مَن هوَ سِيبَاستيانُ جوركا الذي دخلَ قصرَ بعبدا والسِّراي الحكومي ووزارةَ المال، ولم تَعْصِ أمامَهُ دائرةٌ أو مؤسّسةٌ رسميّةٌ أو غيرُ رسميّةٍ لبنانيّة؟مَن هوَ هذا الرَّجلُ الفارعُ الطولِ الذي يتقدَّمُ وَفْدَ وزارةِ الخزانةِ الأميركيّةِ لشؤونِ الإرهابِ والاستخباراتِ الماليّة، القادمِ إلى لبنانَ لبحثِ ملفّاتِ تمويلِ الإرهابِ وتبييضِ الأموال، إلى جانبِ “الإصلاحاتِ” الماليّةِ المطلوبةِ من لبنان؟ إنَّهُ الرَّجلُ الَّذي استُقْدِمَ إلى الشَّرقِ الأوسطِ لِتَجفيفِ مَنابِعِ «حِزْبِ الله» الماليّةِ وحِصارِه. في مسارٍ مهنيٍّ مريب، عاد جوركا، الشخصيةُ الإعلاميّةُ والسياسيّةُ التي لا تكفُّ عن إثارةِ الجدل، ليحجزَ مقعدًا رفيعًا في إدارةِ دونالد ترامب الثانية. جوركا، الذي بنى شهرتَه على تفسيرِ الإرهاب من منظورٍ أيديولوجيٍّ بحت، يُجسّدُ عودةَ نهجِ “أمريكا أولًا” إلى مؤسّسةِ الأمنِ القومي، حاملًا معه تاريخًا من النقاشاتِ الحادّة حول مؤهلاتِهِ الأكاديميّة وارتباطاتِهِ السياسيّةِ السابقة. النشأة وُلِدَ جوركا في لندن عام 1970 لعائلةٍ مجريّة، وبدأ مسارَهُ المهنيَّ في المجر مطلعَ التسعينيّات، حيثُ عمِلَ في وزارةِ الدفاع، وحصلَ على درجةِ الدكتوراه في العلومِ السياسيّة. لكن نجمَهُ بدأ يسطعُ في الولاياتِ المتحدة بعد حصولِهِ على الجنسيّة الأميركيّة عام 2012، ليتحوّلَ إلى مُعلّقٍ بارزٍ في وسائلِ الإعلام المحافظة، مدافعًا شرسًا عن رؤيةِ ترامب السياسيّة. بلغَ هذا المسارُ ذروتَهُ في يناير 2017 بتعيينِهِ نائبًا لمساعدِ الرئيس، وهو منصبٌ استشاريٌّ لمكافحةِ الإرهاب في البيتِ الأبيض. إلّا أنّ فترةَ عملِهِ لم تدم طويلًا، إذ غادر في صيفِ العامِ نفسِهِ وسطَ تساؤلاتٍ حول صلاحياتِهِ وتصريحِهِ الأمني. ليعودَ من جديدٍ إلى مجلسِ الأمنِ القومي، ما يفتحُ البابَ أمامَ تساؤلاتٍ حول تأثيرِهِ المحتملِ على سياساتِ مكافحةِ الإرهابِ الأميركيّة. الأيديولوجيا أولًا وأخيرًا يكمُن جوهرُ فكرِ جوركا في تركيزِهِ المطلق على البُعدِ الأيديولوجي، وتحديدًا ما يسمّيه “الإسلام المتطرّف”، باعتبارهِ المحرّكَ الأساسيَّ للإرهاب المعاصر. يرى أنّ أيَّ استراتيجيةٍ أمنيّةٍ لا تُعالِجُ هذا “التهديد الفكري” بشكلٍ مباشر هي استراتيجيةٌ قاصرة.هذا المنهجُ، الذي يُميّز كتاباتِهِ وتصريحاتِهِ، يضعُهُ في خلافٍ مباشر مع قطاعٍ واسعٍ من خبراءِ الأمنِ القومي الذين يتبنّون تحليلًا متعدّدَ العوامل يأخذُ في الاعتبار الظروفَ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لم يكن مسارُ جوركا خاليًا من العقبات. فقد واجهَ تدقيقًا إعلاميًا وأكاديميًا مكثّفًا بشأنِ خلفيتِهِ. تقاريرُ استقصائيّةٌ ربطتْهُ بشخصياتٍ وأحزابٍ قوميّة في المجر، وهي اتهاماتٌ نفاها بشدّة. كما شكّكَ أكاديميّون وصحفيّون في مصداقيّةِ أبحاثِهِ ودرجتِهِ العلميّة، ما ألقى بظلالٍ من الشكِّ على مكانتِهِ كخبيرٍ تقنيٍّ في مجالِ مكافحةِ الإرهاب. يرى مؤيدوهُ فيه صوتًا شجاعًا لا يخشى تسميةَ التهديداتِ بأسمائها الحقيقيّة، بينما يعتبرهُ منتقدوه، ومن ضمنهم منظماتٌ حقوقيّة وخبراءُ أمنيون، شخصيةً أيديولوجيّةً تفتقرُ إلى العمقِ التحليليِّ المطلوبِ للمناصبِ الحسّاسة. في مجلس الأمن القومي من الناحيةِ العمليّة، أدّى تعيينُ جوركا إلى إعادةِ توجيهِ أولويّاتِ مكافحةِ الإرهاب نحوَ التركيزِ على التياراتِ الفكريّة، وتغييرِ الخطابِ الرسميِّ المتعلّقِ بالهجرة والإسلام السياسي. لكن قدرتَهُ على إحداثِ تغييرٍ حقيقيٍّ اصطدمتْ بتعقيداتِ البيروقراطيّةِ الأمنيّة، حيثُ تتشاركُ وكالاتُ الاستخباراتِ والبنتاغون ووزارةُ الخارجيّة في صناعةِ القرار. ومع ذلك، يبقى سِيبَاستيان جوركا شخصيةً محوريّةً في فهمِ التحوّلاتِ الفكريّة داخل اليمينِ الأميركي. لا يعكسُ وجودُهُ في هذا المنصبِ الرفيع فقط عودةَ شخصٍ مثيرٍ للجدل، بل يُشيرُ إلى انتصارِ رؤيةٍ أيديولوجيّةٍ معيَّنة في صياغةِ سياساتِ الأمن القومي، ما جعل تأثيرَهُ — سواءٌ كان محدودًا أو واسعًا — محطَّ أنظارِ المراقبين في واشنطن وحولَ العالم. يقوم كتابُ جوركا على فرضيّةٍ مركزيّة واحدة، الحربُ ضدَّ الإرهاب ليست مجرّدَ عمليةٍ عسكريّة أو استخباراتية، بل هي حربٌ أيديولوجيّةٌ في المقامِ الأول. يرى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءَها فشلوا في تحقيق نصرٍ حاسم لأنهم يرفضون تسميةَ العدوِّ باسمِهِ الحقيقي وفهمَ دوافعِهِ الفكريّة كتاب “هزيمة الجهاد” لجوركا يقوم كتابُ جوركا على فرضيّةٍ مركزيّة واحدة، الحربُ ضدَّ الإرهاب ليست مجرّدَ عمليةٍ عسكريّة أو استخباراتية، بل هي حربٌ أيديولوجيّةٌ في المقامِ الأول.يرى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءَها فشلوا في تحقيق نصرٍ حاسم لأنهم يرفضون تسميةَ العدوِّ باسمِهِ الحقيقي وفهمَ دوافعِهِ الفكريّة. 1) تشخيص المشكلة: العدو هو “الأيديولوجيا الجهادية” رفضُ التفسيرات الاجتماعية والاقتصادية: يرفضُ جوركا بشدّة التحليلاتِ التي تربطُ الإرهابَ بالفقرِ أو البطالةِ أو السياسةِ الخارجية الأميركيّة. يعتبرُ هذه التفسيرات “أعذارًا” تتجاهلُ جوهرَ المشكلة. العدوُّ ليس “الإرهاب”: يجادل بأنّ “الإرهاب” مجردُ تكتيكٍ، مثل “الحرب الخاطفة” (Blitzkrieg)، وليس عدوًا بحدّ ذاته.العدوُّ الحقيقي، في نظرِهِ، هو الأيديولوجيا الجهادية العالميّة التي تستلهمُ أفكارَها من شخصياتٍ مثل سيد قطب وأبي بكر ناجي، وتهدفُ إلى إعادةِ تأسيسِ الخلافة وتطبيقِ الشريعةِ بالقوة. التشابه مع الحرب الباردة: يقارنُ جوركا بين الأيديولوجيا الجهادية والأيديولوجيا الشيوعية. وكما هُزِمَت الشيوعية عبر استراتيجيةِ احتواءٍ طويلة الأمد قادها جورج كينان، يرى أنّ هزيمةَ الجهادية تتطلبُ استراتيجيةً مماثلة تُركّز على تفكيكِ الأيديولوجيا من الداخل. 2) الاستراتيجية المقترحة: “خطة كينان للقرن الحادي والعشرين” يقترح جوركا خطةً من ثلاثِ ركائزَ أساسيّة: أولًا: نزعُ الشرعية عن الأيديولوجيا قلبُ الاستراتيجية. يدعو إلى تمكينِ الأصواتِ المسلمة المعتدلة لتتولّى مواجهةَ الفكرِ الجهادي. دورُ الولايات المتحدة: توفيرُ منصّاتٍ ودعمٍ لهذه الأصوات. ثانيًا: العملُ العسكري والاستخباراتي المحدود. يرفضُ “بناءَ الدول”، ويُفضّل دعمَ الحلفاءِ المحليين للقتال على الأرض، مع دعمٍ أميركيٍّ استخباراتي وجوي. ثالثًا: تعزيزُ الدفاعات الداخلية، يدعو إلى: تدريبِ الشرطة على فهمِ علاماتِ التطرف مراقبةٍ أكثرَ صرامة للمساجدِ المشتبه بها. 3) نقاط الضعف والنقد تبسيطٌ مُفرِط: يهملُ عواملَ اجتماعية واقتصادية وسياسية مؤثرة. إشكالية تحديد “المعتدلين” داخل المجتمعات المسلمة. تجاهلُ خطر اليمين المتطرف في الغرب. خطابٌ استقطابي قد ينفّرُ المسلمين ويُقوّي دعايةَ المتطرّفين. يقدّم جوركا رؤيةً واضحة ومتماسكة، لكنها مثيرةٌ للجدل. قد تجد بعضُ أفكارِهِ صدى لدى صُنّاعِ القرار، إلا أنّ نهجَهُ الأيديولوجيَّ الصارم يجعلُهُ في منافسةٍ مع مقارباتٍ أكثرَ شمولًا يتبنّاها غالبُ خبراءِ الأمن القومي اليوم.
في خطوةٍ تاريخيّة قد تُعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، يستعدّ الرئيسُ السوريّ أحمدُ الشَّرع لزيارةِ واشنطن في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، في أولِ زيارةٍ لرئيسٍ سوريٍّ إلى الولايات المتحدة منذ استقلال سوريا عام 1946. الزيارةُ، التي أكّدها المبعوثُ الأمريكيُّ إلى سوريا توم باراك، تأتي في سياق تحوّلاتٍ جيوسياسيّة متسارعة، أبرزُها قربُ توقيعِ اتفاقٍ أمنيٍّ بين سوريا وإسرائيل برعايةٍ أمريكية، وانضمامُ سوريا المرتقب إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”. مفاوضات خلف الكواليس تكتسبُ زيارةُ الشرع إلى واشنطن أهميةً استثنائية، ليس فقط لكونها الأولى من نوعها، بل لأنها تأتي تتويجاً لمسارٍ من المفاوضاتِ والمباحثات التي جرت خلف الكواليس، وتهدف إلى إعادة دمجِ سوريا في المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة. ومن المتوقّع أن يلتقي الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لقاءٍ يهدف إلى وضعِ اللمساتِ الأخيرة على اتفاقياتٍ استراتيجية، تشملُ رفعَ العقوبات الاقتصادية عن سوريا، والبدءَ بمرحلة إعادة الإعمار. أمّا الاتفاقُ الأمنيّ بين سوريا وإسرائيل، فيُعدّ تطوّراً لافتاً، إذ يُرجَّح أن يكون شبيهاً باتفاقِ فَضِّ الاشتباك لعام 1974، مع تعديلاتٍ طفيفة تضمنُ أمنَ الحدود، وتُؤسِّس لتعاونٍ أمنيٍّ ثلاثيّ (سوري–إسرائيلي–أمريكي) في منطقة جبل الشيخ. كما يتضمّن الاتفاقُ بسطَ سلطةِ الحكومة السورية على كامل المنطقة الجنوبية، مع ضماناتٍ لأمنِ الطائفة الدرزية، ما يشير إلى رغبةٍ أمريكية في تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة الحسّاسة. التأثير على لبنان فيما يبدو أنّ سوريا تتجه نحو انفتاحٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ، فإنّ لبنان يبدو الخاسرَ الأكبر من هذه التحوّلات. فالـاتفاقُ الأمنيّ بين سوريا وإسرائيل، وزيارةُ الشرع إلى واشنطن، يضعان لبنان في عزلةٍ إقليميةٍ غير مسبوقة، ويفرضان ضغوطاً هائلة على مختلف المستويات: العزلةُ الإقليمية مع تطبيع معظم الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل، ومع اتجاه سوريا نحو اتفاقٍ أمنيّ، يصبح لبنان الدولةَ الوحيدةَ في المنطقة التي لا تملك أيَّ شكلٍ من أشكال العلاقات مع إسرائيل، ما يجعله معزولاً سياسياً ودبلوماسياً. الضغطُ على حزب الله يرى مراقبون أنّ أحدَ الأهداف الرئيسية للاتفاق السوري–الإسرائيلي هو قطعُ طرقِ الإمداد والتسليح عن حزب الله، الذي يعتمدُ بشكلٍ كبير على سوريا كعمقٍ استراتيجي.تصريحاتُ المبعوث الأمريكي توم باراك حول ضرورة نزع سلاح حزب الله، وربطِ المساعدات الاقتصادية للبنان بهذه الخطوة، تشير إلى أنّ الحزب سيكون الهدفَ التالي للضغوط الأمريكية والإقليمية. فقدانُ العمق الاستراتيجي لطالما شكّلت سوريا عمقاً استراتيجياً للبنان وملاذاً له في مواجهة الضغوط الإسرائيلية. ومع توقيع الاتفاق الأمنيّ، يفقد لبنان هذا العمق، ويصبح وحيداً في مواجهة ضغوطٍ متزايدة من إسرائيل والمجتمع الدولي. الضغطُ الاقتصادي وصف توم باراك لبنان بـ”الدولة الفاشلة”، في إشارةٍ واضحة إلى أنّ المساعداتِ الاقتصادية الدولية ستكون مشروطةً بتحقيق الاستقرار ونزعِ سلاح حزب الله. وفي ظلّ الأزمةِ الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، فإنّ هذا الشرط يضع الدولة اللبنانية أمام خياراتٍ صعبة. البنودُ الرئيسية في الاتفاق لجنةٌ أمنيةٌ مشتركة: سورية–أمريكية–إسرائيلية لمتابعة مستجدّات الحدود. بسطُ السلطة السورية على كامل المنطقة الجنوبية بما فيها محافظة السويداء. ضمانُ أمنِ الدروز: تعهّدٌ أمريكيٌّ بحماية الطائفة الدرزية في الجنوب السوري. انتشارٌ مُشترك: أمريكي–سوري–إسرائيلي في منطقة جبل الشيخ. تمثّل زيارةُ الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، والاتفاقُ الأمني المرتقب مع إسرائيل، نقطةَ تحوّلٍ مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط. ففيما تبشّر هذه التطوّراتُ بنهضةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ لسوريا، فإنها تضعُ لبنان أمام تحدّياتٍ وجوديّة، وتفرض عليه إعادةَ النظر في تحالفاته وسياسته الخارجية، في ظل متغيراتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ متسارعة قد لا تكون في صالحه.
في لبنان، لا شيءَ ينتهي فعلاً، بل يُعاد تدويرُه بأسماءٍ أنيقةٍ ووجوهٍ “نظيفة”.يطلّ علينا نواف سلام اليوم كرجل “الإصلاح” و”الشفافية”، يحمل في جيبه مشروعًا يُشبه بيانًا وزاريًا صاغته السفارة الأميركيّة، ويضع نصب عينيه مهمّة “تاريخيّة”: سحب سلاح حزب الله. أمّا الوعود بالمقابل؟ فسلامٌ سياسيّ شامل، مساعداتٌ ماليّة “محتملة”، وترشيح رمزيّ لجائزة نوبل للسلام، لأنّ العالم يُحبّ دائمًا أن يُكافئ من يُكافئ إسرائيل. منذ الحرب الأهليّة، كان لبنان حقلَ تجاربٍ للتطبيعِ المقنّع.اليوم، المشهدُ نفسُه يُعاد بنسخةٍ أكثر “دبلوماسيّة”: بدل القائد العسكري، لدينا قاضٍ دوليّ يبتسم أمام الكاميرا ويعدنا بـ”عصرٍ جديد بلا سلاح”. الفرق الوحيد أنّ التطبيعَ اليوم يُسوَّق على أنّه “سلامٌ شجاع”، لا “خيانةٌ صريحة”. أميركا تصنع الرموز ولبنان يُصفّق في واشنطن، يبدأ المشروع بجملة: “نريد وجهًا مقبولًا في بيروت”.فيُستخرج أحدُهم من أروقة القضاء الدولي، ويُعطى رتبة “رجل الدولة العاقل”، وتُرسَم له طريقٌ مفروشة بالتصريحات المتزنة. لكن خلف الكواليس، اللعبة أوضح من أن تُخفى: سحب سلاح حزب الله، تفكيك السلاح الفلسطيني في المخيمات، وتهيئة لبنان كمنصّة تطبيعٍ دبلوماسيّ هادئ. وما هو المقابل؟ صورٌ جميلة في نيويورك، تصفيقٌ في مجلس الأمن، وهمُ “الدولة السيّدة” التي لا تملك من السيادة إلّا بيانًا حكوميًا منمّقًا.أمّا الشعب، فله حصّتُه المعتادة من “الوعود الدوليّة”، ودرسٌ جديد في فنّ بيع الوطن بالتقسيط السياسي المريح. من غوتيريش إلى سلامهل يكون نواف سلام المرشّح القادم لخلافة أنطونيو غوتيريش؟ربما. فالغرب يُحبّ الوجوه التي تعرف كيف تتحدّث بلغة “الحقوق الدوليّة” بينما تبتسم للمصالح الأميركيّة.لكن “السلام” الذي يُعَدّ له في بيروت ليس سلامًا بين لبنان وإسرائيل، بل سلامًا بين لبنان ووصايتِه الجديدة.سلامٌ يُنتزع فيه السلاح لا لوقف الحرب، بل لوقف فكرة المقاومة.سلامٌ يُعاد فيه رسم المخيّمات الفلسطينيّة على طريقة “التنظيم المدني”، أي تفكيك آخر جيبٍ يحمل ذاكرة الكفاح.سلامٌ ينتهي بعبارةٍ منمّقة في الأمم المتحدة: “نحن في الشرق الأوسط الجديد”. قد يحصل نواف سلام على جائزة نوبل للسلام، وربما تُعلّق صورتُه في أروقة الأمم المتحدة، لكن لبنان سيبقى بلا كهرباء، بلا عدالة، وبلا كرامة. سيبقى “البلد الذي سلّم سلاحه قبل أن يسلّم فقره”، وصدّق أنّ واشنطن تمنح الجوائز لمن يُحبّ، لا لمن يخضع. والتاريخ، يا دولة الرئيس، لا ينسى مَن سلّم البندقيّة طوعًا ليكسب تصفيقةً عابرةً من عواصم القرار. قد يكتب عنك التاريخ يومًا: “هو الرجل الذي أراد أن يصنع السلام… فخسر البلاد”.