال العسكرية وتحقيق استقرار هشّ على جانبي الحدود. يتجلّى هذا الأمر في الالتزام بوقف فوري وشامل لجميع العمليات الحربية والخرقات المتبادلة، يليه انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من الأراضي والمناطق اللبنانية التي توغّلت فيها مؤخرًا، على أن يتقدّم الجيش اللبناني ليتحمّل مسؤولياته كقوة شرعية وحيدة لضبط الأمن وبسط سيادة الدولة، بالتوازي مع تفعيل آليات الرقابة والتنسيق لقوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل»، لضمان خلو منطقة جنوب نهر الليطاني من أي مظاهر مسلحة غير شرعية. غير أن الشقّ الملغوم في هذه المعادلة يكمن في سعي إسرائيل الدؤوب للحصول على ضمانات تتيح لها ما تسميه «حرية الحركة» عند رصد أي تهديد، وهو ما يضع السيادة اللبنانية على المحك. ثوابت لبنانية ورغم الصياغات الفضفاضة والبراغماتية التي صيغت بها هذه الورقة، فإن القراءة الموضوعية لطبيعة الموقف اللبناني تستند إلى ثوابت وطنية وقومية راسخة لا تقبل المساومة أو المناورة، حيث يجمع اللبنانيون، بمختلف طوائفهم، على الرفض المطلق لأي شكل من أشكال التطبيع أو تقديم تنازلات تمسّ بالكرامة السيادية لصالح الجانب الإسرائيلي. وتؤكد أوساط قانونية في بيروت أن ما تم التوقيع عليه ليس «معاهدة سلام»، ولن يكون، بل هو مجرد وثيقة تقنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووقف نزيف الدم، وتأمين انسحاب المعتدي، من دون إعطاء إسرائيل أي شرعية قانونية أو جغرافية في النقاط المتحفّظ عليها. فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يُشترى بعملة التنازل عن استقلال القرار الوطني، وأي بند يحاول منح الاحتلال «حق الرد» أو استباحة الأجواء اللبنانية هو خرق فاضح ومرفوض جملةً وتفصيلًا. غليان الشارع على المقلب الآخر من المشهد السياسي، يبدو الشارع اللبناني اليوم أشبه بمرجل يغلي؛ فالأزمات المتراكمة، الاقتصادية منها والاجتماعية، مضافًا إليها نتائج الحرب والدمار، تركت المواطن في حالة من عدم اليقين. هذا التوتر الميداني والسياسي يضع السلم الأهلي أمام اختبار حقيقي، ما يجعل من «الوعي وضبط النفس» السلاح الأهم في هذه المرحلة الخطيرة. إن الانقسام العمودي في تفسير الاتفاق، بين من يراه انتصارًا للدبلوماسية اللبنانية بانتزاع الانسحاب، ومن يراه تراجعًا أمام الشروط الدولية، قد يتحول في أي لحظة إلى صدام داخلي إذا ما غُذّيت النعرات الطائفية والحزبية. فالخطورة الحقيقية اليوم لم تعد تأتي من الحدود فحسب، بل من الزواريب الداخلية المستعدة للانفجار عند أي شرارة. مسؤولية الإعلام تبرز هنا الحاجة الملحّة إلى التفاف وطني عاقل، ونشر الوعي بضرورة تحييد الاستقرار الداخلي عن التجاذبات السياسية. فضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو تفويت للفرصة على أي محاولة لزعزعة الاستقرار وتمرير مخططات تهدف إلى إدخال البلاد في أتون حرب أهلية جديدة. إن حماية السلم الأهلي وإعادة بناء ما دمّرته الحرب يتطلبان وعيًا شعبيًا كبيرًا يفصل بين المعركة السياسية السيادية المستمرة لحماية الحقوق، وبين حفظ الأمن الداخلي وحياة المواطنين. يقف لبنان اليوم على حافة مرحلة انتقالية بالغة التعقيد والخطورة. إن هذا الاتفاق، بحساباته المعقدة وظروفه الملغومة، لن يكون نهاية المطاف؛ فالصراع مع الجانب الإسرائيلي صراع وجودي وتاريخي لا تلغيه الأوراق والترتيبات الأمنية المؤقتة. أمام هذا الواقع، يبقى الوعي المجتمعي، والتمسّك بالثوابت السيادية، وضبط النفس في الشارع، شبكة الأمان الوحيدة التي تقي لبنان من الانفجار الساحق والضياع في دهاليز الفوضى المستوردة.