علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية متابعة أنه، من تداعيات الكلام الذي أُثير مؤخرًا بحق ما يحصل من «أمور مريبة» داخل بلدية الهلالية (شرق صيدا)، أدّى ذلك إلى تطيير مشروع كان أحد تجار البناء المعروفين في تلك المحلة قد تكفّل به “كعطية” من جيبه الخاص لصالح البلدية، والمتمثل ببناء قصر بلدي جديد على قطعة أرض تحوم حولها علامات استفهام واجتهادات عديدة. فبحسب عارفين، تمكّنت شخصية صيداوية معروفة تشغل قطعة الأرض المتنازع عليها من النجاح في تعطيل “بلدوزر” المشروع بالطرق القانونية، من دون أن تتمكن من حسم الملف بشكل نهائي بعد، إلا أن “التنبيهات” التي وجّهتها وزارة الداخلية إلى تلك البلدية، والكلام الذي أُثير حول تجاوزات كثيرة في عملها، فتحا العيون على العلاقات المتداخلة بينها وبين أحد أصحاب المولدات المحظيين وتجار البناء، الأمر الذي أدّى إلى تأجيل المشروع برمته، لا إلغائه، بانتظار جلاء الصورة. ويبقى السؤال. ما الذي يدفع بتاجر بناء يصادف أنه صاحب مولد أيضا إلى تقديم “هبة بقيمة مليون دولار” لبناء قصر بلدي لبلدة، في وقت يعجز فيه “البنك الدولي” عن تخصيص مثل هذا المبلغ لمشروع كهذا، في زمن لا شيء مجانيًا فيه!
تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك». ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها. المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام». والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات. لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله. skip render: ucaddon_material_block_quote ليست المشكلة في الإسلام لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما. وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع. المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟ هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟ الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط. لبنان… المختبر الأكثر فجاجة لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات. ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة. فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا. المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي. وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة. وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟ هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون. لسنا نهرب من أوطاننا بالضرورة… بل من الطريقة التي أُديرت بها أوطاننا لماذا يهاجر الناس؟ المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه. والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ. والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟ لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه. السعادة ليست مالًا فقط لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا. تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة. أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة. لبنان لم ينهَر بسبب الغرب لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان
skip render: ucaddon_box_testimonial كان المبلغ سنتًا واحدًا، لكن الدرس كان يساوي مليارات. فالمشكلة لم تعد في قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم البيانات، بل في ماذا يستطيع أن يفعل بعد أن يفهمها. المساعد الذي كان يكتفي بالإجابة عن سؤال العميل يتحول تدريجيًا إلى «وكيل» يستطيع قراءة البيانات، والاتصال بأنظمة أخرى، واستخدام أدوات مالية، وتنفيذ سلسلة من الأوامر، واتخاذ قرارات بسرعة لا يستطيع الموظف البشري مجاراتها. وهنا تبدأ القصة اللبنانية. الحالة اللبنانية إذا كان بالإمكان زرع تعليمات داخل تحويل مالي صغير لخداع وكيل مصرفي، فلماذا لا نستخدم الوكلاء أنفسهم في الاتجاه المعاكس، لتعقّب التحويلات الكبيرة، ورسم شبكات المستفيدين، ومقارنة الحسابات، وتحليل حركة الأموال قبل الأزمة وبعدها، وربط الشركات والحسابات والصفقات والعقارات والتحويلات العابرة للحدود، ثم وضع خريطة كاملة تقول للمودع اللبناني: أين ذهبت أموالك؟ قد يبدو السؤال استفزازيًا، لكنه في لبنان لم يعد ترفًا فكريًا. منذ انهيار النظام المالي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، يعيش مئات الآلاف من المودعين مع أموال عالقة داخل النظام المصرفي. وبعد سنوات من الأزمة، لا يزال السؤال الأكثر بساطة هو الأكثر إيلامًا: أين ذهبت الأموال؟ ومن استفاد؟ ومن يجب أن يدفع؟ هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من أداة تخيف المصارف إلى أداة تخيف الفاسدين. فإذا كانت المصارف الكبرى في العالم تستثمر في وكلاء قادرين على مراقبة المدفوعات، وإدارة السيولة، وتحليل المخاطر، فلماذا لا يكون هناك مشروع وطني مستقل يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المصرفية والمالية المتاحة قانونيًا، وبناء شبكة تربط حركة الأموال بالقرارات السياسية والمالية التي سبقت الانهيار وتلته؟ ليس المطلوب أن يصبح الذكاء الاصطناعي قاضيًا أو محققًا أو جهة تصدر الأحكام. المطلوب أن يصبح آلة بحث ضخمة لا تنام. آلة تستطيع أن تسأل، في وقت واحد، عن آلاف الحسابات والشركات والأشخاص والتحويلات. اِقلقوا البشر يستطيعون التحقيق في ملف، أما الآلة فتستطيع أن تقرأ ملايين الملفات. وهذه هي النقطة التي يجب أن تقلق منها الطبقة المالية والسياسية اللبنانية، فالتكنولوجيا التي يستخدمها العالم اليوم لمنع الاحتيال يمكن استخدامها أيضًا لكشف مسارات الأموال التي سبقت الانهيار. والذكاء الاصطناعي الذي تستطيع المصارف أن تمنحه صلاحية قراءة آلاف المعاملات في ثوانٍ، يمكن أن يُمنح، ضمن إطار قضائي وقانوني مستقل، مهمة البحث عن الأنماط التي قد يستغرق اكتشافها بشريًا سنوات. المفارقة أن لبنان لا يحتاج إلى اختراع أزمة جديدة كي يفهم قيمة هذه التكنولوجيا. الأزمة موجودة أصلًا، والبيانات موجودة في أماكن مختلفة، والوثائق موجودة، والضحايا معروفون، والأسئلة معلّقة منذ سنوات. المفقود هو القدرة على جمع الصورة كاملة: من «مَن سرق؟» إلى «أين ذهبت الأموال؟». الجدل اللبناني ظل طويلًا محصورًا في شعارات عامة عن الفساد والهدر وسوء الإدارة. لكن استعادة الأموال تحتاج إلى شيء أكثر قسوة من الشعارات؛ تحتاج إلى أدلة قابلة للتتبّع، ومسارات مالية قابلة للإثبات، وسلسلة زمنية توضّح كيف تحركت الأموال، ومن اتخذ القرار، ومن استفاد. يمكن تدريب أنظمة تحليل متقدمة على بيانات مالية وقانونية ومصرفية متاحة للجهات المختصة، بحيث تبحث عن العلاقات غير المرئية بين آلاف العمليات. ويمكنها اكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتحديد التحويلات المرتبطة ببعضها، ومقارنة توقيت العمليات مع الأحداث السياسية والمالية، وفرز ملايين الوثائق لتحديد ما يستحق التحقيق البشري. لا يعني ذلك أن الآلة ستقول إن شخصًا ما مذنب. بل ستقول للمحقق: انظر هنا. وهذا وحده قد يغيّر قواعد اللعبة. ففي القضايا المالية الكبرى، المشكلة ليست دائمًا غياب المعلومات، بل كثرتها وتشابكها. آلاف الصفحات والعقود والحسابات والتحويلات قد تخفي في وسطها عملية واحدة مهمة. وما يحتاجه فريق بشري إلى أشهر من العمل يمكن لنظام تحليلي أن يختصره إلى ساعات، ثم يترك للخبراء والقضاء مهمة التحقق والإثبات. ولبنان، الذي يدفع مواطنوه منذ سنوات ثمن الانهيار، يحتاج إلى مثل هذه الأدوات أكثر من أي وقت مضى. إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إدارة المال، فليساعد في استعادته. العالم المالي يتحرك بسرعة نحو منح الذكاء الاصطناعي صلاحيات أكبر. وقد أصبحت المخاوف لا تتعلق فقط باختراق نظام واحد، بل باحتمال أن تعتمد مؤسسات مالية متعددة على نماذج متشابهة، فتستجيب للمعلومات نفسها بالطريقة نفسها، بما يعزّز سلوك القطيع والتقلبات في أوقات الأزمات. أي إن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يصبح جزءًا من المشكلة. إذا كان الوكيل الذكي يستطيع، في المستقبل، تنفيذ عملية دفع كاملة، فلماذا لا يستطيع تنفيذ مهمة أخرى أكثر تواضعًا وأهمية: تتبّع مسار وديعة لبناني فقد حقه في الوصول إلى ماله؟ إذا كان يستطيع تحليل المخاطر في أسواق عالمية خلال أجزاء من الثانية، فلماذا لا يستطيع تحليل شبكة الشركات والحسابات التي ارتبطت بالأزمة اللبنانية؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح مستشارًا ماليًا، ومساعدًا مصرفيًا، ووكيل تداول، فلماذا يبقى المودع اللبناني وحيدًا أمام مصرف يقول له منذ سنوات: انتظر؟ ليس المطلوب «روبوتًا» قد يبدو الكلام عن الذكاء الاصطناعي في لبنان كأنه هروب إلى المستقبل، بينما البلاد لا تزال عالقة في أسئلة الماضي. لكن المسألة عكس ذلك تمامًا. المطلوب ليس روبوتًا يضغط زر «إعادة الأموال» ويحوّل الودائع إلى حسابات أصحابها. هذه ليست لعبة فيديو. المطلوب منظومة مستقلة للتحليل والتتبّع، تعمل تحت إشراف قضائي ورقابي واضح، وتستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث الجنائي والمالي، مع حماية البيانات وحقوق الأفراد، وتمنع استخدام النتائج الآلية كبديل عن التحقيق أو الحكم القضائي. والأهم أن تكون مستقلة عن المصارف وعن السياسيين الذين قد تتقاطع مصالحهم مع الملف. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع وحده إصلاح نظام سياسي فاسد، ولا يستطيع أن يحل محل القضاء، ولا يمكنه أن يخلق أموالًا من العدم. لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا بالغ الأهمية: أن يجعل إخفاء العلاقات المالية أصعب بكثير. وهذا تحديدًا ما قد لا يروق لبعض الذين استفادوا من ضبابية النظام. من يخاف من آلة تقرأ كل شيء؟ ربما تكون أكثر جملة استفزازًا في هذه القصة هي التالية: إذا لم يكن هناك ما نخفيه، فلماذا نخاف من تحليل البيانات؟ المودع اللبناني لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات عن الاقتصاد الرقمي، ولا يحتاج إلى خطب جديدة عن التحول التكنولوجي. هو يريد معرفة مصير أمواله. وإذا كانت البنوك العالمية تتجه إلى منح الآلات قدرة أكبر على قراءة المعاملات، وإدارة المخاطر، وتنفيذ العمليات، فمن غير المنطقي أن يبقى الذكاء الاصطناعي في لبنان أداة لتجميل التطبيقات المصرفية أو كتابة الردود الآلية لخدمة العملاء. يمكن أن تكون له وظيفة أكثر إزعاجًا وفائدة: البحث عن الحقيقة المالية. القضية هنا ليست تقنية فقط. إنها سياسية وأخلاقية. فالأموال التي اختفت من النظام المصرفي ليست مجرد أرقام في قواعد بيانات. إنها مدخرات عائلات، وأموال تعليم، وتقاعد، ومشاريع صغيرة، وحياة كاملة اختُزلت في عبارة باردة اسمها «فجوة مالية». لكن خلف كل دولار في تلك الفجوة إنسان. لهذا، ربما حان الوقت لأن يتغير السؤال اللبناني. بدلًا من أن نسأل الذكاء الاصطناعي: «اكتب لي رسالة إلى المصرف»، يمكن